ما هو أخطر من المطالبة بنزع السلاح

كثر -ومع الأسف الشديد- في هذه الأيام التي تشتدّ فيها اعتداءات الكيان الإسرائيلي على لبنان، يتهكّمون على مطالبة المقاومة، أو مَن يدور في فلكها سياسياً، بضرورة تفعيل العمل الديبلوماسي للحدّ من هذه الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية للاتّفاقات والقرارات الدولية وبإجماع السلطات اللبنانية الثلاث ومعها الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي.
وعندما يسأل البعض عن سرّ ذاك التهكّم المقصود، تأتي الإجابة بأنّ «الدولة تقوم بأقصى ما يمكنها القيام به من إجراءات وإدانات ورفع للصوت والمناشدات، ولكن، ورغم ذلك -يتابع أولئك- فإنّ موازين القوى والمعادلات التي تشكّلت بعد الحرب الأخيرة على لبنان، وكذلك المظلّة الأميركية ومعها عجز الأمم المتحدة، وتعاجز بعض المجتمع الدولي الفاعل.. ناهيك عن عدم قدرة المقاومة على ردع العدوان، كلها عوامل جعلت من الديبلوماسية المطلوب تفعيلها لتؤتي أكلها، ما هي إلا أشبه بكارت لعب خاسر يُرمى به على الطاولة».
لعل أهم ما يتستّر خلف هذه التبريرات، يُعدُّ الأخطر بكثير، وخصوصاً أنّ أصحاب هذا المنطق ينطلقون بعدها إلى التسويق لمنطق سياسي جديد، يُراد منه قلب المفاهيم رأساً على عقب، وبشكل يخالف ما نشأت عليه الأجيال جيلاً بعد جيل، وتحديداً لناحية تركيزهم على دثر الثوابت المختصّة بكيفية حفظ السيادة الوطنية، وتطبيق الدستور، والالتزام بالبيانات الوزارية للحكومات، ومعها خُطب القسم لرؤساء الجمهورية أيضاً.
هذا فضلاً عن العمل على تزييف وتجزئة تطبيق القرارات الدولية بانتقائية وضرب الالتزام بميثاق الأمم المتحدة عرض الحائط، وذلك لصالح التسليم في ظل «العجز» الذي يبرّرونه بالتمسّك بما ورد أعلاه، بـ«ضرورة» التوجّه نحو منطق يرتكز -وبكل أسى- على ما كان ولا يزال يسوّق له العدو منذ احتلال فلسطين وباقي أجزاء من الدول العربية المحيطة إلى يومنا هذا. وهو منطق قائم على مبدأ صهيوني صرف يوجب «نبذ النتيجة والتخلّص منها (المقاومة)، لينتفي بعدها السبب (الاحتلال والعدوان)»، علماً بأنّ خطورة هذه الرؤية تكمن في كونها بحدّ ذاتها انقلاباً على كل المفاهيم التي تشكّلت في عصر ما قبل قيام عصبة الأمم و الأمم المتحدة!
الخطِر والأخطر في ما يروّج له بعض السّاسة والإعلام في لبنان يكمن هنا، لأنّ سير هذا الأخير بتلك الرؤية الصهيونية لا يعني فقط ذهاب الوطن إلى المجهول، لأنه لن يُعطى معها أي تعهّدات أو ضمانات حول أي شيء سيحصل فيما لو سلّمنا بالسير بها جدلاً. لا بل إنّ الأخطر من ذلك كله، هي تلك السوابق القاتلة التي يُراد لأصحاب الحق الإقرار والتسليم بها، وعلى امتداد التاريخ والجغرافيا معاً! وذلك بعد أن كانت شرعة الأمم المتحدة والدساتير ووو... تكفل حقوقهم -ولو على الورق فقط- وليصبحوا حينها -إن ارتضوا- مشاركين وبأنفسهم بتمزيق تلك الركائز القانونية التي تحفظ حقوقهم وتضمن حرّيتهم وسيادتهم الحقيقية، وذلك لصالح تسليمهم بشريعة غابٍ، واستجداءٍ لحمايةٍ، قد لا تأتي أبداً!
حذار من أولئك الذين يزايدون صبح مساء، بأنهم يلتزمون في خطابهم ما أعلنتم من حصرٍ للسلاح بيد الدولة، ولكنهم في حقيقة ما يضمرون في أنفسهم أنهم يتّخذون من تلك الجزئية حصان طروادة
وانطلاقاً من ذلك كلّه، تُطرحُ تساؤلاتٌ خَطِرةٌ ومشروعةٌ في آن واحد: أإلى هنا يريد أن يجرَّ بعضٌ من هؤلاء، لبنان؟ أهي مصادفة حقاً أن تطالب أورتاغوس، وبعدها برّاك، اللبنانيين بأن «ينظروا إلى رئيس سوريا الجديد ماذا فعل» وأن يخرج لاحقاً بعضٌ من جهابذة «السياديين» في لبنان للقول «لنتطلّع إلى رئيس سوريا الجديد ماذا فعل»؟!
لا أعتقد أنّ الصدف لها مكان، وخصوصاً أنّ المنطقة بأسرها هي في مرحلة يُراد فيها كيّ وعي مجتمعاتها وغسل أدمغة أجيالها وتشكيلها من جديد، وهذا الأمر معبره وقنطرته لن يتحقّق -باعتقادي- إلا عبر تسليم لبنان بالقبول بقلب المفاهيم والانقلاب عليها، وليشكّل سابقة من أخطر السوابق في تاريخنا المعاصر.
خلاصة القول، وبالعودة إلى الديبلوماسية في لبنان، فيجب إخراجها من دائرة التعاجز -ولأسباب ترتبط بمشروع سياسي لدى البعض وبأمور شخصية لدى البعض الآخر - إلى مربع التفعيل الحقيقي، وذلك لاستدراك بعضٍ من التوازي في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار مع الكيان الإسرائيلي، ومعه القرار 1701، ولتحقيق شيء يسير من التوازن بين ما يلتزم به لبنان، وبين ما يهمل الكيان، فإنه لا ضير أبداً على سبيل الطرح، بأن تُردِّدَ السلطات اللبنانية بأجمعها، وبصوتٍ واحد، وبلغةٍ ديبلوماسية صريحة، بأنّ «لبنان لن يحيد عن المبادئ والمواثيق الدولية أبداً، ولن يُعارض دستوره مطلقاً، ولن ينتقي ما ارتكز عليهما من خطاب قسمٍ ولا بيانٍ وزاري استتبعه انتقاءً، هذا فضلاً عن أنه لن يسمح لأحدٍ بأن يجعل منه سابقةً في كيفية التخلّي عن تلك المبادئ مهما كانت التضحيات».
وبناءً عليه، فإنّ الدولة اللبنانية وانطلاقاً من الحفاظ على تلك المبادئ «ستتوقّف عن كل ما من شأنه أن يضع العربة أمام الحصان»، أي أنها وبعبارة أخرى تقول: «بدلاً من أن تُصبح مقولة نزع السلاح هي الرائجة على الألسن في الصالونات السياسية والإعلامية، فإنه -ومع التعنّت الإسرائيلي المتواصل- سيكون العمل منصبّاً على نزعها من التدوال، طالما أنّ العدو ينتهك المبادىء ولايقيم وزناً للاتفاقات، هذا فضلاً عن أنه لا يلتزم بأي مندرجات للقرارات الدولية حسبما وردت...».
فهل سيجرؤ مَن هم أركان الدولة في لبنان على فعل ذلك؟ وهل يدرك هؤلاء بأنّ هكذا موقف وحده سيدخلهم التاريخ المشرّف؟ وإلا، فإنّ هذا الأخير لن يرحمهم، وربما سيدمغهم بدمغة الانقلاب والتفريط، وسيكونون حينها عنواناً للسوابق الخَطِرَة لا سمح الله.
ختاماً: أيها المسؤولون، حذار حذار من أولئك الذين يزايدون صبح مساء، بأنهم يلتزمون في خطابهم ما أعلنتم من حصرٍ للسلاح بيد الدولة، ولكنهم في حقيقة ما يضمرون في أنفسهم أنهم يتّخذون من تلك الجزئية حصان طروادة لأجل تقديم أوراق اعتمادهم السياسية عند الخارج، فهم ليسوا أكثر من بيادق، يستخدمها أولئك «الأسياد» في معركتهم المستمرة لتصفية حسابهم المفتوح مع المقاومين والسياديين الحقيقيين، والذين كان لهم سبق الفضل في إفشال مشاريعهم في المنطقة الواحد تلو الآخر. فإنّ ما وراء الأكمة ما وراءها، فإياكم إشراكهم، فالقصة ليست قصة «نزع سلاح» إنما هي قصة انقلاب على مبادئ ومفاهيم وإرساء السوابق، فاحذروا.
* باحث وكاتب سياسي
