«دوار المنارة أقرب من تل أبيب»

منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، بدا واضحاً أن شيئاً جوهرياً قد تغيّر في المعادلة الفلسطينية، ليس فقط على صعيد المواجهة الميدانية مع الاحتلال، بل في إعادة تشكيل الوعي الشعبي الفلسطيني، وتجذير فكرة أن المقاومة هي الخيار الحقيقي والوحيد في ظل انسداد الأفق السياسي. ومع هذا التغير، سطع ضوء على غياب جهة يفترض أنها تمثل «القيادة الرسمية» للشعب الفلسطيني، وهي السلطة الفلسطينية، التي اختارت الغياب عن مشهد التحوّلات الكبرى، بل والوقوف أحياناً في موقع المراقب السلبي، وأحياناً في موقع القامع للشعب.
لم يكن هذا الغياب مفاجئاً لمن يراقب سلوك السلطة في العقدين الأخيرين، ولكنه كان كاشفاً وفاعلاً في إعادة طرح أسئلة كبرى حول مشروعها، وشرعيتها وأدوارها. فبينما ترتفع أصوات الشارع في الضفة الغربية مطالبة بدعم خيار المقاومة، وتُرفع صور غزة في ساحات رام الله ونابلس والخليل، كانت السلطة تُصرّ على الالتزام بخيارها الوحيد: التنسيق الأمني، والرهان على وهم ما تبقى من «عملية سلام» لم تولد إلا في المخيلة الغربية.
وسط هذا المشهد، بدأ الناس يطرحون سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً: لماذا تتمسك القيادة بخيوط تربطها بتل أبيب، بينما دوار المنارة، قلب رام الله ونبض الضفة، يناديها كل يوم؟
منذ بداية المواجهة في غزة، بدا أن المشهد الفلسطيني يُعاد تشكيله من دون السلطة. فكل الجبهات مشتعلة: غزة تحترق، والضفة تواجه استيطاناً متسارعاً وحملات اعتقال منظمة، والداخل الفلسطيني ينتفض تحت ضغط السياسات العنصرية، ولكن في مقابل هذا كله، تواصل السلطة سلوكها القديم: صمت رسمي، اعتقالات سياسية، ولقاءات أمنية.
لم تُعلن موقفاً سياسياً واضحاً من المعركة، ولم تشارك ميدانياً في دعم الناس أو في تخفيف الأعباء عنهم، بل أبقت على قبضتها الأمنية تجاه من يعبّر عن انتمائه للمقاومة أو تعاطفه مع غزة، حتى بدا الأمر وكأنها تدير أزمة بقائها، لا أزمة وطنية شاملة. وبينما يتصدّر الاحتلال مجازره على مرأى العالم، تنشغل القيادة بلقاءات مع وفود دولية، دون مضمون حقيقي أو أثر ملموس.
هذه السلوكيات تعزز الشعور في أوساط الشارع بأن القيادة لم تعد تُمثل إرادة الناس، ولا أولوياتهم، ولا حتى آلامهم اليومية، بل أصبحت مُنفصلة عن المزاج الشعبي الذي بات أكثر ميلاً نحو الصدام مع الاحتلال، وأقل قبولاً بمنطق التعايش والاستسلام.
أحد أبرز وجوه الأزمة السياسية الفلسطينية يتمثّل في فشل المصالحة الوطنية، التي تحوّلت إلى ملف يُدار لأغراض إعلامية أو تكتيكية، دون نية حقيقية لإنجاز وحدة وطنية حقيقية.
التحولات في الشارع الفلسطيني واضحة: جيل جديد خرج من رحم القهر والحصار والخذلان، وهو أكثر وعياً وجاهزية وتحدّياً
رغم كل جولات الحوار والوساطات، لا تزال الانقسامات قائمة، وتبدو السلطة أحياناً غير راغبة في استيعاب قوى المقاومة ضمن المشهد السياسي الرسمي، خشية أن تهتز مكانتها أمام المجتمع الدولي، أو تفقد الدعم المالي والسياسي القادم من العواصم الغربية.
وما بعد «طوفان الأقصى»، باتت الوحدة الوطنية ضرورة وجودية، ولكنها لا تزال رهينة حسابات ضيقة، لا تنظر إلى الوطن ككل، بل إلى مصالح فصائلية ومكاسب سلطوية. فالقيادة التي يُفترض بها أن تجمع الفلسطينيين حول مشروع وطني، تبدو وكأنها تتعامل مع المصالحة كتهديد، لا كفرصة.
لقد تحوّل دوار المنارة إلى رمز يتجاوز الجغرافيا. فهو لم يعد مجرّد ساحة اعتصام أو نقطة تجمّع جماهيري، بل أصبح بوصلة للشارع الفلسطيني، تعكس تحوّلاته، غضبه، وآماله.
العبارة التي يتداولها الناس: «دوار المنارة أقرب من تل أبيب» ليست تعبيراً عن المسافة، بل عن القرب السياسي والوجداني الذي يجب أن تُعيد السلطة اكتشافه، لتفهم أن شرعيتها لا تُستمد من اللقاءات مع الجنرالات أو السفراء، بل من الناس الذين يقفون يومياً في الشوارع يرفعون صور الشهداء ورايات فلسطين.
في لحظة الحقيقة، يبحث الناس عن قيادة تنزل إليهم، تشاركهم، تتحدث لغتهم، تتألم لألمهم، لا عن سلطة تكتفي بمواقف رمادية، أو بيانات مقتضبة، أو صمت طويل.
السلطة الفلسطينية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تُراجع نفسها، وتعيد تشكيل دورها على أساس التمثيل الوطني والمشاركة الشعبية، أو تبقى رهينة لنظام سياسي هشّ، يراها كأداة وظيفية لا أكثر.
التحولات في الشارع الفلسطيني واضحة: جيل جديد خرج من رحم القهر والحصار والخذلان، وهو أكثر وعياً وجاهزية وتحدّياً.
هذا الجيل لم يعد مقتنعاً برواية «السلام»، ولا يرى في «التنسيق الأمني» سوى خيانة لدماء تُسفك في غزة والضفة معاً.
إنّ اللحظة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الآن ليست لحظة انتظار، بل لحظة فعل، تحتاج إلى قيادة ترتقي إلى مستوى التضحيات، وتتخلّص من كل ما كبّلها سياسياً وأخلاقياً.
دوار المنارة أقرب من تل أبيب، ليس فقط في الجغرافيا، بل في الواجب الوطني والالتزام الأخلاقي. فهل تسمع القيادة ذلك؟ أم أن أذنيها لا تزالان معلّقتين في صمت غرف التنسيق الأمني، بعيداً من صدى الشارع وأصوات الأمهات؟
* كاتب فلسطيني
