ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بغداد-بيروت-دمشق: النزعة الأميركانية لدى النخبة المعارضة [2/3]

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد سيد رصاص
محمد سيد رصاص
الإثنين 25 آب 2025
الخط


قبيل أربعين يوماً من بدء غزو العراق رسم وزير الخارجية الأميركي كولن باول «خريطة طريق» الغازي الجديد للمنطقة: «النجاح في العراق قد يعيد ترتيب هذه المنطقة جذرياً بطريقة إيجابية تخدم أكثر المصالح الأميركية» [13].

في اليوم التالي لإعلان الرئيس بوش على ظهر بارجة حربية أميركية أن «المهمة قد أُنجزت» في العراق، وصل الوزير باول إلى دمشق في يوم الجمعة 2 أيار 2003، وقد أعلن في المطار عند وصوله: «سأوضح للرئيس الأسد جلياً كيف تنظر الولايات المتحدة إلى تبدّل الوضع في المنطقة مع رحيل نظام صدام حسين».

وعند سؤاله عن عواقب تواجهها سوريا في حال عدم تجاوبها مع واشنطن، أجاب: «هذه قرارات سنتخذها بعد أن نرى الأداء وهل سيتغيرون أم لا» [14].

وعند عودة باول إلى واشنطن أوضح ما جرى في دمشق أكثر: «ما قلته للرئيس الأسد هو أننا سنراقب ونقيس الأداء خلال فترة من الزمن لنرى ما إذا كانت سوريا مستعدّة الآن للتحرك في اتجاه جديد في ضوء الظروف المتغيرة... لم تعد هناك أوهام في ذهنه (أي الرئيس الأسد) حول ما نتوقّعه من سوريا...» (وأضاف باول، في سلسلة مقابلات تلفزيونية في واشنطن، أنه أبلغ الرئيس السوري: تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها...الخيار لك» [15].

كان هذا تحوّلاً مفصلياً في العلاقات الأميركية-السورية لم يشهد له مثيل خلال الأعوام الثلاثين السابقة، حتى في أزمات 1982-1983 التي أعقبت اجتياح لبنان بين البلدين، وكان من الواضح في هذا التحول الآتي من طرف واشنطن أنها تريد تدفيع دمشق، الرافضة لغزو واحتلال العراق، أول فاتورة إقليمية كثمن للمتغيّرات الجديدة الناتجة من سقوط بغداد وتحول الولايات المتحدة إلى «قوة إقليمية مباشرة» في المنطقة: قيل آنذاك، في العالم الشفوي للسياسة السورية، إن باول قد قدّم ثلاثة وثلاثين مطلباً، كان من بينها ما يتعلّق بالوضع الداخلي السوري، إلا أن ما طفا على السطح الإعلامي الأميركي، وعند الرسميين الأميركيين، كان ثلاثة مطالب تتعلّق بالعراق وفلسطين ولبنان (من دون أن تصل الأمور آنذاك إلى المطالبة بانسحاب سوري، وإنما التركيز على وقف تزويد حزب الله بالسلاح) [16].

تلازم المسارات بين بيروت ودمشق [9 نيسان 2003- 14 آذار 2005]

لم تحصل ترجمات فورية لهذا التحوّل المفصلي بين دمشق وواشنطن في عالم المعارضة السورية المكتوب والشفوي، وإن كانت الأجواء المعارضة قد تولّد فيها انطباع غالب بأنه يمكن استئناف الحراك المعارض، الذي أصيب بالجمود بعد اعتقالات أيلول 2001، ومن ثم انتزاع تنازلات من النظام.

وقد أتت «عريضة الـ287» الموجّهة للرئيس السوري بالبريد المسجّل يوم 17 أيار (منشورة في «السفير»، 3 حزيران 2003) لكي تسبر الأجواء عند النظام عبر الضرب على الوتر الحساس عندما دعت إلى «الإصلاح الوطني الشامل...بعد أن أدّى احتلال العراق إلى تبديل المعطيات الاستراتيجية المحيطة بوطننا سوريا، ووضعها بين عدويْن يمتلكان قوة لم يسبق لها أن اجتمعت ضده» ـــــــ اجتمعت في تلك العريضة أسماء كانت ستفترق في السنتين اللاحقتين حول (الموضوع الأميركي)، في الضد والمع.

كان رياض الترك من أكبر الغائبين عن تلك العريضة، وقد رفض التوقيع عليها لأنه كان يعتقد بأن النظام لن يتجاوب، وإن كان ترك الحرّية لقلة من أعضاء الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي أن يوقّعوا عليها (وفقاً لشهادة كاتب هذه السطور، الذي كان مقرّباً من الأستاذ الترك، حيث جرى نقاش للكاتب معه، في بيت الترك بحمص في 30 نيسان 2003، حول الموقف من العريضة، المُقترحة أثناء اجتماع تمّ في دمشق كان الترك عائداً منه، ناقش فيه طيف واسع من المعارضين فكرة العريضة والتحرك المقبل).

في بيروت، حصلت ترجمة فورية مكتوبة لهذا التبدّل الأميركي-السوري عند معارضين لبنانيين للوجود السوري في لبنان. بعد أسبوع من زيارة باول لدمشق كتب سمير قصير الكلمات التالية: «في ماضٍ ليس ببعيد، أشهر فحسب أو حتى أسابيع، كان التفكير في احتمال انتهاء الهيمنة السورية (على لبنان) يُعدّ ضرباً من الوهم.

اليوم أضحى الاعتقاد أن هذه الهيمنة ستظل قائمة إلى ما لا نهاية وهماً بدوره. ليس لأن باول ورايس وساترفيلد...لوّحوا ويلوحون بضرورة الانسحاب السوري، فهذا الموضوع ليس على رأس الأولويات الأميركية حتى الآن، بل لأن التأقلم الذي نصح به باول الحكم السوري، بما يعنيه من استجابة للتطلعات الأميركية، يفضي إلى تعديل جوهري في سياسته، وصولاً إلى حد تغيير النظام القائم جلده سعياً للديمومة. وسواء غيّر النظام السوري جلده أم لم يغيّر فإن قدرته على الاحتفاظ بغنيمته اللبنانية الموروثة صارت موضع شك في ظل انقلاب استراتيجي يضيره تمدّد أي قوة إقليمية خارج حدودها» [17].

بالتوازي، من الممكن القول إن الموضوع الرئيسي، الذي شغل أوساط المعارضة السورية في صيف 2003، كان «الموضوع الأميركي» وليس «موضوع النظام» كما كان في السابق.

افتتح الدكتور برهان غليون النقاش المكتوب مبكراً في يوم 26 أيار 2003: «الوضع الهش والقلق للمعارضة التي لا تستند لا إلى وظيفة بنيوية في النظام ولا إلى قاعدة اجتماعية ثابتة هو الذي يفسر ضعف المعارضة...ويفسر المأزق الذي تجد نفسها فيه وتناقض اختياراتها أو الإحراجات التي تجد نفسها حبيستها في الاختيار بين الاستبداد والاستعمار، فهي إما أن تقبل بأن تظل هامشية ومهمّشة لا وزن و لا مكان ولا قيمة لها أو أن تتعامل مع قوى أصلية وفاعلة أو ماسكة داخلية أو خارجية» [18].

مع الإشارة إلى أن الدكتور غليون، في تلخيصه الدقيق لوضع الكثيرين من المعارضين السوريين الذين كانوا يراهنون على «التيار الإصلاحي في العهد الجديد للرئيس بشار الأسد» في فترة 2000-2002 (ثم انتقل الكثير منهم للمراهنة على «العامل الأميركي»)، يحاول في هذا المقال حشر المعارضين السوريين بين خيارَي «الاستبداد» و«الاستعمار»، من دون القبول بوجود خيار ثالث، وبالتأكيد فإن هذا لا ينبع عنده من «العلمية الصارمة» وإنما من غايات سياسية كان يضمرها آنذاك، قبل أن يصدر حكماً قاطعاً في 2 تشرين الأول 2003، وفي موقع «أخبار الشرق» أيضاً، بأن «النظام السوري، مثله مثل جميع الأنظمة الشمولية التي عرفتها الكرة الأرضية خلال القرن العشرين، قد فقد جميع شروط بقائه التاريخية وفي مقدّمها ظروف الاستقطاب الدولي... وهو اليوم في طريق مسدود دائماً» [19].

وقد كان غليون في تلك الفترة يمارس نفوذاً متعاظماً على رياض الترك، الذي قال قبيل أيام من جولة خارجية في القارتين الأوروبية والأميركية استغرقت شهرين، إنه عبر احتلال الولايات المتحدة للعراق «أزاحوا نظاماً كريهاً ونقل الأميركيون المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر» [20].

وقد عاد الترك من تلك الرحلة ليقول إن «هناك رياحاً غربية ستهبّ على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي مناسب» (في حديث شفوي مع كاتب هذه السطور، حمص 7 كانون الأول 2003، وقد كان واضحاً، عبر التفاصيل المرويّة عن الرحلة، أن الاستنتاجات السياسية عند رياض الترك بقرب سقوط النظام السوري قد كانت حصيلة للقاء جرى له في الولايات المتحدة مع مسؤولين أميركيين، بعد أن تمّ تأمين عبور سرّي له للولايات المتحدة عبر الحدود الكندية).

خلال أيام من عودة الترك لاحظ كثيرون مدى الانقلاب الكبير الحاصل عنده بالقياس إلى ما كان عليه عندما غادر مطار دمشق قبل شهرين، ولو أن تلك «الكلمة القنبلة» التي أطلقها قبل مغادرته بأيام حول «الصفر الاستعماري» كانت تشي بتحولات كبيرة عنده، إلا أن الكثيرين لم يتوقعوا أن تقود آراؤه حول «الأميركيين» و«العراق» إلى تحولات أيديولوجية عنده، الأمر الذي حصل في نهاية شهر كانون الأول 2003 عندما وافق على «مشروع موضوعات» للمؤتمر القادم للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي كانت تقول بتغيير اسم الحزب وبالتخلي عن الماركسية، وهما أمران كان الأستاذ الترك يرفضهما في الصيف السابق.

بعد خمسة أشهر من زيارة باول لدمشق انتقلت واشنطن إلى خطوة تصعيدية جديدة مع سوريا: موافقة مجلس النواب الأميركي على قانون «محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية» في يوم 15 تشرين الأول 2003 (وافق مجلس الشيوخ على القانون يوم 11 تشرين الثاني، وفي يوم 11 أيار 2004 تمّ تحويله بمرسوم من الرئيس بوش إلى قرار تنفيذي). كان مشروع القانون قد قدّم للكونغرس بمجلسيه في الأسبوع الذي جرت فيه الغارة الإسرائيلية على منطقة عين الصاحب قرب دمشق في يوم 3 تشرين الأول، والتي اعتبرت تطوراً نوعياً عسكرياً خلال تسع وعشرين سنة من عمر اتفاقية فكّ الاشتباك السورية-الإسرائيلية في 31 أيار 1974 من حيث امتداد الاشتباك العسكري الإسرائيلي-السوري لأول مرة نحو الأراضي السورية فيما كان طوال تلك الفترة قد اقتصر على الأراضي اللبنانية في شهر حزيران 1982. وقد كان الغطاء الأميركي للغارة الإسرائيلية واضحاً.

في الفترة الفاصلة بين موافقتَيْ مجلس النواب والشيوخ على مشروع قانون «محاسبة سوريا» ألقى الرئيس بوش يوم 6 تشرين الثاني خطاباً أعلن فيه «استراتيجية تسعى لنشر الديمقراطية»، معتبراً أن «إقامة عراق حر في قلب الشرق الأوسط ستكون حدثاً مفصلياً في الثورة الديمقراطية العالمية» وأنه «سوف تنجح الديمقراطية العراقية، وهذا النجاح سوف ينشر الأخبار من دمشق إلى طهران أن الحرية يمكن أن تكون مستقبل كل دولة». ثم يضيف إشارة دالة على مدى كون دمشق هي التالية في جدول الأعمال الأميركي، من خلال توحيده لنظامَي «البعث» في بغداد ودمشق: «الطغاة في العراق وسوريا وعدوا باستعادة الكرامة الوطنية والعودة إلى أمجاد الماضي، ولكنهم خلّفوا وراءهم تركة من التعذيب والبؤس والخراب» [21].

إلا أن بوش، هو والرئيس الفرنسي شيراك المتصالح حديثاً مع الرئيس الأميركي في لقاء النورماندي في 6 حزيران 2004 بعد خصامهما حول حرب العراق، قد اختارا بيروت ميداناً لمواجهة النظام السوري بدلاً من دمشق، ربما لاعتبار بيروت «كعب أخيل»، أو كما شرح فنسان نوزي صاحب كتاب «في سر الرؤساء»، في برنامج «الملف» مع قناة «الجزيرة» (الجمعة 26 تشرين الثاني 2010)، بأن شيراك كان يعتقد بأن خروج السوريين من بيروت سيؤدي إلى سقوط النظام في دمشق. ولا يعرف إن كانت مجاراة بوش له آنذاك كان لها نفس الهدف من العمل الأميركي-الفرنسي المشترك ضد دمشق الذي بدأ منذ خريف عام 2003، حتى وصوله إلى لحظة ذروة كان تجسيدها في صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في يوم 2 أيلول 2004، وما دشّنه هذا القرار ببنديه [(1) مطالبة جميع القوات الأجنبية الباقية بالانسحاب من لبنان، (2) حل ونزع أسلحة كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية] من مناخات أعلنت بدء المواجهة الأميركية-الفرنسية مع دمشق في بلاد الأرز، مما كان بداية لاضطراب لبناني داخلي عميق.

في مرحلة ما بعد القرار 1559، والذي ردّت عليه سوريا في اليوم التالي بدفع مجلس النواب اللبناني للتمديد للرئيس لحود لضمان تحصين وضعها اللبناني أمام «الرياح الغربية»، كان هناك لبنانيون معارضون وجّهوا أشرعتهم لتسير وفق تلك الرياح.

كان من أبرز هؤلاء وليد جنبلاط الذي عارض التمديد، وكان هذا عنده منطلقاً لانقلاب في المواقف على موقعه في «نظام الطائف» (السوري-اللبناني المشترك)، القائم منذ عام 1990. كانت أول ترجمة لانزياحات جنبلاط في «لقاء البريستول 1» الذي جمعه في يوم 22 أيلول 2004 مع «لقاء قرنة شهوان» الذي ضم المعارضة المسيحية منذ 2001، مع أنه ظل يؤكد جمع معارضته للتمديد مع رفض «البنود التي وردت في القرار 1559» [22].

إلا أنه، وفي الطريق إلى التحوّل الذي تُرجم في انزياحات جنبلاطية كبرى في «لقاء البريستول 3» يوم 2 شباط 2005، كانت هناك محطات جنبلاطية عبّدت الطريق، منها الذهاب إلى منزل سمير جعجع في 29 كانون الأول واعتبار انتخابات العراق يوم 30 كانون الثاني 2005 «عنصر إلهام».

في «البريستول 3»، الذي حضره ممثلان عن «تيار المستقبل» بزعامة رفيق الحريري لأول مرة هما النائبان غطاس خوري وأحمد فتفت، كان هناك تصعيد في مطالب المعارضة اللبنانية نحو «الانسحاب الكامل للجيش السوري» بدلاً من «إعادة التموضع» ومساواة بين القرار 1559 والشرعية الدولية عندما ذكر البيان الصادر «الأزمة الخطيرة التي نشبت بين السلطة اللبنانية والشرعية الدولية بعد صدور القرار 1559» (جريدة «المستقبل»، 3 شباط 2005).

ونشرت مجلة «بوليتيك إنترناسيونال» الفرنسية في يوم 8 شباط نصاً لمقابلة مع جنبلاط بدأ فيه بالتصريح عن تعويله على القرار 1559: «بعض أوجه القرار 1559 تذهب في اتجاه لبنان المستقل والديمقراطي والسيد، وأنا لا أخفي عليكم أنّي مستعدّ للاستفادة من هذا التطور، ولكي أقول الأمر وبوضوح أكثر، فبرغم أن القرار لا يتفق مع بعض نقاط اتفاق الطائف والذي أؤيده تماماً، إلا أنّي لا أرفض كامل هذا القرار» [23].

في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في يوم 14 شباط 2005، حشدت قوى المعارضة اللبنانية، القديمة والمستجدّة، قواها في تظاهرة 14 آذار 2005، وقد سار المسار اللبناني في مناحٍ (مع انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان ثم انتصار «قوى 14 آذار» في انتخابات برلمان حزيران 2005 بأغلبية المقاعد ولو عبر مركب «التحالف الرباعي»: تيار المستقبل، الحزب التقدمي، حزب الله وحركة أمل) قادت إلى انقلاب المشهد اللبناني الذي كان قائماً منذ 13 تشرين الأول 1990، عندما أزيح العماد ميشال عون وحكومته العسكرية من قصر بعبدا عبر قوات سورية ومن ثم بدأ تطبيق اتفاق الطائف.

ولكن، لم تكن تأثيرات «القرار 1559» مقتصرة على لبنان، وإن كانت تداعياته تركّزت هناك لتشرع الساحة اللبنانية في الانقسام ضمن محورين محليين على وقع مجابهة المحور الأميركي–الفرنسي لدمشق في بلاد الأرز، حيث بدأت تأثيرات تلك المجابهة في الانعكاس على بعض أوساط المعارضة السورية، التي شرع بعض كتّابها في طرح تُشتمّ منه رائحة التدويل لقضية المعارضات العربية، مثل الدكتور برهان غليون في مقال تحت عنوان: «أي منهج لمواجهة أزمة الشرق الأوسط؟»، في يوم 5 كانون الأول 2004، يستهلّه بالتالي: «يطرح العنف المتفجّر في الشرق الأوسط على الدول الصناعية الكبرى، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، قضية التطور في العالم العربي ومستقبل التحولات السياسية والاقتصادية فيه، ولا ينكر أحد من المسؤولين الكبار عن بنية النظام العالمي الراهن أن السبب الرئيسي لهذا العنف المتزايد هو ما ساد في العقود الماضية من سياسات وطنية وإقليمية قادت المنطقة بشكل متسارع إلى أزمة عميقة أصبح من المتعذّر على أبنائها وحدهم تأمين وسائل الخروج منها...».

ليخلص من ذلك إلى الاستنتاج التالي: «ليس من الممكن في العالم العربي فصل العوامل الداخلية وسياسات النخب المحلية عن استراتيجيات الدول الكبرى... وليس هناك أي أمل في التغيير في هذه المنطقة دون التقاء مصالح القوى الخارجية المهيمنة على النظم والنخب الحاكمة المحلية ومصالح الجمهور الواسع الذي يحتاج إلى التغيير ويتطلع إليه بفارغ الصبر».

ثم يقترح الحل التالي: «إن الخروج من الأزمة... سيكون مستحيلاً إذا تُرك الأمر للنخب المحلية الحاكمة... وبالتالي من دون دفع بل من دون مبادرة دولية حكيمة قادرة على فرض الحوار الداخلي على النخب القائمة... في سبيل التقريب بين وجهات نظر الحكومات والمعارضة... ومن الممكن أن تأتي هذه المبادرة التي لا بدّ منها في أي مواجهة جدية وناجعة لأزمة الشرق الأوسط في شكل مؤتمر دولي يوضع تحت إشراف الأمم المتحدة تشارك فيه جميع الأطراف الدولية والإقليمية وممثلون عن المجتمعات المدنية وأصحاب الرأي والمسؤولون السياسيون في الحكم والمعارضة يكون إطاراً للنقاش والمفاوضات الجماعية حول جميع المسائل العالقة ويهدف إلى وضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها» [24].

الهوامش

[13] «السفير»، 7 شباط 2003
[14] «السفير»، 3 أيار 2003
[15] «السفير»، 5 أيار 2003
[16] «الحياة»، 4 أيار 2003
[17] سمير قصير: «كيف تنسحب سوريا»، «النهار»، 9 أيار 2003
[18] برهان غليون: «المعارضة العربية بين الوطنية والديمقراطية»، موقع «أخبار الشرق»، لندن، 26 أيار 2003
[19] في مقال تحت عنوان «الإصلاح مجرد سوء تفاهم»: في هذا الصدد، هل من المشروع، هنا، التساؤل عن سبب تزامن تحولات الدكتور غليون، القريب من دوائر فرنسية عديدة، مع تحولات الرئيس شيراك، بعد قليل من انتهاء حرب العراق التي كان معارضاً لها، وسعيه منذ خريف 2003 مع الأميركيين لإقناعهم بالإطاحة بالنظام السوري، كما يكشف كتاب فنسان نوزي «في سر الرؤساء»، الصادر بباريس عام 2010، وهو -أي الدكتور غليون- بالمناسبة عاد وغيّر رأيه في عام 2007 مع تغيّرات ساركوزي تجاه دمشق؟
[20] موقع «الرأي»، 29 أيلول 2003، في حوار أجراه حكم البابا مع رياض الترك، تم نشره في «النهار» يوم 28 أيلول 2003.
[21] «السفير»، 7 تشرين الثاني 2003.
[22] حديث لـ«راديو سوا» نشرت «السفير» مقاطع منه في عدد 14 كانون الأول 2004.
[23] توجد ترجمة لها في «السفير»، يوم 9 شباط 2005.
[24] برهان غليون: «أي منهج لمواجهة أزمة الشرق الأوسط؟»، موقع «الرأي»، تحديث يوم 5 كانون الأول 2004.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك