ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

فلسفة الحكم عند الشيعة الإمامية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 23 آب 2025
الخط

يضع كريستيان جامبيه، في كتابه «الحكم الإلهي: الإسلام والتصوّر السياسي للعالم»، فكرَ الملا صدرا الشيرازي (١٥٧١–١٦٤١) في قلب النقاش حول تلاقي الفلسفة واللاهوت والسياسة في العالم الإسلامي. فالملا صدرا، الذي ورث تقاليد فلسفية مشائية وإشراقية وصوفية، أعاد صياغة مفهوم الحكم الإلهي بحيث صار نظاماً كونياً–سياسياً، تتداخل فيه مراتب الوجود مع أنماط السلطة الروحية والدنيوية. ومن هنا، يصبح الحديث عن «الحاكمية الإلهية» عنده ليس مجرد جدل لاهوتي، بل يصبح تأسيساً لفلسفة سياسية ميتافيزيقية تعيد تعريف الدولة، الإمام، والمجتمع.

يرتكز مشروع الملا صدرا على نظرية أصالة الوجود، حيث يرى أنّ الوجود هو الحقيقة الأولى، والماهيات مجرد اعتبارات ذهنية. بهذا، تصبح سيادة الله تجلّياً فيضانياً للوجود ذاته: الله هو «الوجود المحض»، وكل ما عداه ظلال لهذا الوجود. فلا سلطة حقيقية إلا لله، وكل سلطة بشرية تستمدّ مشروعيتها من اتصالها بهذا الأصل. هذه الرؤية الأنطولوجية تلغي أي إمكانية لفصل السياسي عن الميتافيزيقي، وتؤسّس لفكرة أنّ الحكم البشري العادل لا يكون إلا انعكاساً للسيادة الإلهية المطلقة.

في النموذج الكوسموبوليتيكي، يعرض الملا صدرا تصوراً للسيادة يتجسّد في «العقل الأول» كأول فيض إلهي، الذي يتضمّن صور الكائنات وينظم الكون. يليه النفس الكلّية والملائكة وسائر الوسائط الروحية. بهذا، تصبح السلطة السياسية انعكاساً لترتيب كوني، حيث لا يعمل أي فاعل بشري أو طبيعي خارج هذا النسق. المعنى السياسي لهذا النموذج أنّ أي سلطة دنيوية غير منسجمة مع البنية الكونية تفقد شرعيتها. فالسياسة هنا ليست عقداً اجتماعياً، بل موقع في سلسلة الوجود الممتدّة من الله إلى الإنسان.

يرى الملا صدرا أنّ كل كائن «يسبّح بحمده» (الإسراء: ٤٤). وعليه، فإنّ الحكم ليس مجرد ممارسة قانونية، بل مشاركة في حركة كونية من العبادة. الطقس الديني يصبح أساساً للحكم السياسي، لأنّ الحاكم – إذا كان إماماً أو نبيّاً – ليس مجرد مسؤول دنيوي، بل جزء من نظام ليتورجي كوني. السيادة هنا ذات بعد شعائري: السلطة تشرعن نفسها عبر إدماج الإنسان في حركة تسبيح كونية، ما يحوّل الطاعة السياسية إلى طاعة عبودية.

من أهمّ أفكار الملا صدرا مفهوم «الإنسان الكامل»، الذي يجسّد الحكمة الإلهية في العالم. هذا الإنسان هو النبي أو الإمام، الذي يعمل كـ«قلب» للعالم–الإنسان الكبير. بالتالي، الزعامة السياسية ليست وظيفة إدارية، بل موقع أنطولوجي وروحي. الإمام وسيط بين الله والبشر، يجسد الحكم الإلهي في التاريخ، ويمثّل ضمانة انسجام العالمين المادي والروحي. بهذا، تصبح السياسة امتداداً للعرفان، والسلطة انعكاساً لدرجة الكمال الإنساني .

يولي الملا صدرا للقرآن دوراً مركزياً، معتبراً إياه «كتاباً وجودياً» أكثر من كونه كتاب تشريع. مستويات المعرفة الثلاثة – الشريعة، الفلسفة، والعرفان – تجعل من التفسير عملية فلسفية–روحية. فآية الكرسي مثلاً تتحوّل عنده إلى مانيفستو سياسي–ميتافيزيقي يصف كيف يحكم الله الكون عبر «الحياة» و«القيّومية». والتأويل هنا ليس مجرد ممارسة معرفية، بل فعل سياسي: الحاكم العادل هو مَن يفهم الباطن ويتجاوز الظاهر، فيحكم بالمعرفة لا بالقهر.

الأسماء الإلهية: البنية الرمزية للسلطة

في تأويله لحديث «خلق الأسماء الإلهية»، يرى الملا صدرا أنّ الأسماء ليست صفات لغوية، بل حقائق كونية سابقة على العالم. الكون بأسره انعكاس لهذه الأسماء: النور، الحكيم، المحيي… إلخ. أمّا الإنسان الكامل، فهو الجامع لهذه الأسماء، والنبي أو الإمام هو وحده من يحقّق هذا الجمع على أكمل وجه. بذلك، تصبح السياسة ترجمة لجدل الأسماء الإلهية، والسلطة انعكاساً للتوازن بين قوى الوجود .

العقل عند الملا صدرا ليس مجرد ملكة إنسانية، بل هو اللوغوس الإلهي الذي ينظّم الكون. العقل الأول هو أول فيض من الله، ومنه يتدرّج كل شيء. هذا يجعل الحكم الإلهي عقلانياً في جوهره، لا لأنه نتاج حساب بشري، بل لأنه قائم على عقل كوني سابق على التاريخ. السياسي الحقيقي هو من يتّصل بهذا العقل، أي الفيلسوف–النبي–الإمام، الذي يحكم لا بالقوة بل بالمعرفة النورانية .

النبي في فلسفة الملا صدرا ليس مجرد مبلّغ للوحي، بل هو فيلسوف ومرشد روحي وحاكم إلهي. والإمام هو الامتداد الطبيعي للنّبوة، حافظ الشريعة ومؤوّلها الباطني. السياسة هنا لا تنفصل عن الروحانية: الحكم يقوم على الحكمة والعرفان، والإمام هو «الإنسان الكامل» الذي يضمن استمرار النظام الكوني–السياسي.

في غياب الإمام، تصبح مسألة الحكم محلّ إشكال: هل يُفوّض إلى العلماء والحكماء بالنيابة، أم يُعلَّق في انتظار الظهور المهدوي؟
الحكم الإلهي عند الملا صدرا ليس قهراً، بل إشراق نوراني. الله هو «نور السماوات والأرض»، والسيادة تتحقّق عبر الفيض المستمر. كل سلطة سياسية لا تنسجم مع هذا الفيض تفتقد الشرعية. النور هنا هو المعيار: الحاكم العادل هو من يعكس النور الإلهي، والسياسة تتحوّل إلى فعل إشراق، حيث المعرفة والحكمة هما أداتا الحكم، لا القوة والعنف.

البعد السياسي: من اللاهوت إلى الدولة

ما يقدّمه الملا صدرا هو فلسفة حكم تختلف جذرياً عن النماذج الوضعية. الحكم البشري محدود بالزمان والمصالح، بينما الحكم الإلهي مطلق قائم على العدل والحكمة. بهذا، تصبح الدولة الشرعية هي التي تعكس النظام الكوني–الروحي، حيث الحاكم فيلسوف–عارف، يجمع بين العقل والشريعة والعرفان. هنا يلتقي المشروع الفلسفي مع اليوتوبيا السياسية: الدولة المثالية هي التي تحقّق الانسجام بين الدنيا والآخرة، بين الإنسان والله.

خاتمة

في قراءة جامبيه لفكر الملا صدرا، يتّضح أنّ الحكم الإلهي ليس مفهوماً لاهوتياً فحسب، بل هو نسق أنطولوجي–سياسي متكامل. السياسة ليست مجالاً مستقلّاً، بل امتداد لنظام كوني تتدرّج فيه الفيوض من الله إلى الإمام إلى المجتمع. بهذا، يصبح الحكم مرادفاً للمعرفة، والسلطة مرآة للوجود، والسياسة طريقاً نحو الله. هذه الفلسفة، رغم جذورها في القرن السابع عشر، تظلّ اليوم مدخلاً لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والدولة، بين الميتافيزيقا والسياسة، بين الإنسان والوجود.


* كاتب

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك