نقاش في الفعل التحرّري العام [6]

ابتداءً من أوائل تسعينيات القرن الماضي، أطلقت واشنطن هجوماً شاملاً لتكريس القطبية الدولية المنفردة. استخدمت لهذا الغرض كل الوسائل العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية. تمسّكت بحلف «الناتو» رغم غياب حلف «وارسو» السوفياتي. سارعت إلى احتواء روسيا من الداخل، وتطويقها من الخارج عبر تمدّد «الناتو» بقضم وضم جمهوريات أوروبا الشرقية الاشتراكية المتحوِّلة. كرّست الولايات المتحدة، رسمياً، في توجهاتها وسياساتها الدولية، مبدأ وضع قوتها المتعاظمة والمتفرّدة والمتغوِّلة في خدمة اقتصادها. أعلنت «الحروب الاستباقية» أداة ما لبثت أن استخدمتها في غزو أفغانستان فالعراق... متجاهلة القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة وحلفاءها في أوروبا الغربية.
في الأثناء، كان يبرز ويتأكّد عجز متمادٍ عن استنهاض «قوى التقدّم والاشتراكية»، عبر مراجعة وكشف أسباب الانهيار السوفياتي، وبالتالي استئناف النضال في الظروف والتوازنات الجديدة. لقد زال ما كانت القوى الاستعمارية الإمبريالية تسمّيه «الخطر الشيوعي»، لكن عدوانيتها استمرّت بشكل أكثر شمولية وعنفاً.
خلافاً لما كان يُشاع عن أسباب التوترات، لم تنته الأزمات بل تعقَّدت. لم يصبح العالم أكثر أمناً. استسهل المنتصر شنّ الحروب وغزو دول مستقلة واحتلالها. المكتسبات السياسية والاقتصادية التي حققتها الطبقة العاملة والفئات الشعبية في البلدان الرأسملية المتقدّمة، بالكفاح وبالتضحيات، تعرّضت لهجوم ممنهج ولا تزال حتى اللحظة. في تداعيات ذلك نما وتفاقم ظهور وبروز تيارات ضد المهاجرين والملونين، ذات طابع فاشي وعنصري.
في الشرق العربي، تمّ فرض اتفاقيات «سلام» ملغومة ومخِلّة بقضية وحقوق شعب فلسطين وبمصالح الدول العربية التي تعرّضت لاعتداءات إسرائيلية. الموجة الترامبية تقع في امتداد ذلك بعد أن تعاظمت المنافسة الاقتصادية والتجارية.
لم تتأخّر قوى متضررة من العدوانية الأميركية خصوصاً، في توليد أشكال متنوعة من الاعتراض والمواجهة. شمل ذلك دولاً وشعوباً وتنظيمات في أربع أرجاء الكوكب:
1- الدول التي اختارت طريق التحول الاشتراكي في الشرق الآسيوي وكان تحوّلها قد بدأ بثورات ذات طابع تحرري ضد عدو خارجي وأدواته المحلية، استطاعت الصمود. أكبرها الصين، اختارت عن طريق أحد أكبر قادتها، دنغ شياوبنغ، نهج الجمع ما بين «اقتصاد السوق» الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي الموجّه. لاحقاً فعلت فيتنام الأمر نفسه تقريباً. واصلت كوريا الشمالية الانغلاق وطورت منظومة عسكرية منعت أي مغامرة أميركية ضدها. حفَّز صمود كوبا حركات تحرّر في أميركا اللاتينية أبرزها في فنزويلا. في روسيا استطاع الرئيس بوتين أن يوفّر الأمن والاستقرار ويحفز عوامل النمو الاقتصادي. إثر ذلك، أصبح رائداً في رفض الوحدانية القطبية الأميركية. في الأثناء، تمكّنت الصين من أن تحتلّ المركز الثاني في حجم اقتصادها وأن تنافس بقوة على المركز الأوّل. تباعاً تعاونت هذه الدول ما بينها بدرجات مقبولة، وشكّل التحالف الصيني الروسي نواة تحالفات عالمية وإقليمية، بصيغ متعددة أهمها «البريكس»: بالاستناد إلى المصالح الاقتصادية لا إلى الأيديولوجيا.
2- من ناحية ثانية، اصطدم مشروع التوسّع العسكري الأميركي بمقاومة فعَّالة: في أميركا اللاتينية تواصل وتصاعد الكفاح التحرّري واستطاعت أحزاب وتيارات مناوئة للهيمنة الإلحاقية الأميركية من مواجهة واشنطن وحققت نجاحات متلاحقة في معظم بلدان القارة. في تلك البلدان حضر بفعالية التيار الاشتراكي والتيار التحرري العام ومن ضمنه التيار الديني تحت اسم «لاهوت التحرير». أفريقيا استمرت أرض صراع نفوذ فيها وعليها. الاستعمار التقليدي خسر مواقع كثيرة. العدو الصهيوني يبذل جهوداً متواصلة لملء بعض الفراغ ولسد الفجوات بين المتصارعين برعاية أميركية كالعادة. تمكّنت واشنطن وفريقها الاستعماري الأطلسي وأدواتها، في إطار «الربيع العربي»، من تفكيك ليبيا وتحويلها إلى مناطق ومواقع نفوذ فئوية متنازعة، وإلى نموذج ينتظر الدول غير المطبعة خصوصاً.
الشرق الأوسط، عموماً، والشرق العربي خصوصاً، مستمران بكونهما موضوع محاولات سيطرة متواصلة عبر مشاريع أميركية يعمل في كنفها بقوة الكيان الصهيوني. في السياق، تواصل حضور القضية الفلسطينية بفضل عدالتها، من جهة، وكفاح وتضحيات شعبها، من جهة ثانية. تجلّى ذلك في عملية «طوفان الأقصى» خصوصاً. لبنان شكّل بؤرة صراع مميز ومبادر: بدءاً من مقاومة العدوان الصهيوني وهزيمته عام 2000، إلى تشكّل المقاومة الإسلامية في «محور» تقوده طهران، والتصدّي للعدوان الصهيو ــ أميركي عام 2006 وإفشال أهدافه اللبنانية والإقليمية. التيار الديني كان حاضراً بقوة وريادة في تلك المرحلة: من لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى فلسطين إلى اليمن... شقّ هذا التيار طريقاً مصممة من مواجهة خطط واشنطن وتل أبيب وأدواتهما.
3- الفريق الثالث هو الطبقة العاملة والفئات الشعبية في البلدان الرأسمالية المتقدمة. هي تواجه تراجعاً في القدرة الشرائية، وارتفاعاً مضطرداً في الأسعار، وبطالة متفاقمة، وتقليص الإنفاق على البرامج الاجتماعية والصحية... إلى المواطنين المهاجرين بكل أصنافهم الذين يتعرّضون لممارسات عنصرية وعدوانية من مؤسسات رسمية أو تيارات عنصرية وفاشية.
خلاصة
- الولايات المتحدة هي القوة الرئيسية المهيمنة والضاربة للرأسمالية الإمبريالية العالمية. هي حاضرة في كل أزمات العالم: تستولدها أو تغذِّيها أو تستغلها.
- تزداد شراسة واشنطن بمقدار ما تستشعر المنافسة، وتقلص النفوذ والقدرة على السيطرة. ترامب يمثّل حلقة في نهج لا يستهدف فقط خصومه بل أصدقاءه أيضاً: يرفع الضرائب والرسوم العشوائية على الجميع. يفرض الخوّات بذريعة الحماية. يرهق ويستنزف حتى دول وشعوب حلفائه في تغطية نفقات مشاريع ومغامرات قادتها واشنطن أساساً. يستهدف أمماً بكاملها وقطاعات واسعة من المهاجرين معززاً نزاعات ونزعات عنصرية في أميركا والغرب عموماً. يطارد بعض ضمانات ومكتسبات الطبقات الشعبية في بلاده ويخفض الضرائب عن كبار الأثرياء. يأخد على بايدن أنه كان يلعب دور «شرطي العالم» مفضلاً عليه دور «الأمين» على خزائنه ومصائره. في كل ذلك يحاول تفادي أزمات ضخمة تهدد الاقتصاد الأميركي وانتكاس الدولار!
- المتضررون الذين أشرنا إلى مواقف وتحركات معظمهم، منتشرون في معظم أصقاع العالم. هم دول، وشعوب وأحزاب وجماعات وأفراد... ينطلقون من مواقع اجتماعية متباينة ومن أيديولوجيات وخلفيات وقوميات وثقافات متنوعة. هم يشكّلون، موضوعياً، طرفاً واحداً ذا مصلحة مباشرة ومصيرية في مواجهة العدوانية الأميركية وأدواتها وخصوصاً منها الحركة الصهيونية ووليدها الكيان الصهيوني المغتصب.
- المواجهة ضد هذا الطرف، تشكّل أولوية ينبغي أن تتبلور في برامج وشعارات وجبهات وأولويات موحدة في المدى القريب: للحد من عدوانيته ولجم جموحه وإفشال مخططاته.
- الأجدى والأكثر جذرية، أن يجري اعتماد برامج تحررية متكاملة، وفقاً لمناهج ثورية وعلمية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ضد النهج العدواني الذي تقوده واشنطن. لكن ذلك لا يعني أنه شرط للعمل المشترك أو أنه حائل دونه. النهج الأميركي متكامل في عناصره الاقتصادية والسياسية والأمنية... أولوية مواجهته تفرض تمرحلاً موضوعياً في محطات النضال ومرونة مسؤولة وحقيقية في بلورة واكتشاف نقاط التلاقي، وإدراكاً عميقاً لموازين القوى. ونكرّر: ليس لأي طرف أن يتخلّى عن مشاريعه الخاصة المستقبلية أو يفرضها على الآخرين!
إنّ القوى الأكثر جذرية (نظرياً) هي الأكثر مسؤولية في متابعة هذا المسار التحرري وفي الانخراط الكامل فيه. في «المسيرة الكبرى» ضد المحتل الياباني، ومن أجل إنجاحها بضم كل الأطراف الصينية المتخاصمة إليها، رفع قائدها ماو تسي تونغ شعار: «نسير متفرقين ونضرب عدواً واحداً». الأجدى أن ننسّق ونوحِّد جهودنا أكثر. لم لا؟!
* كاتب وسياسي لبناني
