ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جلبير الأشقر؛ «الأصوات المحلية» النموذجية!

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 13 آب 2025
الخط

الطالب العربي (والآتي من دول الأطراف بشكل عام) في الجامعات الأميركية لا يمكنه أن يصبح لاحقاً منظِّراً هناك، لن يُعترَف به كمؤسِّس لمدرسة فكرية أو منهجية مهما بذل من جهد. هو يُستقبَل هناك كشاهد أو كعيّنة عن مجتمعاتنا في أفضل الأحوال وليس كسلطة معرفية (كما إن أقوال الخاضع للتحليل النفسي لا تَمتلك سلطة معرفية، هي ممركزة في المحلِّل). أساساً، نادراً ما يكون موضوع بحث الطالب العربي هو المجتمع الأميركي، بل الحديث عن مجتمعاتنا أمام جمهور الأكاديميين الأميركيين، وهو ما يُغري في بعض الأحيان بعضَ طلابنا بالتوهُّم أنهم يروّجون لقضايانا هناك: وهْم الفعّالية و«المقاومة».

طبعاً، مفهوم «المقاومة» الذي يَرِد في الأبحاث الأكاديمية الأميركية لا يمتّ بصلة إلى مفهومنا في الأطراف للمقاومة، بل هو صيغ ليزيح مفهومَنا جانباً، الاستماتة في «اكتشاف» طرق مقاومة غير تلك المسلّحة، الاستماتة في الانتقاص من الأخيرة (إلا إذا كانت كردية: مَنْ منّا يَذكر كمية الأموال التي صَرفها المجتمع المدني على تنظيم «إيفينتس» في بيروت عن الأسطورة الطوباوية التي أُعطيت اسماً شاعرياً، روجافا، أو مقاومة أوكرانية، أو مقاومة تايوانية غداً).

من بين كل الأقسام الأكاديمية، فإنّ قسم الأدب في الجامعات الأميركية هو الأكثر إيهاماً بالفعّالية للقادمين من الأطراف، وحتى في هذه الحالة رأينا كيف تمّ أخيراً إسكات قسم الأدب عبر دعم قسم الفلسفة التحليلي للحديث في السياسة بدلاً منه.
«الاستماع إلى الأصوات المحلية» تحوّل إلى آلية لتعزيز خطاب التقدّميين الإمبرياليين من ناحية، ولمنْح أدواتهم (معظم الأحيان هو العربي العائد إلى مجتمعه) سلطةً على مجتمعاتنا الطرفانية من ناحية ثانية؛ الأستاذ العربي منزوع السلطة هناك (الشاهد/ العيّنة)، لكنه ممثّل السلطة المعرفية علينا.

وبعد مستوى التواطؤ المؤسساتي الهيكلي للجامعة الأميركية في تنظير الإبادة وعلومها وجعلها ممكنةً، أليس من الضروري أن نُعيد النظر في مسألة الدراسة والتعليم في جامعات الولايات المتحدة والاعتقاد أننا نقاوم من موقعنا الدراسي والتدريسي هناك؟ علينا البدء بمراجعة شاملة لنكتشف كم يسهم وجودُنا الرمزي في الجامعات الأميركية في الإبادة التي نتعرّض لها اليوم.

تحدثتُ في مقال سابق عن دور مجلة «جاكوبين» الإمبريالي، كوسيط وظيفته إحباط المقاومة ضد الإمبريالية باسم مقاومة الإمبريالية. ومنذ أيام، نَشرتْ المجلة مقابلة مع جلبير أشقر -العيّنة التي يريد التقدميون الأميركيون أن يقولوا إنها تمثّلنا (نحن شعوب الأطراف) من ناحية وإنها أقلية بيننا من ناحية ثانية. الخطوة الثانية في هذا المنطق هي أنه لأن جلبير أشقر يمثّل أقلية بيننا لا يمكنهم دعمنا بالمال والسلاح، مقاومتنا البربرية والإمبريالية الهمجية سيان، وشعوبنا هي ضحية بين الاثنين.

في المقابل، هم وَجدوا في روجافا وفي زيلينسكي نموذج الماركسية التقدّمية، ولذلك يطالبون بتسليحهما بأحدث التقنيات العسكرية الأميركية، «ترسانة الديموقراطية»، أمّا «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و«كتائب أبو علي مصطفى» فقد سَقطتْ في امتحان الماركسية. لدى التقدّميين الأميركيين هذه الميزة: هم الصوت الحقيقي للشعب الأميركي، لكنهم لا يمثّلون سوى جزء هامشي منه في الانتخابات، وفي الوقت نفسه هم يصرّون على أن الانتخابات هي المسار الوحيد للسياسة وليس الانقلابات أو الاغتيالات أو المقاومة المسلحة مثلاً.

يقول جلبير الأشقر كلَّ ما يريد التقدّمي الأميركي سماعه لإشباع الإيغو النيويوركي (حيث مكاتب المجلة) بأنه نموذج الأخلاق الكوني، بأن شعوب الأطراف يجب أن تستجديه بدماء أطفالها من أجل إيقاظ الحسّ الإنساني فيه.

هناك أخيراً لازمة لدى التقدّميين الأميركيين، وهذا صوت عربي اسمه جلبير الأشقر يؤكد نظريتنا (نأتي بأحد السكّان الأصليين ليقول ما نريده، هذا هو فحوى «الاستماع إلى الأصوات المحلية»)؛ بأن عملية الشهيد السنوار في السابع من أكتوبر كانت «سوء حسابات» (miscalculation). ماذا تتوقّع من الأشقر سوى أن يكرّر اللازمة نفسها من دون أي إضافات ولو شكلية حتى (لو فعل لما استُقبِل في جاكوبين أو أي مؤسسة تقدّمية أميركية أخرى).

يتناسى الأشقر أنّ خيانة التقدّميين الأميركيين هي التي جعلتْ إسرائيل تَستعيد توازنها بعد العملية. هناك الكثير من الشهادات عن أن نتنياهو كان محبطاً ومتوتراً وكان هناك تقاذف للمسؤوليات عن انهيار الدفاعات الإسرائيلية المفاجئ. واشنطن في ظل أكثر رئيس تقدمي داعم للنقابات العمالية في تاريخ الولايات المتحدة هي التي بادرتْ منذ اللحظة الأولى إلى لملمة الانقسامات الإسرائيلية وأَطلقتْ على ما حصل تسمية هولوكوست جديد ووضعتْ تسليح إسرائيل في إطار «ترسانة الديموقراطية»، أي إنها تَدعم أوكرانيا وإسرائيل للأسباب نفسها. ماذا فعل صديق بايدن الشخصي بيرني ساندرز في هذه اللحظة المفصلية؟ كان مشغولاً باستخراج إدانة حماس منّا. طبعاً كان من الممكن أن تَأخذ الأمور منحى مغايراً تماماً لو أن ساندرز قاتل من أجل فرض رؤية مغايرة.

«الاستماع إلى الأصوات المحلية» تحوّل إلى آلية لتعزيز خطاب التقدّميين الإمبرياليين من ناحية، ولمنْح أدواتهم (معظم الأحيان هو العربي العائد إلى مجتمعه) سلطةً على مجتمعاتنا الطرفانية من ناحية ثانية

أوكرانيا مثال على ذلك، لا أحد يشكّ في أن قتال الشبان الأوكران على الجبهة يَخدم المصالح الأميركية، ولكن الإدارة الأميركية ببساطة لا تريد هذه الحرب الآن، فلتتوقف الحرب إذاً؛ كان ممكناً أن يَحصل الأمر نفسه مع إسرائيل، نحن لا نريد الحرب ولن نَدعمها لأن لدينا مشروعاً دولياً ما ولا نريد لهذه الحرب أن تعرقله.

علينا أن نتذكر اللحظات الأولى: الإدارة الأميركية التقدّمية العمّالية لم تجد نفسها «مجبرةً» على إنقاذ إسرائيل، هي اندفعتْ بحماسة بالغة إلى ذلك لأنها رأتْ فيها فرصة مشابهة لأوكرانيا من أجل إشعال المزيد من الحروب السهلة ضد خصوم واشنطن، نحن نرسل إليهم المال والأسلحة الأكثر تقدّماً وهم يقدّمون أولادهم للقتال على الجبهة (بدل إرسال الجنود الأميركيين).

الحديث عن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لا قيمة له، إذْ لا يمكن فهم الاندفاع الأميركي لدعم إسرائيل من دون خلفية الحرب في أوكرانيا؛ حرب أوكرانيا جَعلتْ واشنطن تَنتشي بأنها أخيراً وَجدتْ المعادلة التي تحدّ من تراجع نفوذها العالمي، وهو سبب الحماسة المفرطة في دعم إسرائيل بعد السابع من أكتوبر. أداء التقدّمي الأميركي الطفولي (بيدق الإمبريالية الساذج أو الواعي بتواطئه في كثير من الأحيان) في حرب أوكرانيا كان مقدمة لما سيَحدث في فلسطين المحتلة. عدم مبادرة بيرني ساندرز لتقديم طرح ناضج حول حرب أوكرانيا كان سيُستتبع بموقف مخزٍ تجاه الإبادة في غزة.

حتى نتذكّر مدى الابتهاج الأميركي بالمعادلة التي اكتشفوها في أوكرانيا، علينا أن نَستعيد كيف اندفعت نانسي بيلوسي إلى زيارة تايوان، أهم مسؤول أميركي يزور الجزيرة في عقود، والشعور العام في واشنطن بأنهم أمام انتصارات على نمط الحرب العالمية الثانية، ذلك أنه بعد الانسحاب العشوائي من أفغانستان، تأكد لدى واشنطن شعور كان يتراكم تدريجياً بأنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها عالمياً كما كان الحال سابقاً. أتت الحرب في أوكرانيا ليَكتشفوا المعادلة الجديدة. من دون الضياع/ التواطؤ التقدّمي الأميركي إزاء حرب أوكرانيا لما كان الاندفاع الابتهاجي الأميركي تجاه إسرائيل في السابع من أكتوبر ممكناً.

يَعتبر جلبير الأشقر أن كل مقاومة مسلحة ضد إسرائيل هي «فخ» نتيجة للتفوق العسكري الإسرائيلي والعددي حتى. وهو في ذلك لا يميّز بين مقاومة إسلامية أو ماركسية. وفقاً للأشقر، فإنّ المقاومة المسلحة في جنوب أفريقيا كانت ممكنة لأن البيض كانوا أقلية. سطحية الطرح مستفزة خصوصاً في ظل الإبادة.

لكن ماذا لو قَرّرتْ الولايات المتحدة دعْمَ البيض في جنوب أفريقيا كما فَعلتْ إسرائيل في حينها (بما أنّ كثراً مهووسون باللوبي الإسرائيلي في تحليل السياسات الأميركية)؟ وهل الإسرائيليون أكثرية عددية في مشرق عربي أصبحت حدوده شكلية منذ الحرب في سوريا؟ الحلّ بالنسبة إلى الأشقر هو المقاومة السلمية التي عبر مظلوميتها تَخلق أزمة أخلاقية لدى المجتمع المعتدِي؛ لماذا لا يَطرحها على الأوكران أو على مواطني روجافا أو تايوان؟

بكل الأحوال، يُفترَض أننا صرنا على علم كيف تَعمل آلية «الأزمة الأخلاقية» في الحاضرة الإمبريالية، «أَنهِ المهمة» (أحد أهم شعارات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة) ثم نؤسّس لقسم أكاديمي حول المأساة التي تسبّبنا فيها. أين هي الأزمة الأخلاقية لدى الأميركيين تجاه كوبا التي تَبعد بضع كيلومترات عن حدودهم؟ هناك لوبي الكوبي اليميني يَمنع من نشوء هذه الأزمة الأخلاقية؟

الأزمة الأخلاقية هي في مجلة «جاكوبين» والتقدّميين الأميركيين قبل أن تكون في جلبير الأشقر حتى، العيّنة الطيّعة. هل يمكن فهم نموذج «نجاح» (كيف صُوّرتْ على أنها نجاح) حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة من دون سياق الصراع مع الاتحاد السوفياتي الذي كان يُضيف أعداداً متزايدة من دول العالم الثالث إلى المعسكر الاشتراكي وبات على الولايات المتحدة وضْع مقاربة جديدة تَستبدل المقاربة الاستعمارية التقليدية؟

هناك أيضاً لازمة «الخطْف»، ستالين اختطف الثورة البلشفية، الإسلاميون اختطفوا الثورة السورية، ياسر عرفات اختطف الانتفاضة الفلسطينية الأولى قبل أن يقع في فخ المقاومة المسلحة عام ألفين، على طريقة «البيْع» في التحليلات السياسية، النظام الفلاني باع النظام العلاني فسقط؛ متى أصبح الخطف والفخ والبيع مفردات في التحليل المنهجي؟

لم يتمكّن الشهيد السنوار من تحرير فلسطين مباشرةً، لكنه حَرَّر العالم؛ على الأقل هذا هو الأمر الوحيد الصحيح في مقابلة جلبير الأشقر (ولو من خلفيته التبسيطية) التي عنوانها «غزة تَكشف إفلاس الليبرالية الغربية». طبعاً، ليست كتابات الأشقر هي التي كَشفتْ هذا الإفلاس ودَمّرتْ النظام العالمي كما نَعرفه («تدمير فلسطين يَكسر العالم» كما عنونت «الغارديان»)، بل دماء شهداء «طوفان الأقصى» وما بعده.

* باحث

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك