عندما يكون التعب ترفاً

«الإنهاك ليس مجرّد إحساس فردي، بل هو فعلٌ منسوجٌ في منظومة الإذلال اليومي، في آلاف الإهانات والإساءات التي تتراكم حتى يخضع الشخص أو يثور» ـــــــــ فرانز فانون، في كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» (1952)
«من جدّ وجد ومن زرع حصد» ــــــــ حكمة عربية قديمة
«نحنا تعبنا أستاذ مارسيل» ـــــــ «ميم» تلفزيوني لبناني يروّج للهزيمة والهوان
على المستوى الفردي، جسد الإنسان يتعب ويحتاج تعافيه إلى الراحة والنوم، وأحياناً إلى علاجات طبية وتدخلات جراحية. هذا واقعٌ علميٌ. على المستوى الجماعي يصبح مفهوم التعب فلسفيّاً قابلاً للتأويل.
لكن سواء أكان التعب فردياً أم جماعياً، مداواته تكون بفهم أسبابه وما إذا كان ناتجاً من فعل وإرادة أو عن فرض وإخضاع. فمثلاً، من السهل الترويج لمقولة إن «الشعب السوري تعب من الحرب ويريد السلام»، ولكن لماذا يترجم ذلك تسليماً لشرعٍ أسديٍّ واستسلاماً لأميركا و«إسرائيل»؟ ما الذي تعب منه «الشعب السوري» تحديداً وأين السلام المرجوّ؟
التعب في منطقتنا عابر للحدود وتراد منه ذريعة للخنوع من دمشق إلى بيروت، إلى بغداد و«المقهورة» حتى إشعار آخر، إلى غزة الأمل الباقي.
دائماً ما كان «الخلاص الفردي» سلاح اليمين للفتك في نخب اليسار، ومفاهيم التعب والراحة البورجوازية تلقى صدىً لدى نخب اليسار المتعبة والجاهزة لفتاوى الاستسلام. جديدنا اليوم، هو جهوزيةٌ لفتاوى «الاستسلام بداعي التعب» عند سوريّي وعرب السلطة عامةً لا تمتّ للشعوب بصلة.
التعب الجماعي موجود، ولكنه بدواعي أخرى تستدعي فتاوى غير. ميزة العمل الجماعي هو الجماعة وأنه عندما يتعب الفرد يفتح الآخر جبهة إسناد كاملة من أجله.
في التراث اللبناني الضيق، هناك عبارة «يشيل كتف». «يشيل كتف» تعني أن يتكاتف الجمع لرفع النعش بعد موت الفرد. لئلّا نكون مأساويين ونذر شؤم، لنقول يتكاتف الجمع لرفع الفرد بعد تعبه وقبل خنوعه وإبادته.
ميزة الكتف هو أنه عند الاتكال عليه لرفع وزن ما، فإنه يتّكل على معظم، إن لم يكن كل، عضلات الجسم. الأجدى أن يكون هناك «ميم لبناني» عن «شيل الكتف».
التعبُ العبثي والاستسلاميّ ترفٌ. من مزايا التعب في إطار العمل أنه يُنتج. ينتج فوائد معنوية على المدى القصير ويخلق وقائع ثورية طويلة المدى لمن له صبر وبصيرة ومدىً طويل.
ليس للساعين إلى مكاسب سريعة فهم حول مفهوم التعب، إذ هم التجسيد للفردية «اللا تعبية» بحلّتها الرأسمالية المتقدمة. وليس للتعب مكاسب بيننا اليوم. من يعوّل على التعب الجماعي هو المعوّل على استسلامٍ موهوم.
التعب حالة جسدية فردية. التعب لا تقوم قيامته جماعةً. التعب من الواقع لا يخلق خضوعاً لذلك الواقع بل يخلق ثورة ضده.
الشعب السوري لم يملّ ولم يكلّ من مقاومة الاحتلال والاستعمار بل ملّ وكلّ من الأسد ومستنسخه الشرعي. لم يمل ويكلّ ولم يتعب من الدولة ومؤسساتها ولا من إبادة أهل فلسطين وغزتها. تعب من الاقتتال والحصار والتجويع والإذلال.
وأسباب كل ما ورد سبب واحد. هو سببٌ واحدٌ متداخل بين الاستبداد والقمع والاستعمار، ولكنه لم يكن أبداً سبباً معادياً للتحرّر والدولة والتعايش والعمل والتعب نحو الصعود الجماعي المعافي للتعب الفردي. لم يكن يوماً التعب في مجتمعنا عبئاً فردياً، بل يمتاز تاريخ المجتمع في منطقتنا أنه مجتمع «يشيل كتف».
إن كان في منطقتنا «عيب»، فهو إهمال تعب الفرد عندما يطغى على الإنهاك الجمعي. التعب ليس حالة فردية، التعب هو نسيج منظومة إنهاك. إن كان في منطقتنا «عيب» اليوم في ظل الطغيان الإعلامي الاستعماري، فهو إهمال إنهاك الجمع على حساب الترويج لترف الفرد.
لن نملّ جماعيّاً، ولن نكلّ فرديّاً، ولن نتعب إذ التعب ليس ترفنا.
* كاتب من أسرة «الأخبار»
