بغداد-بيروت-دمشق: النزعة الأميركانية لدى النخبة المعارضة [1/3]

حصل، عشية وأثناء وغداة الغزو الأميركي للعراق 19 آذار-9 نيسان 2003، ما يمكن تسميته «النزعة الأميركانية» لدى حركات سياسية وأيديولوجية ماركسية أو شيوعية عربية، تحوّلت لاحقاً إلى الليبرالية الجديدة (مثل: حركة اليسار الديموقراطي في لبنان، المنبثقة عن الحزب الشيوعي في تشرين أول 2004، مع مثقفين يساريين مستقلين انضموا إليها عند التأسيس مثل سمير قصير والياس خوري.
أو مثل حزب الشعب الديموقراطي السوري، المنبثق في نيسان 2005 عن الحزب الشيوعي-المكتب السياسي) أو لدى حركات سياسية (أو ساسة) راهنت تحت (أومع الاحتفاظ بـ) عباءتها الأيديولوجية الأصلية في إطار من المراهنة السياسية الصرفة (حزب الدعوة في العراق مثلاً، أو الإخوان المسلمون في سوريا منذ بيان 3 نيسان 2005، وليد جنبلاط) على الأميركي في أن «يحدث تغييرات داخلية في بلدها، بعد أن عجزت العوامل المحلية للتغيير عن ذلك»، وإن كانت مراهنة جنبلاط، التي بدأت غداة صدور القرار 1559 (2 أيلول 2004)، ذات طابع خاص من حيث أنها يمكن أن تندرج في إطار الارتداد على نظام، كان جنبلاط نفسه جزءاً رئيسياً منه في فترة ما بعد اتفاق الطائف في لبنان عام 1989، لتكون مواقفه الجديدة ضد هذا النظام في إطار مراهنة على «رياح» أميركية-فرنسية أحسّ أنها من القوة إذ يمكن أن تقتلع هذا النظام، ما دفعه إلى الاستدارة من أجل حجز مقعد له في مركبها.
منذ عام 2002، وقبيل أشهر من غزو العراق وعشية انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الشهر الأخير من ذلك العام، بدأت تظهر أطروحة أن المرجعية الوحيدة في تقييم مجمل سياسات المعارضات والسلطات «هي الديموقراطية» (أصلان عبد الكريم، وهو قيادي سابق في حزب العمل الشيوعي في سوريا، في جريدة «الرأي»، الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، العدد 14، تشرين الثاني 2002، ص19).
أدّى هذا إلى أطروحات حول «أولوية الديموقراطية ومفتاحيتها» في كل القضايا: الوطنية والاقتصادية-الاجتماعية، وأنها جميعاً مؤجلة إلى ما بعد تحقيق الديموقراطية أو مشروطة بها، مع سكوت أو تصريح بالقبول بأي حامل يأتي بالديموقراطية، بما فيه الخارج، انطلاقاً من أطروحة تقول إن «الديكتاتوريات قد قضت على العوامل الداخلية للتغيير»، وهو ما تلاقى مع أطروحات كان يقول بها بعض أيديولوجيي «المحافظين الجدد»، مثل ويليام كريستول، حول «صناعة الديموقراطية» في «الدول الفاشلة»، عبر مديح نزعة تدخّلية نجدها عند التروتسكي السابق كريستول، هو والكثير من المحافظين الجدد الذين أتوا مثله من نزعة تروتسكية، لتتحول «الثورة الدائمة» في نزعتهم اليمينية الجديدة نحو حمل «الديموقراطية» بدلاً من «الاشتراكية»، ولكن مع الحفاظ على طريقة التفكير نفسها.
بعد شهرين ونصف من 11 أيلول، قام نائب وزير الدفاع الأميركي بجمع «طاقم تفكير»، مؤلف من 12شخصاً، كان من بينهم المستشرق برنارد لويس والأكاديمي فؤاد عجمي وكاتب العمود الأسبوعي في مجلة «نيوزويك» فؤاد زكريا ومستشار وزير الدفاع ستيف هيربيتز
ثم، بدأ بعض المثقفين-الساسة العرب (جاد الكريم الجباعي، وهو قيادي سوري في حزب العمال الثوري العربي، في مقاله: «تهافت الدفاع عن العراق»، موقع «أخبار الشرق»- لندن، يصدر عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تحديث يوم 24 كانون الأول 2002) في طرح أطروحات قالت إن هناك ثنائية متضادة، في الواقع العربي المعاصر، متمثلة في أن «النظام الاستبدادي العربي وضع الشعوب العربية بين خيارين: إما قبول الاستبداد وإما الاستقواء بالخارج... الاستبداد كالاستعمار، كلاهما إهانة للكرامة الانسانية، بل إن الاستبداد أخطر من الاستعمار، لأنه يستقدم الاستعمار، أو ينتج القابلية للاستعمار والقابلية للاستقواء بالخارج على الداخل».
في فترة ما بعد غزو العراق (19 آذار - 9 نيسان 2003) ظهرت أطروحة «الصفر الاستعماري» وأن الأميركيين قد نقلوا العراق «من الناقص إلى الصفر» (رياض الترك: مقابلة مع جريدة «النهار»، 28 أيلول 2003)، ثم قامت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي بمدح «مبادرة الشراكة»، المتبنّاة قبل شهر في قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى، في رسالة داخلية بتموز 2004.
في تلك الفترة، ظهر بالترافق مع هذا أطروحات فكرية-سياسية (يمكن إيجاد ينابيعها في «مشروع الشرق الأوسط الكبير» الصادر عن الخارجية الأميركية في 13 شباط 2004 والذي تبنته مع تعديلات طفيفة قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في يوم 9 حزيران 2004 تحت عنوان «مبادرة شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الواسع وشمالي إفريقيا») تقول بـ«مكوِنات الشعب» و«الديموقراطية التوافقية» بين تلك «المكوِنات» (وهو ما ظهر في: عراق ما بعد 9 نيسان 2003 - قوى 14 آذار في لبنان – ائتلاف «إعلان دمشق»)، ما انعكس بالنتيجة في مواقف جديدة تجاه «العروبة» و«الوحدة العربية».
قاد هذا تلك القوى والشخصيات، التي اتجهت في هذا الاتجاه، إلى اصطفافات سياسية جديدة وإلى مواقف في أحداث مفصلية (حرب تموز 2006) كانت على تعاكس مع تاريخ سابق لها.
الولادة والتبلور والتمظهر: نيويورك 11 أيلول 2001 - بغداد 9 نيسان 2003
منذ 11 أيلول 2001، يوم ضَرْب برجي نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، بدأت تظهر معالم سياسة أميركية جديدة حيال المنطقة العربية، كانت مختلفة عن مجمل السياسات الأميركية، بدءاً من انخراط الولايات المتحدة في شؤون المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، حيث كانت تلك السياسات، منذ «مبدأ ترومان» (1947) و«مشروع أيزنهاور» (1957) وسياسات كيسنجر في السبعينيات وحتى نهاية عهد كلينتون، تتحالف وتتعامل مع الأنظمة والأوضاع العربية القائمة من أجل تحقيق الإستراتيجيات الأميركية في المنطقة.
بعد شهرين ونصف من 11 أيلول، قام نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز بجمع «طاقم تفكير»، مؤلف من 12شخصاً، كان من بينهم المستشرق برنارد لويس والأكاديمي فؤاد عجمي وكاتب العمود الأسبوعي في مجلة «نيوزويك» فؤاد زكريا ومستشار وزير الدفاع ستيف هيربيتز. في يوم الأحد 2 كانون الأول، أنهت تلك المجموعة مداولاتها بتقديم مذكرة تحت عنوان: «ديلتا الإرهاب» (استخدم مصطلح «ديلتا»، هنا، بمعنى فم النهر الذي يبدأ منه جريان المياه)، تم رفعها إلى الرئيس بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندوليسا رايس.
وقد كانت الخلاصة المركزة للمذكرة أن حدث 11 أيلول ليس «حدثاً يمكن فصله» عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط التي شُخِصت حالتها في المذكرة بأنها تحوي «malignancy» التي تعني معنيين في اللغة الإنكليزية: الطبيعة الشريرة، والورم الخبيث، وهو التعبير الذي كان «ذا وقع قوي على بوش»، فيما كان نائب الرئيس ديك تشيني «مسروراً بالمذكرة»، التي اعتبرتها رايس «مقنعة جداً»، والتي اعتبر هيربيتز في تلخيص لها كانطباع «بأننا نواجه الآن حرب الجيل الثاني، والتي نبدأ بها الآن من العراق» [1].
خلال عام 2002، بدأت واشنطن في ربط «الإرهاب بالديكتاتورية» كحاضنة بيئية، وفي ربطه أيضاً بـ«تفسير معين للإسلام»، قام بعض كتاب الأعمدة في الصحف الأميركية آنذاك بمحاولة إيجاد صلة له بالوهابية (انطلاقاً من أن 15 من أفراد عمليات 11 أيلول كانوا من الجنسية السعودية) فيما لم يشر المسؤولون الأميركان علناً (وبعضهم قام بذلك تلميحاً) إلى ذلك: حصلت آنذاك توترات معلنة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الرياض والقاهرة، بالتزامن مع الاستعدادات المعلنة أميركياً لغزو العراق، أوحت لكثير من العرب المعارضين، ليس فقط من العراقيين وإنما أيضاً من السوريين واللبنانيين (كانوا معادين للنفوذ السوري في لبنان)، بأن واشنطن تتجه إلى إزالة (أو على الأقل زعزعة) الأنظمة العربية القائمة.
على هذه الخلفية بدأ نشوء وتبلور النزعة الأميركانية عند ساسة ومثقفين عرب معارضين منذ عام 2002، والتي ترجمت فيها الرغبة في تغيير الأنظمة (العراق وسوريا)، أو الأوضاع القائمة (لبنان)، عبر السير مع «رياح غربية» رأى أصحاب تلك النزعة أنها تتجه نحو اقتلاع تلك الأنظمة والأوضاع.
وقد أخذت هذه المراهنات في التوزع على منحيين: مراهنة ذات طابع أيديولوجي- سياسي مركَب قادت (أو ترافقت، عند أصحابها) إلى تحول فكري وسياسي، وهو ما حصل عند ماركسيين أو شيوعيين، ومراهنة ذات طابع سياسي محض (حالة إسلاميين عراقيين وسوريين: «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» و«جماعة الإخوان المسلمين في سوريا»).
بدأت إرهاصات هذه النزعة عند القوى الرئيسية للمعارضة العراقية منذ بداية الصدام بين نظام صدام حسين وبين واشنطن إثر الغزو العراقي للكويت في يوم 2 آب 1990.
كان هذا استمراراً لتقليدٍ عند المعارضة العراقية، بكل فصائلها تقريباً، في وضع بيضها عند «خصوم وأعداء حاكم بغداد»، وهو ما رأيناه في المحاولة الانقلابية للعميد عبد الغني الراوي في الشهر الأول من عام 1970، وهي التي ضمت قوى تمتد من الملا البرزاني إلى السيد مهدي الحكيم (شقيق محمد باقر وعبد العزيز) وصولاً إلى رئيس الوزراء السابق عبد الرزاق النايف، حين تلقّت قوى الانقلاب المزمع القيام به ضد سلطة حزب البعث (قبل انكشاف محاولة الانقلاب وإفشالها) في بغداد، دعماً من شاه إيران [2].
وهو ما استمر في الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988 من قبل كثير من القوى العراقية المعارضة باتجاه طهران الخميني، ليس فقط «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» المعلن قيامه في طهران عام 1983 وحزب الدعوة والحزب الديموقراطي الكردستاني (مسعود البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني)، وإنما أيضاً الحزب الشيوعي الذي كان جسمه القيادي قبيل مؤتمره الرابع، المعقود في تشرين الثاني 1985 بقرية بالشمال كانت تحت السيطرة العسكرية المشتركة للإيرانيين ومسعود البرزاني، قد أظهر خلافات متمحورة حول الموقف من الحرب، ما أدى إلى إبعاد 28\43 من أعضاء ومرشحي اللجنة المركزية السابقة (المنتخبة في مؤتمر 1976) في ذلك المؤتمر، وغالبيتهم من العرب [3].
في فترة ما بعد غزو العراق ظهرت أطروحة «الصفر الاستعماري» وأن الأميركيين قد نقلوا العراق «من الناقص إلى الصفر» (رياض الترك)، ثم قامت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي بمدح «مبادرة الشراكة»، المتبنّاة قبل شهر في قمة الدول الثماني
يقول سعدي يوسف: «عندما بدأت الإدارة الأميركية في الإعداد الجدي لاحتلال العراق، بعد 1991، عمدت أول ما عمدت إلى شراء المثقفين اليساريين بخاصة، ولم تجد الإدارة أي صعوبة هنا بسبب ما ذكرته من هشاشة، بل إن عملية الشراء لم تكلفها كثيراً من المال: مئة وخمسون دولاراً فقط في الشهر للمثقف الواحد! (وهناك قصص تروى عن إضرابات تطالب بهذا المبلغ التافه إذا تأخر سداده...)» [4].
في عام 1992، دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع مسعود البرزاني وأحمد الجلبي، ولم يقل الحزب كلمة واحدة ضد الحصار الأميركي-الدولي المفروض على العراق [5].
وعملياً، عندما بدأت الاستعدادات الأميركية تظهر علناً لغزو العراق في عام 2002، فإنّ أحداً من المعارضة العراقية كلها لم يقل كلمةَ «لا للغزو»، وإنما كان موقف قسم منها هو «السكوت الإيجابي»، مثل حزب الدعوة والحزب الشيوعي والحزب الإسلامي (الفرع الإخواني العراقي).
أو التأييد، كما فعلت القوى التي شاركت في مؤتمر لندن الذي جرى في كانون أول 2002 تحت إشراف المسؤول الأميركي سلمان خليل زاده، مثل الحزب الديموقراطي الكردستاني (مسعود البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني) وتنظيم «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق« بقيادة آل الحكيم، و«حركة الوفاق» ذات التركيب السني-الشيعي بقيادة إياد علاوي.
في تلك الفترة، لم يدخل العراقيون في التنظير لهذه الحالة، إلا لماماً، كما فعل عامر عبد الله (القيادي الشيوعي التاريخي) الذي يتحدث الدكتور عبد الحسين شعبان عن مواقفه أثناء مجيئه للندن في أواسط التسعينيات «والمتعلقة بشأن تسفيه فكرة السيادة وتبرير القرارات الدولية... والتعويل على العامل الخارجي» [6]، فيما نرى تبريراً سياسياً لهذه النزعة في المراهنة (أو التعويل) وملاقاة العامل الخارجي عبر ممثلية «المجلس الأعلى» بلبنان التي أرسل مكتبها الإعلامي ببيروت لجريدة «السفير» (30 أيلول 2002) ردّاً على نقد كميل داغر للقاءات وفد المعارضة العراقية، ومنهم السيد عبد العزيز الحكيم، مع مسؤولي البنتاغون والخارجية الأميركية بواشنطن، والذي حوى الكلمات التالية: «عندما أكدت المعارضة العراقية في واشنطن أنها لا يمكن إلا أن تمارس دور الشريك في مهمة إسقاط النظام الديكتاتوري في بغداد فإن هذا لا يعني أنها مع غزو العراق واحتلاله من قبل القوات الأميركية... إن المعارضة العراقية حين تشتغل على دور الشريك فهي تعمل من أجل ألا تنفرد واشنطن بكامل الملف العراقي وبالتالي الانفراد بتقرير المستقبل ونظام الحكم وكل القضايا المتعلقة بمصير شعبنا. فهل أن الوقوف ضد الرغبة الأميركية في الاستيلاء على كامل الملف العراقي ومنع الاستفراد بالمشاركة (الشراكة) خطأ سياسي وأخلاقي وقومي قاتل؟... إن التدويل (المرعب) الذي أصبحت عليه القضية العراقية وتعقيداتها الداخلية والخارجية دفعتنا وتدفعنا باستمرار إلى التعاطي بمسؤولية وأمانة مع واقعياتها السياسية وأجوائها الراهنة. فإذا كانت تلك القضية بتعقيداتها المشار إليها هي اليوم على طاولة الرئيس بوش فهل نهرب من مواجهة هذه المسؤولية ونتوجه إلى حل قضيتنا وأزمتنا ومعاناة شعبنا إلى السودان وإريتريا» [7].
في دمشق، قدّم أصلان عبد الكريم (وهو قيادي سابق في حزب العمل الشيوعي في سوريا)، بشهر تشرين الثاني 2002، أطروحة جديدة تقول إن المرجعية «الوحيدة في تقييم مجمل سياسات المعارضات والسلطات هي الديموقراطية». وهو يقول، في الفترة الفاصلة بين لقاءات واشنطن للمعارضة العراقية وانعقاد مؤتمر لندن لعدد من فصائل المعارضة العراقية في 14- 15 كانون الأول 2002، والذي حضره المبعوث الأميركي سلمان خليل زاده، إن المعارضة العراقية «تستميت ضد نظام صدام وهي على حق في ذلك» [8].
أثناء مؤتمر لندن، قال جلال الطالباني: «لم نستطع التغيير بواسطة قوانا الذاتية. يجب أن نكون واقعيين ونقرّ بذلك. القضية تم تدويلها ولنا الحق بالمطالبة بدعم دولي ويجب ألا نخجل» [9]، وهو ما أكده البيان السياسي للمؤتمر عندما شدّد على «أهمية اغتنام الفرصة التي توافرت مجدداً أمام الشعب العراقي من خلال استثمار العامل الدولي لإسقاط النظام العراقي الفاشي» [10].
خلال عشرة أيام من انتهاء أعمال مؤتمر لندن، أعلن الماركسي السوري جاد الكريم الجباعي، وهو قيادي في حزب العمال الثوري العربي الذي أسسه ياسين الحافظ عام 1965 والعضو المؤسس في «التجمع الوطني الديموقراطي» بأحزابه اليسارية الماركسية والقومية العروبية، عن الآراء الجديدة التالية: «الوجه الآخر لإدانة العدوان كان منذ 1991 ولا يزال تبرير الاستبداد وتأييده ومناصرته، وليذهب الشعب العراقي وسائر الشعوب العربية الرازحة تحت نير الاستبداد إلى الجحيم، ما دام هناك بطل يدافع عن الأمة العربية ويعلي مجدها، بل مجده بين الأمم... ولم نسأل عن الأسباب التي دفعت نخبة من السياسيين العراقين إلى الاستقواء بالخارج... قد يقول قائل: إن هذا أقرب إلى موعظة أخلاقية، وقد يقول آخر: هذا تسويغ للعدوان الأميركي على العراق وللاستقواء بالخارج على الداخل، حسناً، ليقل كل امرئ ما يشاء» [11].
في شهر آذار 2003، الذي حصل فيه غزو العراق، ظهر أيضاً رأي جديد لماركسي سوري، هو ميشال كيلو: «نعم لشكل التدخل الدولي الذي قد يخلص الشعب العراقي من رجل دمر الدولة والمجتمع، نعم لمعايير ديموقراطية تضعها الأمم المتحدة وتفرضها على كل البلدان بلا استثناء، ونعم للجوء إلى كل وسائل الأمم المتحدة ضد هذا النظام» [12].
لم تتحول تلك الآراء، جميعاً، حتى يوم 19 آذار الذي بدأ فيه غزو العراق وصولاً إلى سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي يوم الأربعاء 9 نيسان 2003، إلى بلورة تيار فكري-سياسي، إلا أنها ظلّت، حتى ذلك اليوم المشهود، في صورة آراء سياسية لم تتقولب في بناء أيديولوجي، وإن كان يلاحظ على حامليها من الماركسيين العرب (بخلاف الحزب الشيوعي العراقي الذي ظل يحمل الصفة الماركسية-الشيوعية وهو يدخل «مجلس حكم» بريمر) بداية انتقالهم، بالترافق معها وعبرها، إلى الموقع الليبرالي في سياقاته الفكرية-السياسية من دون بلورة نظرية متسقة، فيما كانت هناك حالة عراقية خاصة تمثّلت في أن القوى والأحزاب العراقية لم تبدل رداءها الأيديولوجي أثناء أو بعد تعاونها مع واشنطن، وهو شيء حصل شيء مختلف له ولو نسبياً عند الماركسيين والشيوعيين السوريين المعارضين الذين راهنوا على المشروع الأميركي في فترة 2003-2006.
* كاتب سوري
هوامش
[1] BOB WOODWARD:"STATE OF DENIAL",pocket books,2007,an imprint of SIMON&SCHUSTER UK ltd,LONDON,2006,PP.83-85.
[2] سلسلة مقابلات مع عبد الغني الراوي أجراها غسان شربل ونشرت في جريدة «الحياة» بأربعة أجزاء في 7-8-9-10 تموز 2003 يروي فيها تفاصيل اجتماعات مع الشاه ورئيس المخابرات الإيرانية (السافاك) الجنرال نعمة الله نصيري لإقرار خطة الانقلاب، وهو أمر تؤكده سلسلة أوراق لعبد الرزاق النايف (اغتيل في لندن عام 1980) نشرها غسان شربل في «الحياة» (3-4-5-6 تشرين الثاني 2003).
[3] هناك أسماء المبعدين العشرين من الترشح، قبل انتخابات اللجنة المركزية الجارية في المؤتمر الرابع، ثم أسماء الثمانية الذين سقطوا في تلك الانتخابات، منشورة في كتاب صلاح الخرسان: «صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق»، دار الفرات، بيروت، ط 1، 1993، ص 200-202. لا يتحدث الخرسان، وهو مؤيد لقيادة الحزب الرسمية، عن أسباب الإبعاد والسقوط الانتخابي، وهو غير مسبوق بين مؤتمرين في تاريخ الأحزاب الشيوعية، إلا أن الدكتور عبد الحسين شعبان (في «الجوهر وجدلية الأمل والقنوط»، كلمة ألقيت في احتفالية الذكرى العاشرة لرحيل عامر عبدالله، المقامة بلندن يوم 15 أيار 2010. منشورة في موقع «الأفق الاشتراكي» بتحديث يوم 4 حزيران 2010: WWW.SOCIALISTHORIZON.NET) يقول شارحاً: «كانت قد نضجت وإن ببطء لدى العديد من الرفاق فكرة اعتراضات واحتجاجات بدأت تتسع، بصدد الموقف من الحرب العراقية-الإيرانية، وبخاصة عندما انتقلت إلى الأراضي العراقية [منذ أيار 1982]، وهو ما كنت أول المبشرين به، إضافة إلى سعدي يوسف ومهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وخالد السلام وفيما بعد باقر ابراهيم وحسين سلطان وعبد الوهاب طاهر وعدنان عباس وآخرين». يذكر الخرسان (ص 199) اسم القرية: زويكة، في محافظة أربيل (كان مقر قيادة حزب البرزاني في طهران آنذاك: عبد الحسين شعبان، «تعقيب على تعقيب باقر ابراهيم»، موقع «الحوار المتمدن»- لندن، تحديث يوم 18 حزيران 2007 www.rezgar.com).
[4] سعدي يوسف: «قرن أم نصف قرن؟»، جريدة «السفير»، 13 آب 2006.
[5] رفض المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي في عام 1993 اقتراح القيادي الشيوعي القديم زكي خيري بـ«تأييد رفع الحصار الاقتصادي دون قيد أو شرط» عن العراق: زكي خيري، «صدى السنين»، طبعة 1996، بدون مكان أو جهة طبع، ص 353.
[6] عبد الحسين شعبان: «الجوهر وجدلية الأمل والقنوط» [مصدر سابق]
[7] «هكذا نفهم الشراكة»، رداً على رد كميل داغر، من «ممثلية المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق - المكتب الإعلامي، بيروت»، «السفير»، 30 أيلول 2002.
[8] جريدة «الرأي» (ناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي)، العدد 14، تشرين ثاني 2002، ص 19.
[9] جريدة «السفير»، 16كانون الأول 2002.
[10] «السفير»، 16 كانون الأول 2002.
[11] جاد الكريم الجباعي: «تهافت الدفاع عن العراق»، موقع «أخبار الشرق»-لندن، تحديث يوم 24 كانون الأول 2002 (www.thisissyria.net).
في تلك الفترة كان الأستاذ الجباعي أيضاً من القياديين المؤسسين، منذ عام 2000، لـ«لجان احياء المجتمع المدني»، التي كانت في واجهة حراك المعارضة السورية، وضمّت العديد من المثقفين المستقلين ومن ذوي الانتماءات الحزبية اليسارية.
[12] منى نعيم: «مأزق المثقفين السوريين»، منشور في جريدة «اللوموند»، مترجم في جريدة «النور» (الحزب الشيوعي السوري بقيادة يوسف فيصل)، 12 آذار 2003.
