ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بين الجاذبية المزعومة والعنف الرمزي: في نقد نظريّة «القوّة الناعمة»

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 2 آب 2025
الخط

برز مفهوم «القوة الناعمة» في أدبيات العلاقات الدولية بوصفه تحوّلاً في طرائق ممارسة النفوذ، من الإكراه الصلب إلى الإقناع الثقافي. صاغ جوزف ناي هذا المفهوم ليعبّر عن قدرة الدول على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية بدلاً من الضغط. ورغم جاذبية هذا الطرح وخطابه المسالم، فإنّ المفهوم يخفي تناقضات عميقة.
يهدف هذا البحث إلى تفكيك نظريّة القوّة الناعمة نقديّاً، مبرزاً حدودها المعرفية وخلفياتها الأيديولوجية، مع الانتباه إلى فاعلية الشعوب المتلقّية، وقدرتها على إعادة تأويل هذا التأثير. كما يُظهر البحث أنّ ما يُسمّى قوّة ناعمة، ما هو إلا امتداد للعنف الرمزي والهيمنة الثقافية، يستند إلى تفوّق صلب في الاقتصاد والسياسة والعسكر.

أوّلاً- المفهوم والأبعاد

يعرّف جوزف ناي القوة الناعمة بأنها «القدرة على الحصول على ما تريده من الآخرين عبر الجاذبية، لا الإكراه أو الحوافز المادية». ويرى أن مصادر هذه القوة هي:
• الثقافة: حين تكون جذّابة عالمياً.
• القيم السياسية: حين تُمارَس داخلياً وتُروَّج خارجياً بشكل مقنع.
• السياسات الخارجية: حين ينظر إليها على أنها شرعية وأخلاقية.
ويفترض ناي أنّ تأثير هذه المصادر يُمكّن الدول من تحقيق أهدافها من دون استخدام القوّة الخشنة، عبر تعزيز «القبول الطوعي» لدى الآخرين.

ثانياً- إشكالات معرفية ومنهجية

1. الاختزال الأخلاقي والسياسي: تقوم النظرية على فرضية مثالية؛ أن الجاذبية الثقافية ناتجة من تفوّق أخلاقي أو حضاري. إلا أنّ هذه الجاذبية ليست «طبيعية»، بل ناتجة من قوّة مادّية وإعلامية هائلة تفرض ما هو مرغوب. الخطير هنا هو تقديم الهيمنة في صورة خالية من العنف.
2. إغفال البنى المنتِجة للجاذبية: لا يمكن الحديث عن «قوّة ناعمة» من دون الحديث عن السوق الإعلامية العالمية، الشركات العملاقة، والهيمنة اللغوية والثقافية التي تنتج من الموقع المتفوّق للدول الكبرى. القوّة الناعمة لا تعمل إلا داخل منظومة إمبريالية تسهّل لها الانتشار.
3. تقديم خطاب الهيمنة بلغة الإقناع: كما يقول نعوم تشومسكي، فإنّ «الدعاية الحديثة لا تهدف إلى فرض الحقيقة، بل إلى تنظيم القبول بها». وهكذا تتحوّل القوّة الناعمة إلى شكل من أشكال التلاعب الرمزي المدروس، يغلّف السيطرة بأقنعة أخلاقية وقيمية.

ثالثاً- فاعلية واسترداد: الشعوب ليست جمهوراً سلبياً

1. الحسّ النقدي والمقاومة الرمزية: تفترض نظرية ناي أنّ الشعوب «تنجذب» بشكل سلبي إلى القيم الغربية، لكنها تتجاهل أنّ المتلقّي قد يكون فاعلاً ناقداً، يستهلك الرسائل الثقافية من دون أن يخضع لها، بل أحياناً يعيد تأويلها أو حتى يسخر منها.
2. استفادة الشعوب من أدوات القوة الناعمة من دون خضوع: الجامعات الغربية، التمويل الثقافي، أو التدريب السياسي، ليست دائماً أدوات تطويع. في كثير من الأحيان، تُستغل هذه الموارد محلياً لتعزيز قضايا وطنية، أو لتحصيل موارد تُستخدم في نقد النموذج الغربي ذاته.
3. القيم مثل العدالة والمساواة ليست مستوردة: الحركات النسوية والحقوقية ليست دائماً وليدة تأثير خارجي. في كثير من المجتمعات، نشأت هذه الحركات من داخل السياقات التاريخية الخاصّة، وبمواجهات ضدّ الاستبداد والاستعمار. القوّة الناعمة تدّعي الفضل فيما هي في الحقيقة ناتجة من كفاحات محلّية.

رابعاً- من الجاذبية إلى العنف الرمزي: الوجه المستتر للقوّة الناعمة

1. لا قوّة ناعمة بلا قوّة صلبة: لا يمكن لأي دولة أن تكتسب تأثيراً ثقافياً أو أخلاقياً ما لم تكن تمتلك قوّة سياسية واقتصادية وعسكرية. فالولايات المتحدة مثلاً، لا تُصدّر ثقافتها بفضل تفوّقها الأخلاقي، بل لأنها القوّة الأعظم عسكرياً ومالياً، وتتحكّم بالأسواق والمنصّات العالمية.
2. الجاذبية شكل من أشكال العنف الرمزي: كما شرح بيير بورديو، «العنف الرمزي» هو القدرة على فرض معنى دون قسر مادي ظاهر، أي حين يقبل الطرف المقهور المعايير التي يفرضها المهيمن كأنها «منطقية» أو «عصرية». القوّة الناعمة تمثّل هذا النوع من العنف المُقنّع.
3. مفردة «القوة الناعمة» مضلّلة، «الهيمنة الثقافية» أدقّ: المصطلح نفسه يروّج لفكرة زائفة؛ أنّ هناك تأثيراً غير عنيف في العلاقات الدولية. في حين أنّ ما يحدث هو شكل من الهيمنة الثقافية – أي فرض النموذج المهيمن باعتباره هو الطبيعي، ومحو الاختلافات تدريجياً. مصطلحات مثل «العنف الرمزي» أو «الهيمنة الثقافية» (غرامشي) أكثر تعبيراً عن الواقع.

خامساً- مخاطر القوّة الناعمة في فهم العلاقات الدولية

1. تزييف طبيعة الصراع: تُقدَّم العلاقات الدولية كمساحة للتنافس الثقافي الناعم، بينما هي في حقيقتها مجال للصراع على الموارد، والهيمنة، وتوزيع السلطة العالمية.
2. تطبيع التبعيّة الثقافية: تُمارَس القوّة الناعمة لتشكيل «نخب متوافقة» في الجنوب العالمي، تقبل بنموذج التبعيّة وتتبنّاه. وهكذا يُعاد إنتاج التبعيّة من دون استعمال الجيوش أو الحصار.
3. إخفاء العنف تحت خطاب القيم: حين تُمارَس الهيمنة باسم الحرّية وحقوق الإنسان، يصبح من الصعب فضح العنف، لأنه مُغلَّف بالقيم ذاتها التي يُفترض أنها تحمي الإنسان. القوّة الناعمة هنا تُعقّد عمليّة المقاومة.

سادساً- نحو بدائل تحليلية أكثر اتساقاً

1. بورديو: العنف الرمزي بدل الجاذبية. العلاقات الدولية ليست مسألة جذب، بل علاقات رمزية تُفرَض بوسائل ناعمة تستند إلى عنف رمزي لا مرئي.
2. غرامشي: الهيمنة الثقافية مقابل القوة الأخلاقية الزائفة. غرامشي يوضح أنّ النخب تفرض نماذجها عبر مؤسسات المجتمع المدني والتعليم والثقافة، ما يؤدّي إلى قبول الطبقات المقهورة للوضع القائم كأنه طبيعي.
3. ما بعد الكولونيالية: الفاعلية في الهامش. مفكّرون مثل سبيفاك وبهابها يكشفون كيف يُعاد إنتاج الهيمنة عبر الخطاب، لكنهم يبيّنون أيضاً أنّ الهامش يعيد إنتاج ذاته ويتحدّث، لا بوصفه مستهلكاً بل مقاوماً.

خاتمة

تكشف نظرية القوّة الناعمة عن نزعة خطيرة إلى تبييض الهيمنة، وتقديمها في صورة مقبولة بل وجذّابة. لكن التحليل النقدي يُظهر أنّ ما يُسمّى بالجاذبية إنما يستند إلى قوّة صلبة، وعنف رمزي، وتفوّق مادّي هائل.
الشعوب ليست ساذجة ولا سلبية، بل فاعل نقدي يعيد تأويل وتفكيك ما يُفرَض عليه. وبالتالي، فإنّ تفكيك هذا المفهوم ضروري لفهم دقيق للعلاقات الدولية، واستبدال مصطلح «القوّة الناعمة» بمفاهيم أكثر صراحة في التعبير عن علاقات السيطرة: الهيمنة الثقافية، أو العنف الرمزي.

* كاتب

مراجع

• Nye, Joseph. Soft Power: The Means to Success in World Politics. PublicAffairs, 2004.
• Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Harvard University Press, 1991.
• Said, Edward. Culture and Imperialism. Vintage, 1994.
• Chomsky, Noam. Media Control: The Spectacular Achievements of Propaganda. Seven Stories Press, 2002.
• Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. International Publishers, 1971.
• Spivak, Gayatri Chakravorty. Can the Subaltern Speak?, 1988.
• Bhabha, Homi. The Location of Culture. Routledge, 1994.
• Sreberny-Mohammadi, Annabelle & Ali Mohammadi. Small Media, Big Revolution: Communication, Culture, and the Iranian Revolution. University of Minnesota Press, 1994.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك