عبد الجواد صالح يلتصق أكثر بأرض فلسطين


«عندما كان رفع العلم الفلسطيني يُعلّم الفتية درساً حول الفرق بين الشجاعة والخوف، قرّر الشهيد ماهر عبد الجواد صالح وصديقه هشام حسن مصيطف خوض التجربة غضباً وتحدّياً، متسلليْن بدفاترهما المدرسية بين أحياء مدينة البيرة إلى جامع العين حيث رفعا العلم لأوّل مرة» ـــــــــ هشام مصيطف، كلمات من قاموسي الشخصي: ماهر والعلم، موقع «باب الواد»، 2020
غيّب الموت يوم السبت 23 آب المناضل والسياسي الفلسطيني المخضرم عبد الجواد صالح (1931 – 2025)، مُختتماً مسيرة نضالية وسياسية حافلة امتدّت لنحو قرن من الزمن، كان فيها أحد أبرز الرموز الوطنية التي لم تعرف المساومة.
جمع بين الفكر الثوري والالتصاق بالشعب والأرض. وُلد صالح في البيرة في الثالث من كانون الأول 1931. شغلَ عدة مناصب مهنية وفكرية في بداية حياته العملية؛ فعملَ أستاذاً في مدرسة القدس الثانوية التابعة لـ«الأونروا» عام 1955، ثم انتقل إلى ليبيا للعمل في دار المعلمين. كما امتدت مسيرته إلى مجال الصحافة، حيث عمل كاتباً في جريدة «الاتحاد» بين عامي 1957 و1962.
إلى أن انتقل إلى القاهرة لدراسة الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية، وهناك انغمس في العمل الحزبي مع حزب البعث العربي، وعارض الهيمنة الإمبريالية على الشعوب، ما شكّل اللبنة الأولى لوعيه السياسي المنظّم.
عقب عودته إلى فلسطين، انخرط في العمل الوطني، لتبدأ رحلته التي تُوّجت بانتخابه رئيساً لبلدية البيرة عام 1967 ثم مرة أخرى عام 1972. لم تكن رئاسته للمدينة مجرد إدارة خدماتية، بل قاد خلالها تجربةً فريدة في العمل التطوعي والتعاوني وأصبحت نموذجاً للمقاومة المدنية والتنظيم المجتمعي في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
في مجموعته الأرشيفية الخاصة المنشورة على موقع أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي، تُعرض، إلى جانب الصور المتنوعة، محاضر اجتماعاته مع الحاكم العسكري الإسرائيلي خلال ترؤّسه لبلدية البيرة. فبعد أن انتُخب عبد الجواد في الثاني من أيار 1972 رئيساً للبلدية، كان أول اجتماع مع الحاكم العسكري في الرابع عشر من الشهر ذاته. وهكذا تتالت الاجتماعات الموثّقة بخط اليد حتى إبعاده في 10 كانون الأول 1973.
خلال هذه الاجتماعات، عرض عبد الجواد صالح مطالب الناس وقضاياهم، من قضية الأراضي والبناء والعمل، والأسرى الفلسطينيين، وجوازات السفر ولمّ الشمل، والتربية والتعليم، وتراخيص المنشآت والمحالّ التجارية، والمواصلات العامة، وتعبيد الشوارع، ومساعدة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات منطقة البيرة.
وكانت لديه فكرة طموحة لنقل مخيم الأمعري إلى جبل الطويل للحفاظ على الأراضي من الاستيطان، لكنّ المشروع لم ينجح، وأقيمت مستوطنة «بسجوت» على أراضي هذا الجبل. كما كان له مشروع لتحويل الأراضي التي تُعرف اليوم بمستوطنة «بيت إيل» إلى أراض زراعية لفلّاحي محافظة رام الله والبيرة.
ولكنّ هذا النشاط النضالي، بالإضافة إلى التحاق نجله ماهر بمعسكرات الفدائيين في بيروت (حيث استشهد في 15 تموز 1974 في أحد معسكرات التدريب في تل الزعتر)، دفعا الحاكم العسكري لمعاقبته بقرار إبعاد.
ففي فجر العاشر من كانون الأول 1973، اقتحم الجنود منزله واختطفوه، ثم أُلقي في منطقة صحراوية على الحدود الفلسطينية-الأردنية القريبة من وادي عربة، هو ومجموعة من المناضلين عددهم ثمانية، وكان بينهم الطبيب وليد قمحاوي، والقائد الشيوعي عربي عواد، وجريس قواس رئيس بلدية جفنا، وثلاثة آخرون.
واصل عبد الجواد صالح نضاله من المنفى حيث توجّه إلى بيروت بعد شهر من الإبعاد وهناك أصبح عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وعضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت له إسهامات متعددة في القضايا المتعلقة بدعم النضال في الأرض المحتلة وكذلك عمل خطة لبناء ملاجئ داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان تحضيراً لأي عدوان صهيوني محتمل.
وفي عام 1981 انتقل إلى العاصمة الأردنية عمان، حيث أسّس «مركز القدس للدراسات الإنمائية» كدار نشر ومنصة فكرية يخدمان القضية الفلسطينية، وكان في انتقاله من بيروت إلى عمان رسالة احتجاج على حالة الترهل التي حلّت بمنظمة التحرير في بيروت قبل عام 1982.
مع عودته إلى أرض الوطن في نيسان 1993 بعد عشرين عاماً من الإبعاد، انخرط صالح مباشرةً في العمل الجماهيري والسياسي.
ففي أول انتخابات تشريعية فلسطينية (1996)، حقّق فوزاً ساحقاً بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني عن دائرة رام الله والبيرة، وبشكل مباشر طلب من ياسر عرفات أن يختص عمله في الأرض، فعُيّن أول وزير للزراعة في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية.
وكانت له مشاريع زراعية إنتاجية تستحق التقدير حيث استطاع تكريس ما يقارب مئة مليون دولار للمزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن هذه التجربة كانت قصيرة حيث قدّم استقالته عام 1998، في خطوةٍ رأى فيها تأكيداً على مبدئيته واستقلاليته ورفضه للفساد والمحسوبيات. واستكمل هذا المشروع بتوقيعه على «وثيقة العشرين» عام 1999، التي كانت أوّل بيان علني واسع ينتقد فساد السلطة الفلسطينية، وقد أطلق عليها هو وزملاؤه اسم «صرخة من أرض الوطن».
صدر له عدد من الكتب والمؤلّفات، منها: «المشكلات الذاتية لمؤسسات التعليم العالي في الضفة الغربية وقطاع غزة» (1982). «الاحتلال الإسرائيلي وأثره على المؤسسات الثقافية والتربوية في فلسطين المحتلة» (1985). «سياسة إسرائيل في المأسسة: الأوامر العسكرية الإسرائيلية» (أربعة أجزاء، 1986).
-
عبد الجواد صالح مصافحاً ياسر عرفات (أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)
«فلسطين: التدمير الجماعي للقرى الفلسطينية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني خلال مئة عام 1882-1982» (1987).
«الاحتلال والمخدّرات» - حول دور الاحتلال الإسرائيلي في نشر المخدّرات بين صفوف المواطنين العرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة» (1990). «سبل مواجهة الهجرة اليهودية» (1990). «حول مهمات المرحلة القادمة: أساليب الدعم الجماهيري للانتفاضة» (1990). «الاستيطان اليهودي أبعاده وعواقبه» (1992). «الزراعة الفلسطينية إلى أين؟» (1997).
تقول داليا حمايل، لـ«الأخبار»، إنّ جدّها، الذي عاش النكبة والنكسة واجتياح بيروت والانتفاضات، تفاعل منذ السابع من أكتوبر 2023 مع الأحداث كأنّه شاب.
فنزل إلى الشارع وشارك في الفعاليات، وكان مؤيداً للمقاومة بغضّ النظر عن الفصيل أو الحزب المقاوم. وواصل عمله في زراعة أرضه.
وبكثير من القهر والحزن، كان يحذّر من استمرار الإبادة الجماعية قائلاً: «إن مصير الضفة الغربية سيكون كمصير قطاع غزة، وإن الاستيطان خير دليل على ذلك».
أمّا الكاتب عبد الجواد حمايل، فقد كتب في نعي جدّه: «في الأشهر الأخيرة، وبينما كانت غزّة تصرخ في وجوهنا عن الخذلان، كان جدّي، بجسده المُنهك وصوته المبحوح، يردّد سؤاله الذي لا يفارقه: أين الأجيال الجديدة؟ وماذا تفعلون؟ سؤالٌ بدا كأنه يتجاوز اللحظة، يضع إصبعه على فراغٍ نخشاه جميعاً في لحظة لا تبدو أنها تنتهي وكابوس مستمر. ذهبتُ إليه قبل أيام، وجلسنا لساعات.
كان يضحك في وجهي كثيراً، ثم يغفو قليلاً على كرسيه المتحرّك، قبل أن يطلّ من شرفته التي يرى منها المستوطنة وبعض بقايا بيوت البيرة القديمة. وبين لحظة وأخرى، كان يعود إلى رواية غسّان عائد إلى حيفا، يقرأها كما لو كانت المرة الأولى، بتمهّل وتأمّل، في زمنٍ يبدو فيه كلّ شيء وكأنّه يؤول إلى نهاية ما».
برحيل عبد الجواد صالح، تفقد الساحة الفلسطينية أحد رموز الجيل الذي رأى في السياسة التزاماً أخلاقياً ووطنياً ورأى في الأرض مصدراً للمعرفة والنضال.
* باحث فلسطيني
