ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الطبقات الشعبية تقاوم الإمبريالية: كيف تصبح الكوميونة أداة تحرّر؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
إبراهيم يونس
إبراهيم يونس
الثلاثاء 5 آب 2025
الخط

في زمن تتجدّد فيه المجازر الإمبريالية، كما في غزة، وتشتدّ الحروب والحصارات على شعوب الجنوب، يبدو الحديث عن الكوميونات – أو المشاريع التعاونية الاشتراكية – في غير محلّه للوهلة الأولى. أليست قضايا السيادة والتحرر الوطني هي الأولوية؟ أليست الكيبوتسات الاستيطانية الصهيونية، مثلاً، نموذجاً استعمارياً استعان به المشروع الصهيوني نفسه في طرد الفلسطينيين؟ بيد أن ما تطرحه تجربة الكوميونات الاشتراكية هو أنها ليست مجرد وحدات إنتاجية أو نماذج معيشية بديلة، وإنما أدوات إستراتيجية في مقاومة الإمبريالية والرأسمالية وإعادة بناء السيادة الشعبية من القاعدة.

لا بد أن نعود إلى كارل ماركس نفسه لنفهم أن الكوميونة ليست ابتكاراً لاتينياً أو صينياً معاصراً، وإنما كانت في صلب تفكير ماركس في سنواته الأخيرة. فقد رأى فيها نواة لبناء الاشتراكية في أطراف النظام الرأسمالي، بشرط أن ترتبط بثلاثة شروط أساسية: امتلاك وسائل إنتاج متطورة، ترابط أفقي بين الكوميونات، وانخراطها في مشروع وطني ثوري يواجه الدولة التابعة ويعيد صياغة السلطة. هذا ما أيده في تحليله للكوميونة الريفية الروسية، وما ظهر لاحقاً في دعمه لكومونة باريس بصفتها "النقيض المباشر للإمبراطورية". ويتجلّى الرابط بين الكوميونة والتحرر الوطني بوضوح في التجربة الفنزويلية، حيث تحوّلت الكوميونات منذ عام 2009 إلى خلايا أساسية لبناء اشتراكية مناهضة للإمبريالية، وفق تصور هوغو تشافيز الذي شدّد على أن الكوميونة المعزولة "مشروع مضاد للثورة"، وأن فعاليتها لا تكتمل إلا عبر ربط الكوميونات ضمن مشروع "دولة كوميونية" تتصدّى للحصار وتعيد بناء السيادة من القاعدة. وبعد وفاته، أثبتت الكوميونات دورها المحوري في تأمين الغذاء والدواء وتثبيت النسيج الاجتماعي وسط العقوبات والانهيار الاقتصادي، لتغدو أداة فعل مباشر للاقتصاد المقاوم.

وقد ألهمت هذه التجربة نماذج أخرى في أميركا اللاتينية، كما في بوليفيا حيث أعاد الرئيس السابق إيفو موراليس تفعيل كوميونات "الأيّو" ضمن إستراتيجية اشتراكية تحررية، وفي البرازيل حيث تبني حركة "عمّال بلا أرض" كوميونات زراعية تربط الإنتاج بالسيادة والنضال السياسي، ولكن فنزويلا تظلّ النموذج الأكثر تكاملاً في إدماج الكوميونة الاشتراكية ضمن مشروع تحرّر وطني شامل. إنّ ما يجمع هذه التجارب الثلاث هو فهمها العميق لطبيعة المرحلة: لا اشتراكية دون مواجهة للإمبريالية، ولا سيادة دون سلطة شعبية من القاعدة. هذا ما التقطته المناضلة الفلسطينية ليلى خالد خلال زيارتها لكوميونة "إل بانال" في كراكاس، حينها رأت في التجربة امتداداً لنضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية.

حدود التجربة التقدميّة في الجنوب العالمي

في كثير من بلدان الجنوب، شكّلت الحركات التقدّمية أداة مركزية لمقاومة الهيمنة الإمبريالية، بدءاً من أميركا اللاتينية ووصولاً إلى بعض التجارب العربية والإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران. لكن حين تصل هذه الحركات إلى السلطة أو تشارك فيها، تواجه مفارقة حادّة: كيف تحافظ على مشروعها التحرّري وهي تُدار داخل مؤسسات دولة ضعيفة أو مرتهَنة، تعمل ضمن نظام دولي لا يسمح باستقلال فعلي؟ كيف تُوازِن بين طموحات الجماهير وحدود الواقع؟ هذه المفارقة تُعدّ من أهم التحدّيات التي واجهتها قوى المقاومة عالمياً خلال العقدين الماضيين، ونتائجها المختلطة تحمل دروساً بالغة. في أميركا اللاتينية، وصل اليسار إلى الحكم في موجات متتالية، وحقق بعض المكاسب الفعلية في تقليص الفقر وتوسيع الخدمات والتعليم. لكنّ كثيراً من هذه الحكومات انتهى إلى أزمة، إما نتيجة الحصار والعقوبات، أو بسبب البيروقراطية والتحالفات المرهِقة مع مراكز القوى داخل الدولة، أو بسبب ضعف القدرة على خلق نموذج إنتاجي بديل. والمحصّلة كانت في حالات عدة انسحاباً تدريجياً من الأجندة الجذرية أو حتى سقوطاً انتخابياً أمام قوى اليمين.

هذا المسار ليس بعيداً عمّا تواجهه حركات المقاومة في عالمنا العربي والإسلامي، حين تجد نفسها مضطرة إلى إدارة سلطة محاصَرة كما في غزة قبل الحرب، أو إلى المشاركة في حكومة قائمة على المحاصصة كما في العراق ولبنان، أو الحصار الذي يواجه الحكومة والشعب في صنعاء وإيران. التناقض بين خطابها التحرّري وواقع الإدارة اليومي على الصعيد السياسي والاقتصادي يخلق توتّراً مستمراً: بين المقاومة والمساومة، بين الشعارات والموازنات، بين بناء القاعدة الشعبية والانغماس في شبكات السلطة والبيروقراطية. لكن ما توضّحه التجربة اللاتينية، في بعض الحالات، هو أن الدخول في مؤسسات الدولة ليس بالضرورة خيانة للمشروع، كما إنه لا يكفي وحده للحفاظ عليه. إن ما يصنع الفارق هو قدرة الحركة على الحفاظ على استقلالها التنظيمي، وعلى علاقاتها الحية بقواعدها الاجتماعية، وعلى إنتاج خطاب يتجاوز الطائفية وتبرير الأزمات إلى صياغة بدائل جامعة حقيقية تبدأ من القاعدة الشعبية وصولاً إلى رأس الدولة. هذا ما يجب أن يُناقش بجدّية في تجاربنا.

إذا كانت الحركات التقدميّة تُختبر فعلياً حين تدخل ميدان السلطة، فإن هذا الاختبار لا يُحسم بالشعارات، وإنما بالقدرة على تأسيس أدوات مجتمعية تُعيد وصل السياسة بالحياة اليومية، وتمنح الطبقات الشعبية موقع الفعل لا التلقي

كما تُظهر التجربة اللاتينية أن البناء التدريجي لمؤسسات قاعدية – من كوميونات وتعاونيات واتحادات شعبية إلى إعلام بديل ونقابات مستقلة – هو ما يمنح المشروع التقدمي عمقاً واستمرارية تتجاوز المدى الانتخابي أو الحكومي. وهذا الدرس بالغ الأهمية لحركات المقاومة في عالمنا العربي والإسلامي، التي تواجه خطر التآكل إذا تحوّلت إلى جهاز إداري منغلق على نفسه أو ارتبطت مشروعيتها فقط بالتسليح والردع. في النهاية، ليست القضية في أن تحكم الحركة أو تبقى معارضة، وإنما في أي مشروع تحمله، وكيف تبني أدواته داخل المجتمع، وتخلق مساحات للتجريب والتعلّم والمراجعة. ومن دون هذا الجهد الطويل، تصبح السلطة عبئاً لا رافعة، وتتحوّل الحركات من أدوات للتحرّر إلى أدوات للتكيّف. ومن هنا، فإن المسافة بين كراكاس وطهران ليست بعيدة كما نظن، إذا نظرنا إلى جوهر المسألة: كيف نقاوم ونبني في آن، وكيف نبقى على خط الطبقات الشعبية ونحن نتحرّك في حقل ألغام دائم.

إذا كانت الحركات التقدميّة تُختبر فعلياً حين تدخل ميدان السلطة، فإن هذا الاختبار لا يُحسم بالشعارات، وإنما بالقدرة على تأسيس أدوات مجتمعية تُعيد وصل السياسة بالحياة اليومية، وتمنح الطبقات الشعبية موقع الفعل لا التلقي. من هنا، تصبح الكوميونة – بصفتها بنية إنتاجية وتنظيمية تنمو من القاعدة – أحد المعايير الحقيقية لجدية المشروع التقدمي. فهي لا تكتفي بتوفير الخدمات أو خلق شبكات دعم، وإنما تفتح أفقاً لتحوّل نوعي في ميزان القوى الطبقي داخل المجتمع، حيث يُعاد تعريف السلطة من جديد، بصفتها علاقة مباشرة بين المنتجين المباشرين ومواردهم، وبين الأمة ومصيرها.

حضور وغياب الكوميونة المقاومة: فنزويلا وإيران مثالاً

في فنزويلا، خاضت آلاف الكوميونات تجارب عملية في الزراعة والصناعة والتوزيع والتموين، ووفّرت مساحات للتثقيف والتنظيم، بل وأصبحت حواضن للصمود في وجه الحصار والانهيار الاقتصادي. ومع أن هذه التجارب لا تخلو من تحديات، إلا أنها جسّدت ما يُمكن تسميته "اقتصاداً مقاوماً" ينمو من القاعدة، ويدمج بين الحاجة اليومية والخيال السياسي.
أمّا في إيران، ورغم تشكُّل مؤسسات قاعدية في قطاعات متعددة كالتعاونيات الزراعية والجمعيات الثقافية والدينية، فإن هذا البناء ظلّ محكوماً بتفاوتات اجتماعية واقتصادية عميقة لم تُحسم لصالح الطبقات الشعبية. فبينما وفّرت هذه المؤسسات نوعاً من الصمود في وجه العقوبات والحصار، بقيت محدودة التأثير على نموذج الإنتاج والتوزيع، الذي ما يزال خاضعاً بالكامل لاعتبارات رأس المال، خاصة في قطاعات حيوية. كما إن غياب رؤية اقتصادية شاملة تنبع من القاعدة جعل كثيراً من المبادرات منذ قيام الثورة الإسلامية عاجزة عن بلورة مشروع بديل جذري على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ما ينعكس في استمرار التوترات الطبقية وبطء التحوّل الاجتماعي المطلوب.

لكن المشترك بين فنزويلا وإيران أن التعليم الروحي والثقافة الدينية المقاومة لعبا دوراً جوهرياً في بناء وعي جماهيري يربط الإيمان بالتحرّر. في فنزويلا، استُلهمت مفاهيم "لاهوت التحرير" لصوغ خطاب مسيحي شعبي يناهض الظلم ويعزّز الكرامة، حيث تحوّلت الكنائس والأحياء إلى ساحات للتثقيف والتنظيم، وتلاقى البُعد الديني مع المشروع البوليفاري في تمجيد العمال والفلاحين والطبقات الشعبية عموماً. أما في إيران، فقد شكّل التشيّع السياسي إطاراً تعبوياً مركزياً، استخدمته مؤسسات الحوزة والهيئات الثقافية لبثّ روح المظلومية والثبات والمقاومة، في مواجهة العقوبات والحصار، وفي مواجهة العدو الأميركي-الصهيوني بالأساس. ومع أنّ هذا الخطاب واجه تحديات على الصعيد الاقتصادي مرتبطة بإعادة إنتاج التراتب الاجتماعي، إلا أنّه ظلّ مصدراً معنوياً بالغ الأثر.
وتجتمع التجربتان على أنّ الدين، حين يُوجَّه من القاعدة ويمتزج بالحياة اليومية، يمكن أن يصبح أداة للتحرّر لا وسيلة للضبط، ورافعة لقيم العدالة والمشاركة لا حاجزاً أمام التغيير؛ وإن كان أثره أشد عمقاً حين تتقاطع الروح الجماعية والتعاونية مع حسمٍ أوضح لمسألة الانحياز الطبقي.

لنقاوم الإمبريالية والصهيونية والرأسمالية بالكوميونات

إذا كانت الإمبريالية تُجسّد نظاماً عالمياً ينتزع من شعوب الجنوب قرارها وثرواتها، فإن الكوميونة، حين تُبنى على أساس اشتراكي وتترسّخ في مشروع سيادة شعبية من القاعدة، تصبح نقيضاً مباشراً لهذا النظام. فهي ليست رديفاً للسلطة المركزية ولا مجرد تنظيم إداري محلي، وإنما أداة تحرّر تنتج من قلب المعاناة الشعبية، وتعيد تعريف الاقتصاد والسياسة على قاعدة العدالة والمشاركة. وإذا كانت الكيبوتسات الصهيونية تجسيداً للاستعمار المقنّع بقوى كانت تدّعي زوراً أنها يسارية – وهي عصابات استيطانية استعمارية ربيبة الإمبريالية – فإن الكوميونة الاشتراكية، كما تتجلى في تجارب فنزويلا والبرازيل وبوليفيا – والصين بالطبع – هي تعبير صادق عن مشروع تحرّر تقوده الطبقات الشعبية نفسها.

الكوميونة تجسيد للتحرر الذي تقوده الطبقات الشعبية المقاوِمة. إنها ليست مجرد شكل اجتماعي للتنظيم، وإنما أفق إستراتيجي لتحطيم الإمبريالية وتجاوز الرأسمالية صوب الاشتراكية بإعادة بناء المجتمع على أسس العدالة والمشاركة والسيادة الشعبية. وهي لا تقتصر على تنظيم الإنتاج والتوزيع خارج منطق السوق الرأسمالي، وإنما تمثّل أيضاً بنية ثقافية وروحية تعيد تشكيل الإنسان المقاوم: الفرد الذي يرى في الجماعة معنىً له، وفي كرامة شعبه أفقاً لحياته. من هنا، فإن مستقبل أي مشروع تقدمي في الجنوب العالمي مرهون بقدرته على تحويل طاقاته الاجتماعية إلى كوميونات تشكّل القلب النابض لحياة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، تُبنى من القاعدة، وتُناضل من القاعدة، وتُقرّر من القاعدة.

هذه دعوة إلى التأمّل الجادّ في ما يمكن أن تعنيه الكوميونة لحركات التحرر في عالمنا العربي وفي إيران، حيث لا تزال معادلات الصراع مع الإمبريالية والصهيونية والرأسمالية التابعة تُدار غالباً من فوق، بمنطق رأسمالي لا ينبثق بالطبع من المجتمع نفسه ولا يستند بطبيعة الحال إلى بنى شعبية مستقلة وصلبة. وفي هذا السياق، يلفت النظر أن تجربة أنصار الله في اليمن، رغم الحرب الطاحنة والحصار المطبِق، أفرزت – بشكل جنيني وغير مكتمل – نماذج لتنظيم شعبي تقترب في بعض أوجهها من الكوميونات الفنزويلية. كيف لنا أن نتخيل مثلاً أن الثورة الإسلامية في إيران حسمت موقفها الطبقي في الاقتصاد والسياسة وذهبت نحو إنتاج كوميونات شبيهة بعض الشيء بتلك في فنزويلا؟ يا له من مشهد يستحق التأمل!

إن غياب الدولة المركزية القائمة على تحقيق الحاجات الأساسية لغالبية الشعب في أي من دولنا العربية، وتزايد الحاجة إلى التنظيم الذاتي، عمالياً وفلاحياً وعلى صعيد مهنٍ عدة، يفرض بالضرورة أن يكون صراعنا للتحرر الوطني أيضاً صراعاً للتحرر الاجتماعي؛ فليس الثاني مرحلة تتبع الأولى كما يتوهم البعض، وإنما الاثنان وحدة واحدة: لا يمكن أن تكون مقاومة الإمبريالية جذرية من دون موقف واضح من الصراع الطبقي: عن أي طبقة اجتماعية يعبّر اقتصادنا وسياساته؟ وهل يمكن لذلك الاقتصاد أن يقاوم الإمبريالية والصهيونية إلى نهاية الخط؟ جواب السؤال الثاني هو بالضرورة جواب السؤال الأول.

* باحث عربي من مصر

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك