إشكاليات قانونية في ورقة برّاك
بتاريخ 7 آب 2025 أقرّ مجلس الوزراء اللبناني ما يُعرف بـ«ورقة برّاك». في ما بعد، قال رئيس الجمهورية جوزف عون إنها ورقة «لبنانية» خضعت لتعديلات بما يراعي المصلحة اللبنانية أولاً. إلا أنّ الواقع يظهر تطابقاً شبه كامل بين كلتا الصيغتين، سواء لجهة تراتبية البنود أم لجهة المضمون.
فقد أضيفت إليها جملة لا تخلو من العيوب وهي: «علماً أنّ تطبيق جميع بنود هذه الورقة مرتبط بموافقة كل دولة من الدول المعنية بالالتزامات المتعلقة بها»؛ والمراد منها أنّ لبنان لن يطبق الالتزامات المترتبة على عاتقه في حال تنصّلت «الدول المعنية» من التزاماتها. وإذا كان لبنان يعترف رسمياً بالدولة السورية، فقد اعترف بموجب هذه العبارة، سواء عن قصد أو غير قصد، بالكيان الإسرائيلي كدولة!
استناداً إلى ما تقدّم، فإنّ الموافقة على مضمون الورقة من الأطراف المعنية أو إقرارها في مجلس الأمن يكسبها طابعًا قانونيًا ملزمًا ويدرجها في عداد الاتفاقات الدولية، ما يجعلها خاضعة لقواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. من جهة أخرى، كان يجب التعبير عن تعليق العمل بتنفيذ بنود الورقة من الجهة اللبنانية بصياغة أكثر صراحة وتشدداً كالقول مثلاً: «إنّ تطبيق جميع بنود هذه الورقة مشروط بتنفيذ...»، أو «يعلق العمل بتنفيذ مضمون الورقة إلى حين تنفيذ...».
وبالعودة إلى البنود الأحد عشر التي تمّ إقرارها، فإنّ البندين 3 و5 يثيران إشكاليات دستورية وسياسية لا ينبغي الاستهانة بها. فالبند الثالث نصّ صراحة على «إنهاء الوجود المسلح لكل الجهات غير الحكومية، بما فيها «حزب الله»، في الأراضي اللبنانية كافة...» وذلك انسجاماً مع البند الأول من الورقة القاضي بتطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية لا سيما القرار 1701 (2006) بما يحقّق حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.
فالورقة تتخذ، إذاً، من القرار 1701 سنداً قانونياً ينصّ على: وقف الأعمال العدائية، انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بواسطة الجيش وقوات «اليونيفيل».
وعليه، فإنّ الورقة تستمدّ شرعيتها الدولية من هذا القرار وتندرج ضمن آليات تنفيذه لتؤكد مبدأين جوهريين: الأول، مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها، إذ إن تثبيت وقف الأعمال العدائية يعكس التزامًا بمقتضيات المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. الثاني، مبدأ السيادة الذي يقضي بأن تكون الدولة صاحبة السلطة الوحيدة على أراضيها، وهو ما يترجم عبر الدعوة إلى حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة.
هذا التناقض بين مقتضيات السيادة الداخلية وحق المقاومة يجعل من الصعب التوفيق بين مضمون الورقة وحق المقاومة على مستوى القانون الدولي والمستوى الوطني
انسجاماً مع ما تقدّم، كان من الأجدى إقرار تراتبية مختلفة تنطلق من انسحاب القوات الإسرائيلية كخطوة أولى، ثم العمل على تحقيق السيادة اللبنانية بما يتوافق مع روحية اتفاق الطائف. غير أنّ التراتبية التي أقرّت تطرح إشكالية وجود سلاح «حزب الله»، فبينما تنص الورقة على حق الدولة في احتكار القوة المسلحة، يطرح الحزب نفسه كـ«مقاومة شرعية» ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يجد سندًا في مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال وفي اتفاق الطائف.
هذا التناقض بين مقتضيات السيادة الداخلية وحق المقاومة يجعل من الصعب التوفيق بين مضمون الورقة وحق المقاومة على مستوى القانون الدولي والمستوى الوطني. أمّا البند الخامس، فينص على «انسحاب إسرائيل من «النقاط الخمس» وتسوية قضايا الحدود والأسرى بالوسائل الديبلوماسية، عبر مفاوضات غير مباشرة».
وقد جاءت عبارة «قضايا الحدود» مبهمة إذ ليس من المعلوم ما إذا كان المقصود بها نزاعات متعلقة بالترسيم أو حالات التعدي الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، سواء تم ذلك في الماضي أم في المستقبل. أكثر من ذلك، فإنّ ربط التسوية لجهة الحدود والأسرى بـ«الوسائل الديبلوماسية» حصراً يعني إقفال الباب أمام أي نشاط عسكري مقاوم.
بالمحصلة، إنّ تفسير البند الخامس من الورقة على ضوء البند الثالث والأول منها يعني ضمناً أنّ الدولة اللبنانية ستكتفي من الآن فصاعداً بالوسائل الديبلوماسية في أيّ نزاع حدودي سواء أكان عسكرياً أم غير عسكري مع الكيان الإسرائيلي.
يُضاف إلى ذلك، أنّ من الإشكاليات التي يثيرها إقرار الورقة تلك المتعلقة بتوصيفها. فقد تضمنت التزامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل، ومع ذلك فهي لا ترقى إلى مستوى التطبيع السياسي أو الديبلوماسي لأنها من الناحية القانونية تدخل في إطار تنفيذ قرارات مجلس الأمن وحفظ السلم والأمن الدوليين كونها لا تتضمن اعترافًا متبادلًا، ولا إقامة علاقات ديبلوماسية واقتصادية.
أمّا من الناحية الدستورية، فمن المعلوم أن لبنان يرفض التطبيع قبل حل قضية فلسطين (المادة الأولى من مقدمة الدستور اللبناني). فالاتفاقات حول وقف الأعمال العدائية لا تعني بالضرورة اعترافًا ديبلوماسيًا متبادلًا أو إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع الطرف الآخر. لكن، القبول بالورقة من الحكومة اللبنانية يمهّد الأرضية للتطبيع كونها تشكّل تنازلاً عن حق المقاومة العسكرية ضد أي محتل! ما يُفهم سياسيًا على أنه خطوة باتجاه «تهدئة طويلة الأمد» تُمهّد لتسويات أوسع قد يكون اتفاق السلام إحداها.
أياً يكن الأمر، فإنّ إقرار الورقة بصيغتها الحالية يعكس جهدًا قانونيًا وسياسيًا لتطبيق مبادئ القانون الدولي العام على المستوى الواقعي، ولكنه يكشف، في الوقت نفسه، عن عدم فعالية القانون الدولي بمواجهة تعقيدات الواقع الإقليمي والداخلي المرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي وتأثيره على لبنان، خاصة أن الكيان الإسرائيلي قد وسّع نقاط الاحتلال لتتجاوز الثمانية. فهل سيبقى لبنان متمسكاً بورقة برّاك رغم رفض إسرائيل المسبق لها؟
* محمد دوغان - باحث في القانون الدولي
** أيمن رشيد بيضون - محامٍ في الاستئناف

