ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

متلازمة العربي التائه

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمود عبد الحكيم
محمود عبد الحكيم
السبت 2 آب 2025
الخط

«لن نستطيع الحصول على ضمانات إلا ما تقدّمه قوّتنا ويقدّمه استعدادنا لحمل السلاح، لقد ثبت أن العبارات الإنشائية لا قيمة لها وأن كل الصياغات قابلة للانصهار أمام حرارة النيران. هل نحن قادرون على امتلاك إمكانية العمل المسلّح الفعّال أو غير قادرين؟ هذا هو السؤال، وأي شيء عداه لا قيمة له» ــــــــــ جمال عبد الناصر، نوفمبر 1967

مقدمة

في مصر، كبرى دول العرب سابقاً، نجحت إسرائيل عملياً، بعد هزيمة 1967، في تحويل سيناء القضية الأساسية في الصراع. وعزفت سلطة السادات النغمة ذاتها، وفي يدها نصر أكتوبر، وصولاً إلى زيارة الكنيست وتوقيع كامب ديفيد، ثم السردية الرسمية التي بلورت التحوّل: استرددنا سيناء بالقوة وأثبتنا قدرتنا، وسنحافظ على التزام أخلاقي تجاه «القضايا العربية» وفلسطين. لم تحمل النظرة تشخيصاً أبعد للصراع وارتباطاته الحقيقية الواضحة، أو آفاقه، رغم انطلاق العربدة الإسرائيلية، الباقية إلى اللحظة، بعملية الليطاني عام 1978، أوّل غزو للبنان، ثم الاجتياح حتى بيروت في 1982، واكتفت بتثبيت خطاب الأمن القومي وأهمية السلام في فلسطين ضرورةً لأمن مصر.
الآن، يرفض المشروعُ الصهيوني كل الحلول الممكنة، والمؤقتة منها حتى، ثم يأتي الرد العربي أن مهما فعلتم لن نذهب إلى مواجهة، مع خفوت أو ارتفاع الضجيج بالكلام وفق الحالة والتوقيت. والمفارقة، وأناقش هنا أنها منطقية، أنّ أكثر ما يفعله العربي الرسمي هو التأكيد الهستيري على استبعاد المواجهة، وتكرار جدل عقيم عن النشاط السياسي المطلوب لإنقاذ غزة، مع انسداد أفق الضغط الاقتصادي أو الديبلوماسي على إسرائيل (على العكس: العلاقات الرسمية العربية معها في تصاعد، شاملة الاقتصاد، رغم كل الإدانات للعربدة).
يتساءل سائلون كيف وصلنا إلى هنا وبات ما يُعَدّ «الأمن القومي العربي» أضحوكةً. والمضحك أكثر، أنه سؤال يردّده إعلام وخبراء مرتبطون بمنظومات وقوى، إمّا بادرت إلى تقويض هذا الأمن (بالتفجير بالميليشيات وضرب ومحاصرة أعداء الصهاينة والاستثمار في انعدام التجانس الطائفي والقبلي؛ في مجتمعات الشام الكبير واليمن وليبيا والسودان وفي لحظة الربيع العربي)، وإمّا أنها تتعاون وتطبّع مع الكيان القائم بتقويض الأمن نفسه، أو هي تسمح للكيان بالضغط عليها حدّ التهديد بإحداث انفجار ـــــ ولا استجابة بقوة شبه متكافئة. من يدين ماذا؟
هل يمكن القول إنّ التوجه الرسمي العربي العام «أمنيٌ» واقعيٌ محض، يريد حفظ حدود دولنا وصلابتها أمام الأقوى؟ واضح الفشل في تحقيق ذلك. هل التوجّه مثاليٌ يريد تحويل دولنا إلى ديموقراطية الصندوق وتداول السلطة؟ تجيبنا تجربتا سوريا وليبيا، ونعرف حدود حرّية التعبير (لا الأحزاب طبعاً) عند من دعم التحرّك المسلّح فيهما من عرب. هل من توجّه إستراتيجي يرى الاقتصاد السياسي وأهميته، ويريد تحقيق درجة اندماج إقليمي عربي، ثم التكامل مع تركيا وإيران لصالح الجميع؟ يبدو التصوّر كاريكاتورياً. ما الهدف وأين الطريق، إذاً؟

خلفية تاريخية

من منظور الجغرافيا السياسية، يبدو غياب التوجّه الإستراتيجي الواضح، وغياب الحسم في فرض السيادة والسيطرة الإستراتيجية (أي الكاملة) على جغرافيا وموارد الإقليم، تاريخياً، صورةً للإقليم نفسه، مطبوعة واقعاً منذ النكبة، وتتماس بفلسطين وقضيتها وأصحابها. كأنها رمز لـ«لعنة الجغرافيا»/حساسية الموقع، وتكثّفت في نماذج وتجارب الدول العربية الكبيرة من جمهوريات التحرّر الوطني، سوريا ومصر والعراق، بالتداخل مع عوامل وقوى تاريخية دفعت في الاتجاه ذاته: الارتهان إلى توازن بين كتل سياسية وحضارية وتاريخية، إقليمية وعالمية، في موقع إستراتيجي حرج أو تخوم بين مناطق سيطرة القوى العالمية الأكبر، وإلى فاعلية الضغط من الأعلى/الغرب، الذي ينجح في إدارة وحسم مآل المشهد لصالحه عادةً.
الأُولى، أي سوريا، فرضَ موقعُها «النجمي» الفريد، منذ قيام الجمهورية، مركّب توازنات حرجة ومتداخلة، طائفية وإستراتيجية، وسياسية، بين النظام الرسمي العربي وإسرائيل، ومشروع المقاومة الفلسطينية ولبنان (حضرت فيها السعودية بكثافة)، وبين أميركا والاتحاد السوفياتي. والثانية (مصر)، تنازعتها اتجاهات الشمال الاستعماري وأفريقيا وغرب آسيا تاريخياً، ولم تقد حلفاً عربياً ناجزاً لردع إسرائيل ولم تملك خطّة واضحة كفؤة لتحجيمها، أو تحييد مرتكزات الإمبريالية في دول الطوق ومحيطها، في ذروة قوّة مصر ومع غطاء أيديولوجي فائض الانتشار (القومية العربية)، وهي تكابد حتى الآن لبلوغ توازن «مطلق» مستحيل، بين الغرب والشرق، وبين منع التهجير، وحفظ كامب ديفيد بأعلى الأثمان.
والثالثة (العراق)، مهّد فصلها عن إقليم الشام، وحضور النفط فيها، وموقعها بين الشرق والغرب، والخليج وإيران، لاستخدامها واصطيادها مبكراً بفخّ العداء لمصر وسوريا ذاتهما، والحروب فاقدة التوجّه الإستراتيجي، ثم العقوبات، فالحرب والاحتلال والتفتيت والحضور التكفيري المسلّح. وتمثّل عجزَ محور المقاومة عن حسم الصراع مع منظومة الهيمنة لصالحه، إذ يساكن فيها الأخيرة طويلاً عوضاً عن انفجار الصراع، الذي يفتقد الطرفان إمكان حسمه.
الخلاصة، أنه حتى عام 2011 وتحوّلاته، عجزَ النظام الرسمي العربي، ودول الخليج في قلبه، ومنذ الستينيات، عن حسم دور إيجابي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتبرها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وعن إنتاج استجابات مناسبة لأزمات الأمن القومي العربي الكبرى في فلسطين والأردن ولبنان، المتشابكة بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن العراق المرشّح حالياً للانفجار عند الاصطدام الغربي الإيراني المباشر. لم يفتقد عبد الناصر وحده «إستراتيجية لتحرير فلسطين»، حد قوله صراحةً، بل حاصرت السعودية مشروعه السياسي ومظلّته الفكرية في محيط شبه الجزيرة، وصولاً إلى لبنان (منذ الخمسينيات) والسودان ومصر نفسها، مع تمويلها منظمة التحرير التي تمدّد النفوذ الخليجي فيها. وبحلول منتصف التسعينيات واغتيال رابين، تشكّل نموذج أوسلو وإلقاء السلاح من دون ثمن حقيقي، لصالح مشروع «إلحاق» العرب بالراعي الأميركي ووكيله الحصري إسرائيل، مع تحييد واحتواء سوريا دولة الطوق المتمردة، ودفعها إلى مزيد من «التوازنات».

من يمثّل العرب؟

في الدول العربية الأكبر والقوى العربية التقليدية، يحدّث العربي الرسمي نفسه الآن - لأنه لا مستمعين حقيقيين لهذه الأغنية - عن «الأقلمة»، وحل أزمات العرب داخل الإطار العربي والإقليمي، والجميع يعلم أنه يعلم أنه يغفِل الفاعل الأكبر المحدد لاتجاه السياسة في المنطقة، والناظم لتوازن التشكيل الإقليمي نفسه، الطرف نفسه «مطلق الإرادة»، في نظر العربي الرسمي، حدّ التسليم بحقه في أخذ المال وقتما يشاء، كما حدث في الخليج أخيراً ووقت ولاية ترامب الأولى. وفي المحافل الدولية، ومع تكرار إدانة الانتهاكات وإثارة الضوضاء: كيف قد تقنع أي دولةٍ عربية دولةً غير عربية بقطع السلاح عن إسرائيل ودول عربية كبرى لا تمارس الضغط نفسه في مجال الغاز الطبيعي أو المنتجات الزراعية (والقائمة تطول)؟
هذا السمن على عسل يتسق مع سقف ما يفعله، وقد يفعله هذا العربي الرسمي، حتى في خطابه، رغم، وبموازاة، انطلاق مرحلة حرجة غير مسبوقة من السعار الصهيوني. تحرص دول محور الاعتدال مثلاً على حصر الأزمة في الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي لا تسعى إلى السلام، وتمتنع عن أي تصعيد وعن طرح حقيقة الكيان ذاته، التي يعرفها كل العرب وغالبية العالم، ولو جزئياً. يقول خطابها: نعرف فارق القوة ونتفهم محددات الهيمنة لكن صوتنا المجوّف لن ينقطع. تتحوّل العروش والكراسي والإرادات السامية، المسيطرة محلياً بقدر ساحق، إلى ما يشبه المحتجين الممتعضين الباحثين عن تمثيل سياسي دولياً بلا جدوى، ولديهم «مطالب» مشروعة، ولا يندر أن نجد في أحاديث مسؤولين عرب سابقين، خليجيين تحديداً، ما يقول صراحةً نحن ضعفاء إستراتيجياً وقرارنا غير مستقل.
هل تدرك دول العرب الأكبر، المعنية بما يعتبر «الأمن القومي العربي»، هوان واقعها الإستراتيجي، ودلالات العربدة الإسرائيلية، بصرف النظر عن إدانتها وبشاعتها، وما تخبرنا به عن المستقبل؟ الإجابة غالباً نعم، ولكن المؤكد أنها لا تنتج استجابة تقارب ذلك، وأن الكتل الحاكمة لها إمّا من دون قدرة على خوض مواجهة لانتزاع استقلال أعلى، وردع رأس الحربة الغربية في المنطقة، وكفّ يد منظومة الهيمنة، المتراجعة في باقي العالم بالفعل، أو لا مصلحة مباشرة لها في ذلك. ولعل هذا «سرّ» ما نسميه عجزاً عربياً، وبتنا نشعر أنه مثل قوّة منظومة الهيمنة: قدرٌ يتّسق مع القواعد الناظمة للكون.
والمأساة أن تلك الكتل، في عجزها هذا، إمّا تمتنع عن محاولة تحسين شروط تبعيتها حتى، وتلزم الجمود، أو توجّه فاعليتها ونفوذها، مثل حالة الخليج، نحو أقرب عرب مجاورين (خاصةً الفقراء) لتحويل أوطانهم إلى طرف لمركز، يدير انهيار دول العرب ويفيد منه ويتغذّى عليه، في السودان واليمن وليبيا وإقليم الشام الكبير ومصر، ويجمع ويضخّ ويوزع الفوائض المالية إلى الغرب وحول نفسه.
لذلك، مهم تحديد من نقصد عند الحديث عن «العرب»، مع أهمية قصوى لأفكار هؤلاء جميعاً: لعل المعضلة المادية الملموسة، وأحد أجزائها مسألة التمثيل السياسي لجماهير العرب وغالبيتهم، أوضح صورةً من معضلة الذهنية والثقافة وتشكّل الأفكار. كيف يرى ناس العرب الواقع والمثال وذواتهم؟ وهل يتصورون واقعاً بديلاً بالمعنى السياسي العملي أم بمعنى ذهني مجرّد؟

«الشيء وتصوّره» والواقع الإنستغرامي

منذ سنوات وقبل حرب غزة، شاهدت مقطعاً مصوّراً لسيدة مرفّهة تشرح طريقة أكل الزيتون بالشوكة والسكين؛ ما استوقفني لوهلة وجعلني، مع قراءة التعليقات على المقطع، أفكّر في مثال عربي. هي غالباً لن تهتم كثيراً بسعر الزيتون، أو أسلوب زراعته أو إعداده ليكون منتجاً نهائياً، ولا بتنوّعه، باختلاف الصنوف والبذور والتربة والجغرافيا، أو تنوع زيته ووسائل اعتصاره، ولا بموقع و«مكانة» زراعته واستخلاص زيته، وبنيتها في التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية، وهوية عرب كثيرين وصراعهم مع مستعمريهم ومستغلّيهم المختلفين... يبدو لها هذا كله تعقيداً في غير محله، وتركيباً لا تتسع له رقّة الحس الإنساني المشمئز من تناولك للزيتون بأصابعك ـــــ لا تغيّر الموضوع!
إلا أن مزارع الزيتون الفلسطيني في ريف الضفة، سيشاهد الفيديو ويضحك ساخراً: «إيش مالها؟!»، وهو خبير ورث معرفة متراكمة بتلك الثمرة ومتعلّقاتها، بل قد يتعرّض لخطر مباشر أو إطلاق نار أثناء محاولته زراعتها وسط تدمير ومحاصرة للمجال كله. وسيضحك المهمّش أو الفقير المصري أيضاً مما يراه فقرة ترفيهية ساخرة، إذ يفعل التطرّف في التمسّك بالقشور والتغافل عن الجوهري الواضح فعل الكوميديا عملياً، وقد يتذكّر أنه لم يشترِ زيتوناً منذ مدة لارتفاع الأسعار، متعجّباً: أي ضحالة تجعل المرء يطارد زيتونة في طبق ليقطعها بأداة معدنية؟
أمّا الهانم الأنيقة، فستتلقّى السخرية بمزيد من الإيمان بالأتيكيت وبأنه ليس رفاهية، ويحزنها جهل وتفاهة العوام واستغراقهم في سلوك غير متحضّر يجعل حياتهم «أقل جمالاً»، وستقول في وجدٍ إنّ الفقر لا يتعارض والذوق الرفيع لولا أننا (أي غالبية العرب أو قليلي الذوق) أقرب للعدوانية والتعامل الهمجي، ونكره رقة الحسّ وقواعدها. ومع دموع التأثّر وبعض المخاط ستعطي لنفسها كأس العالم في الإنسانية، ويظل هذا الآخر في موقع الوحش، حتى وهي تسبغ عليه صفة الضحية، ضحية انحدار الذوق، ويسأل نفسه مرة أو اثنتين ما مشكلتها بالضبط ولا إجابة شافية. إنه بدائي بدائية من يجوع أو يرغب فيلتقط زيتونة ويلقيها في فمه، ليواجه بعدها ما هو أوسع كثيراً -وأخطر- من التحذلق المقدَّم بصفته قيمة كبيرة علينا جميعاً تقديرها.
أستطيع مقاربة ذلك مع ترسانة مصطلحات متداولة بكثافة غير عادية، وأحاديث لا تنضب، عن الاستدامة والشفافية والحوكمة، في بلاد ذات أزمة أساس وطني مزمنة، بعضها اعتمادي بالمطلق على الغير لحماية ذاته، وآخر ذو سيادة منقوصة، وآخر بعيب خلقي في الجغرافيا أو الديموغرافيا أو بنية الاقتصاد السياسي، بحكم سايكس بيكو أو أمر النظام الدولي الواقع أو سوق هذا النظام.

ذهنية التلقّي

نبدو جميعاً على قناعة راسخة أننا دول تحتاج إلى وضع معايير تقنية، غير إستراتيجية حقيقةً، وتغفل العام الكوني كأنه حقاً السماء، تظللنا بالأعلى وكفى، وممارسات أفضل (Best Practices)، ونكون بخير. ويشمل ذلك أكثر المصطلحات انتشاراً وتعرضاً للتزييف في الجنوب العالمي: «التنمية». هل وضعنا، أو نحن نطبّق، تعريفاً محلياً للتنمية الحقيقية ذات الاستقلال في أي من البلاد العربية الأكبر؟ أو لماذا قد تكون دبي، أو الدوحة، نموذجاً اقتصادياً عربياً في غياب فوائض النفط عن غالبية دول العرب؟ هل ننتج حقاً الأفكار أو نتلقى ونحاكي ما تنتجه السوق العالمية من تصورات ونماذج، ونعيد تدويرها مع لمسات محلية؟
الحقيقة أن نماذج التعليم نفسها تحددها معايير واحتياجات السوق العالمية، وموقع العرب من تقسيم العمل الدولي، لا الضرورات العملية الوطنية الذاتية نحو استقلال أكبر. وعلى عكس حالة «ديموقراطية المعرفة» الواسعة نسبياً التي يصدّرها وجود الفضاء الإلكتروني، لجهة اتساع وسهولة تداول المعلومات والأفكار والتصورات، يظلّ الفارق حاسماً بين هؤلاء و«المعرفة»، التي لا يمكن فصلها عن مصالح منتجيها الاجتماعية ومؤسسات إنتاجها، ويمكن القول إن وفرة مصادرها لم تؤدِّ إلى ظهور تيارات فكرية عربية، أو تبلوُر اتجاهات وأُطر معرفية معتبرة.
لعل أحد الأسباب أن «نواقل» المعرفة المعاصرة، الوسطاء والشارحين الإلكترونيين، على اختلافهم، لا يقدّمون رؤى كلية، وغالباً من دون منهج للمعرفة، ويظل الأمر أقرب لنقل معلومات وقصص ومفاهيم وتعريفات، تقنية عامّةً، وجاهزة، ولا مساءلة مثل التي نريد جميعاً ممارستها تجاه أي سلطة.
والمفارقة أن حدثاً تاريخياً مثل «طوفان الأقصى»، وتداعياته، مثّل درساً حيّاً بالدم في السياسة والعلاقات الدولية يتّسم بالشمول والدقّة، وأتوقّع أن هذا ما تقصده غالبيتنا حين تعتبر «الطوفان» حالة كشف معرفي أمام الشعوب العربية، إذ جلّى ربطاً واضحاً بين أزمات ومعضلات العرب المحلية والقومية ومكوّنها العالمي الشامل. لم يعد يسيراً أن نتحدّث بالعربية بجدّية عن القانون الدولي، ولم يعد صعباً أن نرى الفراغ العربي، لا قوى عربية تضمن أمن الناس ومستقبلهم، رغم كل الشعارات عن الحنكة والحكمة ورغم النفوذ بالصورة.
مع فشل مشروع التصنيع والتخطيط المركزي والتنمية في الجمهوريات، ظلت معضلة التحديث والتخطيط العقلاني للمجتمع (وضرورتها التاريخية) في دول العرب معلّقة، مع تداعيات ذلك ودور منظومة الهيمنة الغربية فيه. وفي الخليج، جاءت حداثة مختلفة وفريدة نسبياً: نموذج موازٍ، استهلاكي وخدمي بالمطلق، يعيد إنتاج وتوزيع فوائض النفط بشراكة إستراتيجية مع المنظومة، وتبدو محصلة المشهد سبباً للعجز العربي الحالي، سواء العملي أو المبدئي، عن حل «التحدّيات» (بتعبير الحكّام). وأحد أوجه العجز قصور المخيلة السياسية: هل نستطيع الحياة إن حاولنا دفع السقف الأميركي؟ أنبقى بعدها؟ وإن كنا نأكل ونشرب ونستهلك التكنولوجيا لمَ نذهب إلى مكابدة الضغوط والعمل الخطر؟

خاتمة

لعل سقوط الدولة السورية يكثّف ملامح التيه العربي: كان الاستثمار الخليجي الضخم، والطموح التركي، والجمود الإيراني أخيراً، أكبر من سوريا المنهكة، بالمعنى العملي والديموغرافي، وتجاوز الواقع، ومع تداعيات «طوفان الأقصى» صيغة «توافق الحد الأدنى» وحرية الحركة المتبادلة بين تركيا وإيران، وسياسة فصل الملفات والمسارات المتوازية عند الأخيرة، وهي أحد تمثّلات منطق «التوازن» بدورها، حققت إسرائيل ردعاً أبعد من السابق، يقف عند الحدود الإيرانية، ويغطي سماء العرب المحيطين، ومعه صواريخ أميركا وبريطانيا، بأريحية تتعارض وحرارة الإدانات الرسمية والتصريحات حول الانتهاكات. الآن، أين الاتجاه؟
التيه سياسي ومعرفي، ويستحيل إغفال أساسه الاقتصادي، المتّصل بالنموذج الريعي: العرب لا ينتجون الأفكار والحلول الأصيلة لأنهم لا ينتجون كفاية. ومئات الدراسات والأوراق البحثية -مثلاً- لن تغني شيئاً ما بقي توجيه الاستثمارات نحو المشاريع الاستهلاكية، فضلاً عن قيادة شرائح وكيلة للخارج للمجتمعات، واستفادتها بالوكالة، وما بقي الإحجام عن اقتحام معضلة الإنتاج نفسها، وعن خوض مهمة تاريخية مثل إعادة التحكّم في المصير الاقتصادي والتخطيط المستقلّ، وإعادة الهيكلة نحو تحديث اجتماعي حقيقي. مهمّة لن تكتمل -غالباً- دون درجة تحدٍّ ومواجهة لنفوذ ومصالح منظومة الهيمنة و«الاستثمار القسري» العالمية.

[تعبير «العربي التائه»، المستعار في عنوان هذا المقال، وضعه الكاتب محمد حسنين هيكل عنواناً لأحد كتبه «نهايات طرق: العربي التائه» (2001)، الذي عرض فيه واقع العجز السياسي العربي في بداية القرن الحادي والعشرين]

* كاتب عربي من مصر

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك