حياة «هنية»


لم يكن غريباً أن نشهد حدثاً جللاً بحجم الوطن، فالمتوقع -وقّع- وهو أن يذهب العدو إلى الغدر حيث يستطيع ويقوى بدعم قوى الشر العالمي، فهذا ديدنُ شذاذ الأفاق، إذ يتبارى الأعداء والخونة، من أي زاوية يأتون لنا بالضربة، وفي كل مرة يعتقدون خائبين أنها القاسمة والأخيرة، ولم يكن اغتيال رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» إسماعيل هنية أخيراً أول الاغتيالات وأقساها، ولن يكون آخرها. لكنها فصلٌ من فصول السقوط والهزيمة الإسرائيلية حين يهرب فيها جيش فشل في أرض الميدان والقتال ليضرب سياسياً في ميدانٍ بعيد كإنجازٍ إستراتيجي وعسكري، إذ ثمة محاولة خسيسة لرسم صورة نصر لجيش خائب يُتقن القتل ويخشى القتال؛ لقد أرادوا بفعلتهم الشنيعة والجبانة أن تتوشح فلسطين بالسواد والحزن أكثر فأكثر، أرادوا بث اليأس والإحباط والهزيمة في نفوس الناس، رغبوا في حياة غير هنية في غزة الجريحة. لقد خسئوا، سيبقى هنية حاضراً لن يُغيبه الموت. واهمةٌ دولة العدو الإسرائيلي أنها بما فعلت يدها الآثمة قد أعمت النواظر، واستحكمت في الأمر، وحسمت المعركة، فالعيون شاخصة، والسيوف مُشرعة لم تُغمد، والواقع مُلتهب -يَشي- بمداد من دمٍ وثأر قادم.
لم يعرف العدو الغادر أن الجريمة النكراء هي صك شهادة جديدة لصاحب الدم الذي هزم بدمه السيف، وجسّد خاتمةً اختارها لنفسه، وعمل لها، وخط فصولها مُسجّاً على مذبح الحرية، قدم فيها الروح وفلذه الكبد، واختصر كل الطرق المؤدية نحو فلسطين والقدس، تاركاً لشعبه وصيةً أن لا سلام مع هذا المحتل، ولا اعتراف بإسرائيل مهما كلف ذلك من ثمن! فالدم على مّر التاريخ العنوان الأصدق والأسبق في حسم المعركة بين تمام الحق، وتمام الباطل كُلما ساد الأخير!
أنهى الشهيد هنية مشواره النضالي ضارباً في عمق الأرض إرثاً وطنياً وجهادياً ستتناقله الأجيال عن رجل كان قويّ الهيبة، جميل الطلة، متزناً في خطابه، كبيراً في مواقفه، حكيماً وحازماً في قراراته، دمثاً في أخلاقه، لم ينعت أو يُخوّن أحداً من خصومه في حلبة السياسة، قضى عمراً بين سجن وإبعاد ومطاردة، كان شهماً في ساحات القتال بأشكالها المختلفة، رسم مساراً وحدوياً ومهد الطريق لذلك رغم كل ما اكتنف القضية الوطنية من منعطفات داخلية خطيرة، وحظي بمكانة شعبية جارفة في كل المحافل الوطنية والعربية والدولية والإقليمية؛ ولا يختلف عليه إلا جاهل.
لم تكن جريمة اغتيال القائد هنية منفصلة عما يجري في قطاع غزة من عدوان لم يَشهد له التاريخ مثيلاً، فالعالم غير المُبالي أرادها مقتلة، ولا يزال يضرب أمثلةً قياسيةً في الخسَّة والرعونة، ويفاجئنا بمقدار السقوط الأخلاقي في امتحان الحضارة الزائفة، فقد أجهز شهود الزور في البيت الأسود وأكنافه على آخر ما تبقى من إنسانية على وجه هذا الكوكب المجلل بالعار، والذي لم يعد يلتفت إلى تدفق نهر الدماء الذي يصبُ في بحر خذلانهم العظيم، وسط إبادة ومجازر وفظائع يتعرّض لها الفلسطينيون في غزة -ولا يزال- يرتكبها الكيان الإسرائيلي دون محاسبة أو رادع!
لقد سقطت «الدول العظمى» و«غير العظمى»؛ وعرفنا حجمهم الحقيقي، كيف لا ونحن نرى كياناً مُحتلاً مارقاً يُمزق بالصواريخ كل مقررات الشرعية والإنسانية الدولية، بل يُحذّر ويتوعد ويُهدد المجتمع الدولي مُكبلاً يدَ العدالة على رؤوس الأشهاد؛ لقد أسقطت إسرائيل بجرمها المشهود الأقنعة عن المنظومة القِيَمية الزائفة للعالم برمته، إذ تورط دعاة التحضر في امتهان الإنسانية، ولم يأبهوا لحياة الناس، وكشفوا وجههم الحقيقي والقبيح، وعينهم الواحدة التي لا ترى إلا إسرائيل وفقط، بينما يتجاهلون بوقاحة كل العدوانية ضد أبرياء عزّل باتوا ضحايا أسلحة فتاكة لا تُبقي ولا تذر، في ضوء جرائم لا مثيل لها، واضحة كالشمس في كبد السماء، لا تأويل فيها ولا جدال.
لقد اغتالوا الشهيد هنية، في وقت اغتيلت الحياة في غزة، وأرادوا لها أن تُسحق وتغرق في بحر الموت، لقد تحوَّل الناس فيها إلى مجرَّد أرقامٍ بمنظور النفاق العالمي؛ هذا واقع، بل أسوأ من الواقع، وبمنتهى الجحود والوحشية؛ يتجاهل العالم ومنه -العربي والإسلامي- للأسف أن شعباً موجودٌ أصلاً على هذه المعمورة! فلم يعد خبر جثث الفلسطينيين المتناثرة هنا وهناك حدثاً ذا قيمة للنظر به في مضمار أصحاب الخطايا والتخلي والصمت والعجز والخذلان؛ فالكل يخشى وجه أمريكا القبيح، إذ إن الصمت الحاصل مقصودٌ بفعل فاعل، بل واضح وفاضح، متجسداً بتقاطر العالم من كل حدبٍ وصوب لتقديم الدعم والإسناد والولاء لمرتكب مذبحة التاريخ، وجريمة العصر والزمان؛ ليسود بذلك الباطل بتجلياته، ويصفق المطبلون لسيدهم (نتنياهو) مرتجل الكذب والابتذال، ومعتلي منصة النفاق في حظيرة الكونغرس بواشنطن، بينما يداه ملطخة حتى النخاع بدماء الأطفال والنساء، ومئات الآلاف من البشر الأبرياء، ولكن بعد عشرة أشهر من المذبحة القائمة، عن أي تحقيقٍ دولي وعدل وإنصاف يتحدثون؟ إن الحقيقة الواضحة والواحدة هي أن الفلسطيني -لا ينسى- والذاكرة لا تخون. وإن غداً لناظره قريب!
