وطنٌ من ورق

من الأدوار التمثيلية السينمائية التي قام بها الراحل زياد الرحباني هو دور جندي صهيوني محتلّ عند مثلّث جنوب لبنان - جنوب سوريا - شمال فلسطين في فيلم «طيارة من ورق» للراحلة رندة الشهال. الفيلم هو قصة زواج طائفي عابر للحدود والأزمان ولكنّه أصبح دراميّاً سينمائياً بفضل راسِمَي حدود المنطقة منذ قرن، المستعمر البريطاني سايكس والمستعمر الفرنسي بيكو.
لا أريد أن أفسد حبكة الفيلم على من لم يشاهده بعد لكنّ العبرة منه هي أن الطائرة الورقيّة بهشاشتها خارقة للحدود المصطنعة بين الشعوب، أو الشعب الواحد في بلدان مصطنعة. يحصل اليوم أنّ في هذه البلدان حكومات تخال أن الورق الذي يتطاير مع الرياح ولا يبقيه في مَرآنا إلّا خيط رفيع حقّاً باقٍ. هذا الفرق بين السينما وأحلامها المتطايرة، والواقع وجذوره المترسّخة.
في قصور دمشق وبيروت الرئاسية اليوم لا يركض المسترئسون خلف لعبة الأطفال تلك المصنوعة من «ورق وخيطان» والتي جعلت من «أم زياد» تريد أن «ترجع بنت صغيرة على سطح الجيران» وينساها الزمان على سطح الجيران، بل هم تحرّكهم الخيطان و«النفخات» الهوائية لاهثين وراء الحبر المتناثر على الورق المتطاير. هذا الحبر يسيل من أقلام «المباعيث» توماس برّاك ومورغان أورتاغوس وآموس هوكشتاين وقبلهم «دين راسك» وغيرهم من مبعوثين نُسيوا أو باتوا في طور النسيان، علماً أن كلمات «طيري يا طيّارة» خطّها بحبر قلمه الراحل فيليمون وهبة قبل الحركة التصحيحية لـ«البعث».
في فيلمٍ أميركي طويل، يصعب أخذ «ورقة أميركية» يتيمة على هذا المحمل من الجدّ الذي يتخذه العهد الورقي الحالي في لبنان. إنّها مجرّد ورقة. وزراء ورؤساء ورؤساء وزراء يتحدّثون عن «ورقة أميركية» كأنّها أول مرّة يرون ورقة. الورق يصنع من الشجر، وعلى علمنا اللبناني أقوى شجرة في العالم، الأرزة. شدّوا حالكم شويّ!
المتلاهثون خلف ورقة برّاك يدركون هشاشتهم. حدود سايكس وبيكو دامت مئة من الأعوام. هم لن يدوموا مئة من الأيام. بالنسبة إليهم موسم الحصاد حان الآن وهنا وقد لا يحين مجدّداً أبداً. الورقة هي كل ما يملكونه. دعك من أنّ الورقة مجبولة بدمّ من يسقي الأرض وجذورها كل يوم، في لبنان أقلّه. المتلاهثون خلف ورقة تتطايرها «خمسينية الصيف» بين الشام وبرّ الشام يتجاهلون أنها من إمضاء من يرتكبون الإبادة صيفاً شتاءً في الشام وبرّها ويرتكبون الإبادة في غزة فلسطين الآن وهنا.
قد تكون مفاهيم الأوطان التي عايشناها آخر كم سنة فعلاً أوراقاً أميركية تتطايرها الرياح، خاصة إذا بات مصيرها في يد محمود عباس في رام الله ومحمود عباس آخر في الأمويين ومحمود عباس جونيور في بعبدا وآخر هنا في كعب الشارع عـ«البريستول». لكن الشعوب لا تحدّها الأوراق. في فيلم رندة الشهال يتزاوج جنوب لبنان المحتلّ مع الجولان المحتلّ، يتحرّر الزوجان وغالبية الظن أنهما ينجبان. مهما أنجبا حتماً لن يسمّياه لا جوزيف ولا نوّاف.
