حمامات سلام في ظل إبادة

استحوذت الولايات المتحدة الأميركية على مقاطعة ألاسكا الجليدية والنفطية من الإمبراطورية الروسية المحتضرة بمبلغ بخس لا يضاهيه بخساً إلّا كلفة استيلاء آل دو فريج على أراضي ميدان سبق الخيل في بيروت الإدارية، أو ثمن استيلاء آل سلام على مراعي نادي الغولف في ريف الغبيري.
بعد قرن ونصف قرن من صفقة شراء الولاية التاسعة والأربعين من ولايات الإمبراطورية الخمسين الرسمية، استقبل الرئيس الأميركي، الخامس والأربعين والسابع والأربعين رسمياً، دونالد ترامب، في أراضيها، الرئيسَ الروسي، الأوحد فعلياً، الثاني والرابع رسمياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، فلاديمير بوتين، في قمّة بعنوان «السعي نحو السلام» (Pursuing Peace). إعلام منظومة الصناعة العسكرية في واشنطن رأى في نتائج القمة نصراً مبيناً لموسكو، لكن كان لترامب تفسير آخر.
في مقابلة تلفزيونية عقب انتهاء القمّة في مستوطنة أنكوراج في ألاسكا، عدّد ترامب مع مارسيل غانمه الخاص، شون هانيتي، على شاشة قناة «فوكس»، إنجازات القمّة وإنجازات عهده بشكل عام، واستخلص الرجلان أنّ دونالد ترامب هو الشخص الأجدر في التاريخ لنيل جائزة النوبل للسلام، وليته يكون «خاتم النوبليين».
شملت جردة إنجازات ترامب «إنهاء سبعة حروب»، منها الهند ضد باكستان وأرمينيا ضد أذربيجان وغيرهما من الحروب المستعصية، على عكس الرئيس «النوبلي» السابق باراك أوباما الذي أشعل حروباً في سبعة من بلداننا العربية. ذلك بالإضافة إلى إعاقة البرنامج النووي الإيراني الذي كان على بُعد أسبوع من إنتاج «القنبلة»، و«من دون احتساب الاتفاقات الإبراهيمية» كما أصرّ هانيتي على التذكير.
إنّه عهد سلام إذاً، ذلك إذا ما تجاهلنا الإبادة المستمرّة في غزة فلسطين والحروب التقسيمية المنتشرة في بلادنا هذه الأيام. ويكاد يبدو أن من يصدّق ترامب ويركب قطار سلامه كثرٌ لولا أن الواقع المعاش الذي تختبره الشعوب لا يشبه هلوسات دونالد ترامب و«المستَتْرِمْبين» في الحكم اليوم في عواصمنا. «السعي نحو السلام» في عالم مثالي لا يكون سعياً، إذ يكون السلام واقعاً. الاستقتالُ في استعجال سلام مع مستبدٍّ مبيدٍ انتحارٌ.
قد يستسهل الجالس في ألاسكا تجاهل الإبادة اليومية لشعب يبعد نصف كوكب عنه، لكن كيف لصنّاع قرار لا يستطيعون شرب القهوة على شرفات بيوتهم من دون سماع «الزنّانة» التي تصطاد زينة شباب شعبه أن يروّجوا للخضوع، لا بل يزايدون في إبراز حمامات سلامهم للعم سام الذي يجسّده دونالد ترامب اليوم.
الخيار المطروح رسمياً أمام شعوب منطقتنا اليوم ليس خيار حرب أو سلم. الخيار هو الترغيب بحياة الضفة «الرغيدة» أو الترهيب بالإبادة الغزاوية. علماً أن الرغد الضفاوي، في حال رضي المستعمر الإبادي عنك، قد يضحي فسقاً «كومباونديّاً» كذلك الذي يحظى به سكان المجتمعات المسوّرة المعزولة عن محيطها في الجزيرة العربية وغيرها من المستعمرات. أي إن الخيار المطروح رسمياً هو «بين السلّة والذلّة».
على أرض الواقع الخيارات أوسع من ذلك، وهيهات أن يفرض على شعوبنا احتلال كذلك المفروض على فلسطينيي الضفة، لا بل هيهات أن يرضى الشعب ببقاء الاحتلال في الضفة أو خارجها. في هذا الزمن الذي يتبارى العسكر الرسمي في عواصم العرب على استعراض خطط الخضوع للاستعمار والعمل البوليسي لإخضاع الشعوب الرافضة لإمبراطورية الإبادة، لا يعاب من قرّر المواجهة على تضحياته، أو انتحاره كما يروّج المستسلمون، بل يُعاب من يتقاعس في المواجهة على نحرنا جميعاً، جيلاً بعد جيلاً، إلى أبد الآبدين.
في ختام مقابلة ترامب مع مضيفه التلفزيونيّ، يتبادل الرجلان الإطراءات عن ذكاء ودهاء كليهما، وكيف أن أميركا باتت عظيمة مرّة أخرى. حمامات السلام تصدّقهما.
* كاتب من أسرة «الأخبار»
