تجريد النساء من الهوية في الكويت: عن عنف الدولة المقنّن

هل تساءل أحد في دوائر السلطة، بكل هدوء وبيروقراطية، ما إذا كان من الممكن اختزال مواطنة أمّ قضت عمرها في بيت كويتي، ربّت أبناء كويتيين، وخدمت مجتمعاً كويتياً، ثم تُسحب منها حقوقها بموجب ورقة ضائعة منذ السبعينيات؟
هل خطر لأحد من صنّاع القرار أنّ ما يُمارَس اليوم ضد زوجات الكويتيين وأمّهاتهم هو نسخة من الحرق الرمزي؟ الحرق لا يعني فقط النار، بل نفي الوجود، إسقاط الكرامة، محو السيرة، وإلغاء أثر الحياة من الورق والقانون والمؤسسة.
ما يجري منذ أشهر تجاه النساء المرتبطات بكويتيين، تجاوز الإهمال الإداري إلى قصديّة الإذلال والتجريد المنهجي من الهوية. فقد عُدّل قانون الجنسية (الرقم 15 لعام 1959)، وأُلغيت المادة التي كانت تتيح للمرأة الأجنبية المتزوجة من كويتي الحصول على الجنسية بعد خمس سنوات، ما عنى عمليّاً إغلاق باب التجنيس عبر الزواج، لكن الأغرب، والذي لا يجد تفسيراً قانونياً ولا أخلاقياً، هو تطبيق هذا القانون بأثر رجعي لمن قضين عقوداً من الحياة في كنف الأسرة الكويتية.
وهنا يطرح السؤال القانوني الأساسي: هل يجوز تطبيق القانون بأثر رجعي؟
الجواب واضح وثابت: لا يجوز. إنّ مبدأ عدم الرجعية في القانون حجر زاوية في العدالة، ولا يمكن تطبيق قوانين جديدة على أوضاع سابقة، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بحقوق أساسية مثل الجنسية، التي هي حق ثابت لا يجوز تغييره بأثر رجعي لما يترتب عليه من تبعات قانونية واجتماعية جسيمة. وقد أكدت أصوات قانونية معاصرة أنّ هذه الإجراءات تتعارض مع الدستور الكويتي والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي تحمي حق المواطنة.
ويؤكد عضو هيئة التدريس في كلية الحقوق بجامعة الكويت الدكتور أنور الفزيع، أن سحب الجنسية من أمهاتٍ عشن عقوداً ككويتيات يُفكّك النسيج الاجتماعي، خاصةً ممن وُلِدن وترعرعن في الكويت: وحتى لو افترضنا وجود خطأ إداري – وهو غير ثابت – فإنّ سحب القرارات يكون خلال 60 يوماً، فكيف تُسحب جنسية أم بعد 30 عاماً؟
ويشير النائب السابق والمحامي محمد الدلال، إلى أن قرارات منح الجنسية الصادرة من وزراء الداخلية منذ 1980 شرعية ولا يجوز سحبها إلا بثبوت تزوير أو فقدان شروط المنح، لأن السحب التعسفي يُدمّر حياة من اكتسبن الجنسية قانونياً وينتهك الدستور والمواثيق الدولية.
أمّا أمين عام مجلس التعاون السابق عبدالله يعقوب بشارة، فيرى أن سياسة سحب الجنسية الحالية تمثّل انحرافاً عن مسار الكويت الإنساني، وتحتاج إلى مراجعة عاجلة تحمي حقوق الأسر وتصون سمعة البلاد، مع إصلاح النظام من دون المساس بمكتسبات الماضي، مؤكداً أنّ هذه الإجراءات «تضرّ بسمعة الكويت» كدولة رائدة في العمل الإنساني، واصفاً القرار بأنه «غير منطقي» لأنه يعاقب أسراً كويتية مكتملة الأركان (أمّهات وأبناء كويتيين) بسبب شكليات قانونية.
سياسات القتل المدني
لقد سُحبت الجنسية فعلاً من آلاف النساء – ووفقاً لتقارير صحافية موثقة، تجاوز عدد من فُقدت جنسياتهن 50 ألفاً خلال أقل من عام – ثم حرمن من السفر والتنقّل، ومن بعده حُرمن من التقاعد، ثم من التملّك، وأخيراً، وببرود فجّ، منعتهن البنوك من التصرّف بأموالهن بحجّة أنّ أوراقهن قديمة أو غير محدثة.
في الأسابيع الأخيرة، طلبت وزارة الداخلية منهن تقديم أوراق من ملفات تعود لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تثبت جنسيتهن القديمة، وهو ما أدخلهن في متاهة بين رفض الدول إرجاع الجنسية وتهديد وزارة الداخلية بالويل لمن لا تستعيد ثبوتياتها القديمة، وكأن وجودهن في المجتمع الكويتي طوال عقود لا يساوي شيئاً ما لم يُوثَّق على ورقة صفراء تحتفظ بها جهة رسمية.
هل ثمّة شكل «أرقى» من هذا لـ«القتل المدني»؟ وهل الدولة حقاً لا تعرف أن هذه المرأة كانت حتى الأمس تمضي معاملات أطفالها، وتراجع المدرسة والمستشفى والداخلية، من دون مشكلة، ثم فجأة، تسقط هويتها، ويُطلب منها إثباتات تم التنازل عنها بأمر من الحكومة الكويتية منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي؟
لم تُجدِ التصريحات الحكومية شيئاً في طمأنة الناس، رغم تعهّد بعض المسؤولين بأن «العيش الكريم محفوظ» وأن النساء لن يُحرمن من الدعم أو الرعاية. ذلك أن الواقع شيء آخر: آلاف النساء من مختلف الفئات وجدن أنفسهن فجأة بلا هوية
هل الدولة تنتقم من النساء بعد عقود من اكتساب المواطنة القانونية؟ وممّن؟ من أمّ أنجبت مواطناً كويتياً؟ من زوجة دفنت عمرها في بيت مواطن كويتي؟ من أرملة عاشت على هامش المجتمع بصمت تتألّم لوحدها، ولم تحدث أي مشكلات أو مخالفات؟
القانون هنا لم يعد وسيلة لتنظيم الحقوق، بل سلاح إداري بطيء يُستخدم لإذلال فئة كاملة لا ذنب لها سوى أنها وثقت بقرارات رسمية صدرت بشكل رسمي ومن دون أي مخالفات إدارية. والبيروقراطية تُمارَس بعقل بارد: «هاتِ ورقة من ملف الجنسية»، «أحضري شهادة من سبعينيات القرن الماضي»، «أنتِ غير معروفة في النظام»… النظام الذي احتواها قبل أيام ولمدة أعوام، الآن يلفظها بدم بارد.
الأدهى، أنّ هذه القوانين والتعاميم ليست ارتجالية. بل تتراكم، يوماً بعد يوم، نحو خنق اجتماعي محكم. منع من السفر، ثم من الإقامة، ثم من التعليم، ثم من العلاج، ثم من الحساب البنكي… وفي كل مرة، يُقال: «هذه إجراءات قانونية» لتعديل التركيبة السكانية.
لكن القانون حين يتحوّل إلى أداة تجريد ممنهج للكرامة، يصبح أداة عنف. وحين يُستخدم لتهميش من يفترض أنهن أهلنا – زوجاتنا وأمّهاتنا – فإنه يفضح هشاشة خطاب الانتماء وادعاءات الإنسانية. لا أحد في العالم المتحضر يعاقب «الأم» لأنها لم تولد على أرضه، أو لأنها لم تكن «كويتية نقية». لا أحد يفعلها.
وعود في الهواء
ولم تُجدِ التصريحات الحكومية شيئاً في طمأنة الناس، رغم تعهّد بعض المسؤولين بأن «العيش الكريم محفوظ» وأن النساء لن يُحرمن من الدعم أو الرعاية. ذلك أن الواقع شيء آخر: آلاف النساء من مختلف الفئات وجدن أنفسهن فجأة بلا هوية، بلا علاج أو علاج أولادهن، لأن النظام بات يراهنّ مجرد ملف ناقص أو بطاقة منتهية.
ما يحصل اليوم لا يمكن تبريره. لا دين، ولا وطن، ولا شرف، يقبل بأن تُعامل أمّ كويتية وكأنها مهرّبة مواد ممنوعة، أو امرأة مشبوهة، أو غير موجودة في هذا الوطن.
والسؤال البسيط: إذا كانت الأمّ، التي أنجبت وربّت، تعيش وتموت دون اعتراف وبإذلال وتهديد يومي… فماذا تبقّى من «الوطن»؟ أجيبوا إن استطعتم: لماذا لا تحرقون أمّهاتكم؟! أليس هذا بالضبط ما تفعلونه، لكن ببطء، وباسم القانون؟
* كاتب كويتي
