ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

غزّة بين النزيف الحاضر وخطر الاحتلال: أي ثمن سنقدّم؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
حسين البطش
حسين البطش
الثلاثاء 19 آب 2025
الخط


في غزة، لم يعد الموت والحصار مجرد أخبار متداولة، بل أصبحا واقعاً يومياً يعيشه الجميع. لكن وسط هذا الجحيم، يلوح في الأفق خطر أكبر من الحاضر نفسه: مشروع احتلال وضمّ قد يغيّر وجه القطاع لسنوات قادمة. فهل نملك رفاهية الانتظار، أم أن الوقت حان لحساب الثمن قبل أن يُفرض علينا بالكامل؟

لم يعد من الضروري أن نُذكّر العالم بأن الوضع في غزة بلغ مراحل خطيرة للغاية؛ فكل ما يمكن التحذير منه قد وقع بالفعل. نحن أمام مشهد مكتمل لمأساة إنسانية، حيث تتقاطع صور الجوع، والموت، والتفكك الاجتماعي، في لوحة قاتمة لا تحتاج إلى شرح إضافي بقدر ما تحتاج إلى موقف حاسم.

لقد أصبح الموت جوعاً حقيقة يومية، ولم يعد الحصول على الطعام أمراً عاديّاً بل معركة قد يدفع المرء فيها حياته ثمناً. القتل من أجل لقمة، مشهد يصعب تخيّله لكنه بات جزءاً من الواقع المأساوي. المجتمع نفسه تفتّت تحت ضغط البقاء، وتراجع الحس الجمعي لصالح غرائز البقاء الفردية. الأخلاق التي طالما شكّلت صمام أمان للمجتمع انهارت جزئيّاً، وخرجت فئات من دائرة العادات والتقاليد والأعراف التي كانت تحكم السلوك العام.

إلى جانب ذلك، نشأت أجيال كاملة بلا تعليم، مقطوعة الصلة بمؤسسات المعرفة، محاصرة بالفوضى وثقافة القوة و«البلطجة». هذه الأجيال تنمو في فراغ قيمي وتعليمي خطير، وهي مرشّحة لأن تحمل آثار هذا الانقطاع على المدى الطويل، ما يهدّد النسيج الاجتماعي حتى بعد توقّف الحرب.

لكنّ الأخطر من كل ما سبق أن القادم قد يكون أسوأ بكثير. فالمشهد الحالي ليس إلا تمهيداً لمشروع أكبر: احتلال وضمّ لأرض غزة. المشروع ليس جديداً في ذهن الاحتلال، لكنه اليوم يجد الظروف التي قد تدفعه للتنفيذ، مستغلّاً حالة الإنهاك الشديد التي يعيشها المجتمع الغزّي.

يجب ألا تتحوّل أي صفقة إلى تنازل استراتيجي يفتح الباب أمام تكريس الاحتلال أو منحه شرعية جديدة

هنا يبرز السؤال الجوهري: نحن نعلم يقيناً أن الاحتلال زائل، وأن أي وجود إسرائيلي في غزة سيُكسر بالمقاومة والصمود، كما كُسر سابقاً، لكن كم سيكون الثمن الذي سندفعه هذه المرة؟ ما حجم الدماء والمعاناة اللتين ستكونان كلفة لوقف هذا المشروع؟ وهل يمكن تقليص هذه الكلفة إذا أُحسن تقدير الموقف؟

هذه ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة عملية على صانع القرار الفلسطيني أن يواجهها بوضوح وجرأة. يجب أن تُقاس الأمور بميزان دقيق بين ثمنين: الثمن السياسي الذي يمكن تقديمه لوقف هذه المقتلة، والثمن الذي سندفعه إذا مضى الاحتلال في مشروع الضم. أي قرار سيُتخذ ستكون له انعكاسات بعيدة المدى، ليس على غزة فقط، بل على كامل القضية الفلسطينية.

ما يمكن التأكد منه هو أن المقاومة في غزة صنعت المعجزات بهذا الصمود الأسطوري لقرابة عامين من القتال والبطولة ولم تستطع إسرائيل كسرها، بل ضاعفت الضغط ومحاولة كسر حاضنة وبيئة المقاومة. وهذا ضغط كبير لا تغفله قيادة المقاومة ولا ترى فيه أنه بلا تأثير عليها.

في المقابل، يجب أن نكون منطقيين في الطرح؛ على المدى البعيد سيقلّ تأثير المواجهة العسكرية على الاحتلال في غزة، لسببين: الأول، هو نفاد ما أعدّته المقاومة من ترسانة عسكرية للمواجهة مع عدم توفّر خطوط إمداد، لتغيّرات كثيرة، منها ميدانية في غزة، ومنها إقليمية. لكنّ المقاومة لن تعجز في إيجاد الوسائل لهذه المواجهة. في مقابل ذلك، تتدفّق على إسرائيل جسور جوية من الإمداد العسكري، وهذا ما لا يجب إغفاله من قادة المقاومة وفريق المفاوضات.

المعركة مع الاحتلال ليست ضربة قاضية ولا مواجهة واحدة تنتهي بانتصار أو هزيمة؛ إنها صراع طويل وممتدّ، يتخذ أشكالاً متعددة: مقاومة مسلحة، صمود شعبي، صراع سياسي ودبلوماسي، وحرب إعلامية. وفي كل مرحلة من هذا الصراع، يجب تحديد الأهداف المرحلية والوسائل المناسبة لتحقيقها، دون فقدان البوصلة الكبرى: التحرّر الكامل وإنهاء الاحتلال.

الواقع اليوم يقول إن وقف هذه المجزرة، وفق المعطيات الحالية، لن يتحقق إلّا عبر صفقة تمنح إسرائيل بعض ما تريد. هذا ما تشير إليه كل المؤشرات السياسية المتداولة، سواء تحدّثنا عن «آلية انسحاب» مرحلية أو «مفتاح» تبادل الأسرى. من الناحية السياسية والوطنية، قد يبدو ذلك خياراً مرّاً، لكنه قد يكون الخيار الوحيد والأقل ثمناً لتقليص حجم الكارثة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ومع ذلك، يجب ألّا تتحوّل أي صفقة إلى تنازل استراتيجي يفتح الباب أمام تكريس الاحتلال أو منحه شرعية جديدة. هنا، يُختبر ذكاء المفاوض وقدرته على الموازنة بين الضرورة الإنسانية العاجلة والحفاظ على الحقوق الوطنية الثابتة.

إنّ خطورة المرحلة تكمن في أن الاحتلال قد يسعى إلى استغلال الصفقة ليس فقط لوقف القتال، بل لتثبيت مكاسب ميدانية على الأرض، سواء في شكل مناطق عازلة أو سيطرة أمنية غير مباشرة أو ترتيبات إدارية تمهّد للضمّ. هذه المخاطر يجب أن تكون في صدارة الحسابات.

وعلى المجتمع الدولي، إن كان صادقاً في دعواته لوقف القتال، أن يتحمّل مسؤوليته في ضمان ألّا تكون أي تسوية إنسانية مدخلاً لشرعنة جريمة سياسية. فالمأساة في غزة ليست مجرد أزمة إنسانية، بل نتيجة مباشرة لاحتلال طويل وسياسات استعمارية ممنهجة. أي حل يتجاهل هذه الحقيقة لن يكون سوى هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المأساة.

وفي خضمّ هذا كله، تبقى المقاومة — بأشكالها المختلفة — هي الضمانة الوحيدة لردع الاحتلال ومنعه من تحقيق أهدافه الكاملة. لكنّ المقاومة وحدها لا تكفي إن لم تُدعَم برؤية سياسية واضحة، ووعي شعبي بخطورة المرحلة، وإرادة جماعية لتحمّل الأعباء دون الانزلاق إلى الانهيار الداخلي.

غزة اليوم تنزف على جبهتين: جبهة الحرب المباشرة التي تحصد الأرواح وتدمّر البيوت، وجبهة التفكك الاجتماعي والانهيار القيمي من بعض الفئات التي تقتات على معاناة الأهالي، ما يهدّد المستقبل. إيقاف النزيف الأوّل ضرورة عاجلة، ومعالجة النزيف الثاني واجب طويل الأمد. وفي الحالتين: القرار الآن بيد من يملكون مفاتيح الميدان والسياسة.

السؤال اليوم ليس «هل سينتهي الاحتلال من غزة؟» بل: بأي ثمن سينتهي، وكم سنخسر حتى يتحقق ذلك؟ الإجابة على هذا السؤال ليست ترفاً سياسيّاً، بل مسألة حياة أو موت. وعلى صانع القرار أن ينظر إلى الكلفة كاملة، لا إلى جزء منها، وأن يوازن بين الضرورة والكرامة، بين الحفاظ على الثوابت وتجنّب الكارثة الإنسانية الشاملة. هذه ليست معركة جيل واحد، بل معركة وجود، وإذا لم تُحسَب خطواتنا بدقّة، فقد ندفع غداً أضعاف الثمن الذي ندفعه اليوم.

* صحافي فلسطيني - غزة

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك