مساء بيروتي

قدري أن أصل إلى بيروت التي عشقتها منذ نعومة أظفاري، في اليوم نفسه الذي كانت جماهير لبنانية وعربية، تُشيّع الموسيقار العبقري زياد الرّحباني. كم تمنّيت لو أسعفني الوقت للمشاركة في جنازته حضورياً، بدل متابعة مراسم التّشييع، وتقبّل التعازي عبر الفضائية اللبنانية، التي خصّصت موجة مفتوحة لهذا المصاب الجلل، في تكريم يليق بالراحل الكبير.
في مساء اليوم ذاته، التقيت في مقهى الروضة المطلّ على شاطئ البحر، بمحض الصّدفة الكاتب والمفكّر الفلسطيني الكبير منير شفيق (أبو فادي)، رفقة الكاتب الصحفي أيهم السهلي ابن قرية بلد الشيخ المُهجّرة، الناشط في مجال البحث والتوثيق التاريخي.
أعرف شفيق من قبل، من قراءتي لمؤلّفاته، وتتبّعي لتاريخه النّضالي والفكري، وكذلك من لقاءاته عبر الفضائيّات، فلقد نشط كثيراً في العامين الأخيرين رغم اقترابه من التّسعين سنة، فهو كما أكّد لي، من مواليد عام 1936. رأيته مسروراً عندما علم أنني أعرفه تماماً شكلاً ومضموناً، وأنا القادم من فلسطين التي ولد في عاصمتها، وهو ابن المحامي المقدسي شفيق عسل، وشقيق الشهيد جورج عسل.
صارحته بانتقاد البعض له بأنّه قد تنقّل فكريّاً وأيدولوجياً، وأنه لطالما «شلح ثوباً ولبس آخر»، ابتسم ضاحكاً وأبدى تفهّمه نوعاً ما، مُبرّراً أنّ الظروف كانت تُملي عليه ذلك، وأنّه لم يتنقّل رفاهية، بل كان كمن يمشي على الجمر أو حدّ السيف، في مختلف مفاصل حياته، ولذا كانت مذكّراته بعنوان «من جمر إلى جمر» كما قال.
سألني عن الكاتب حسن خضر أين يقيم، وأين يكتب؟ وعن فتحي البسّ صاحب دار الشّروق، وتحدّثنا عن كتابه «انثيال الذّاكرة»، واستفضنا في الحديث عن الكتيبة الطلابية (كتيبة الجرمق)، التي ضمّت فلسطينيّين وعرباً من مختلف الأطياف والأمصار، وأدوار كلٍّ من: محمد باسم مصطفى سلطان التميمي المعروف بـ«حمدي»، ومروان إبراهيم كيالي، ومحمّد حسن بحيص المعروف بـ«أبو حسن قاسم»، وسعد عبد القادر جرادات، ومعين الطاهر، وهم قادة وأبطال الكتيبة الطلابية.
ولمّا كان تشييع الرّحباني في ذلك اليوم، فقد سيطر الحديث عن زياد، وتأثّره بالألحان والترانيم البيزنطية، وعن تميّزه وتفرّده ككاتب وملحّن، استطاع بتشكيله ثنائيّاً فريداً مع والدته القامة الكبيرة فيروز، أن يُتوَّجا ملكين رسميّاً وشعبيّاً وإنسانيّاً، ملكَا قلوب الناس ومحبّتهم.
لاحقاً لهذه الجلسة، قابلت الشّاب اللبناني علاء، الموظف في جمعية دولية، فانصدمنا بحجم الألعاب النّاريّة التي كانت تنطلق كصوت القذيفة كأنّها صادرة من مدفع ضخم، فإذا بالواجهة البحريّة تعجّ بمئات البشر الذين بدوا على مُدرّج كأنّه يطير فوق الماء، سألنا، فإذا بمطربة لبنانية تُحيي حفلاً ساهراً، يثير الاستغراب كونه جاء بعد ساعات قليلة من وداع زياد الرّحباني.
علاء بدا شاباً واعياً رغم صغر سنه، ونظراً لأنّ أمّه فلسطينية؛ تراه مُطّلعاً على مجريات القضية داخلياً وخارجياً، وقارئاً للأدب الفلسطيني شعراً ونثراً، ما جعلني معجباً بثقافته، وشموليّة اطّلاعه ومعرفته.
أعود إلى الفندق فأرى على الفضائية الشاعر اللبناني الكبير طلال حيدر يرثي زياداً متغزّلاً به بحرقة ومرارة وألم، وأتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي لأرى زياداً وأخباره ومسيرته تتصدّر كلّ شيء، وأرى وأسمع كثيرين يبكونه، ويتحدّثون عنه كيف أنه رفض زراعة كبد، إذ أصبح لا يطيق الحياة وأطفال غزة يبادون، فأُدرك حجم مصيبتنا فيك يا زياد، وحجم مصيبة لبنان الغالي على قلوبنا. وأتساءل مراراً: لماذا لا ندرك أهمّية الأشخاص وهم بين ظهرانينا، ولا نعرف قيمتهم إلا بعد رحيلهم؟ لماذا؟!
*شاعر وكاتب فلسطيني
