من السفارة الصينية إلى الجامعة الأميركية: تظاهرة إعادة تنظيم الإنتاج المعرفي

محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 27 آب 2025
الخط

في الوقت الذي تَدعم فيه الولايات المتحدة، على اختلاف إداراتها المتعاقبة، جزيرةَ تايوان بألوان الدعم العسكري والتكنولوجي، ماذا قَدّمت الصين لجزيرة كوبا التي تَمتلك أيضاً موقعاً استراتيجياً إزاء الولايات المتحدة شبيهاً بموقع تايوان من الصين؟ لا شيء يُذكَر بالمقارنة.
مما لا شك فيه أنه بإمكان الصين تحويل كوبا إلى جنة تكنولوجية تصبح بمثابة القاعدة الإعلامية المتقدّمة للصين، خصوصاً أن الملف الكوبي هو ملف داخلي في الولايات المتحدة، ومن نافل القول أن كوبا تعاني من نقص حادّ في كل شيء تقريباً نتيجة الحصار الأميركي التاريخي عليها.

من كوبا إلى فنزويلا إلى إيران ولبنان، كان الحلفاء المفترَضون للصين يَشعرون دائماً أنهم لا يَفهمون ماذا تريد الصين ولا الصين نفسها تُبدي أي اهتمام بشرْح ما تريده. حيث تُفرَض عقوبات أميركية تَهرب الاستثمارات الصينية: هل هناك أجمل من هذه المعادلة الدولية؟ أن تهاجمك الإمبراطورية الأميركية بسُعارها الإبادي وتتهرّب منك الإمبراطورية الصينية لأن هناك عقوبات أميركية عليك.

منذ عدة سنوات عَوّل محور المقاومة في لبنان على الصين اقتصادياً في موضوع «الاتجاه شرقاً»؛ حسناً لم تكن المقاربة ناضجة، لكن هل تعنّت الصين لنصْح حلفائها بالخطوات الأفضل لجذب استثمارات شركاتها إلى لبنان؟ علماً أن النسبة الكبرى من الشركات في الصين مملوكة كلياً أو جزئياً من الدولة.

كنّا في كلٍّ من هذه الدول «الحليفة» نُترَك في وسط الطريق حائرين، حيناً تتحدّث الصين عن مواجهة النفوذ الأميركي وحيناً عن أن الأولوية لديها هي الأرباح، وبطبيعة الحال فإن الاستثمار في الدول الخاضعة لعقوبات أميركية ليس مربحاً في هذه الحالة. ما هي الخطة الصينية لتحقيق الاثنين معاً؟ هل هناك مَنْ يَعرف الإجابة؟ من الوهم الاعتقاد أن الصين نفسها تَمتلك مشروعاً، ولو سرّياً أو غير مكتمل أو لم يَبدأ تنفيذه، للتكامل بين الأولويتَين.

أحد تفسيرات غياب الصينيين عن الاستثمار لدينا (كون الحكومة الصينية غير معنية بتفسير شيء) هي أن هناك «فساداً» في بلادنا، وإنْ صحّ هذا التفسير فهو دليل إضافي على عقم الفكر السياسي الصيني. مقولة «الفساد» هي أحد أشكال التفكير بالاقتصاد خارج الاقتصاد السياسي؛ بدلاً من استكشاف بُنى المراكمة والتوزيع الخاصة بكل دولة يصبح لدينا هيرارشي أخلاقوية إمبريالية: ديناميات المراكمة لدينا قانونية، دينامياتكم غير قانونية-فاسدة.

طبعاً، التضخّم المتسارع لرواتب المديرين في الولايات المتحدة ليس فساداً، هي آليات السوق الطبيعي. قسم البزنس في الجامعة الأميركية هو الذي يُسبِغ الطابع البديهي على رواتب المديرين (وبخلاف قسم الاقتصاد، فإن قسم البزنس لا يجد في هوة اللامساواة في الولايات المتحدة إشكالية أصلاً يمكن أن تَصلح لبحث ما).

ليست لدى الصين سياسة خارجية، ونحن نَدفع أثماناً باهظة لهذا العمى (أثمان إبادية كما هو واضح). مثال ذلك، «حملة المصالحات» غير مفهومة المعنى التي تبنّتْها الصين (وهي حملة تَنطوي على فهم عشائري لمنطقتنا بدل المقاربة التاريخية الاقتصادية، فحين لا تَستثمر في العلوم الإنسانية هذا هو نوع التحليل الذي ستصل إليه وزارة الخارجية)، أولاً بين إيران والسعودية (السعودية تَخوض أقذر حروب واشنطن ضد إيران وحلفائها في المنطقة، لكنّ موظف الخارجية الصيني يَرفع تقارير إلى الرئاسة تتحدّث عن أهمية الإنجاز الاستراتيجي)، ولاحقاً بين حركتَي «فتح» و«حماس» (خطوة لا قيمة ولا معنى لها، لا تقدّم ولا تؤخّر، كما هي عادة الدبلوماسية الصينية، تصالحوا كي تكونوا أكثر أناقة حين تُبادون، هناك فراغ هائل في قلب الفكر السياسي الصيني).

«حملة المصالحات» التي تَبحث عن معنى سياسي واستراتيجي (على طريقة التكنولوجيا التي تُوضَع أولاً ثم يُبحَث عن مشكلة تحلّها) هي مكمّل لـ«مبادرة الحزام والطريق»: الهدف من كلتيهما هو أن يكون بديل الصين عن امتلاك سياسة خارجية، بديلاً يَعمل «كأنه سياسة خارجية»؛ «مبادرة الحزام والطريق» كمشروع لربط العالم تجارياً، لأنه حالياً ليست هناك شبكة طرق تجارة عالمية.

إذا كان الهدف هو الالتفاف على طرق التجارة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، فما معنى افتتاح أكبر المرافئ الصينية في البيرو (مرفأ تشانكاي) وليس في نيكارغوا مثلاً؟ كما في حالة باناما حيث فُسخت العقود مع الشركات الصينية، في أي لحظة قد تَطلب واشنطن ذلك من الرئيسة البيروفية الانقلابية ديانا بولوارتي التي لن تتردّد في الانصياع (بَدأت تقارير أميركية تقول إن للمرفأ أهدافاً عسكرية).

«مبادرة الحزام والطريق» هي مسعى الصين لإنقاذ ما تبقّى من «السوق» بحسب مفهومه النيوليبرالي غير قادرة على تجاوز هذا المفهوم، لإنقاذ ما تبقّى من رومانسية فكرة السوق المفتوحة، العصر الذهبي للصادرات الصينية حين كانت تجول العالم بحرّية. تحدّثنا قبلاً عن غياب العمل البحثي الجدّي في مجالات العلوم الإنسانية في الصين مقارنة بنظيره في الولايات المتحدة (وشبكة الجامعات الأوروبية المرتبطة)؛ جزء أساسي من شلل السياسة الخارجية الصينية هو حلم إعادة الوصل بينها وبين الولايات المتحدة، وول ستريت تَستثمر في الصناعات الصينية والإدارات الأميركية تَضغط على دول العالم لفتْح أسواقها أمام البضائع الصينية المموّلة من وول ستريت تحت عنوان «حرية التجارة». هذا الحلم يشلّ الصين ويَقتلنا نحن في الأطراف.

الحواضر الإمبريالية في حقبة ما هي التي تحدّد للدول الطرفية طيف الأفكار الممكنة؛ خلال الحرب الباردة كان الاتحاد السوفياتي نموذجاً لمعظم دول الأطراف، وكانت الدول الاشتراكية التي نَشأتْ في بلادنا بُعيد الاستقلال تَبني برامج رعاية اجتماعية موسّعة وتَعمل على تطوير الصناعة وتُعيد توزيع الأراضي الزراعية وتؤمّم الثروات الطبيعية؛ كذلك الأمر فإن نماذج مثل جايير بولسونارو في البرازيل وخافيير ميلي في الأرجنتين لم تكن ممكنةً دون نموذج دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية؛ الأطراف لا يمكنها ابتداع نماذجها، هي تَعتبر النماذج المطبَّقة في الحواضر الإمبريالية بمثابة طيف الخيارات «المنطقية».

ما هو النموذج الذي يمكن لنا في الأطراف أن نَستلهمه من الصين؟ رأسمالية الدولة التي ترعى النمو الاقتصادي القائم على التصدير؟ هذا نموذج غير مستدام حين تتبنّاه كل الدول أو حتى معظمها، ويعزّز القسمة العالمية بين دول اقتصادات استخراجية ودول اقتصادات «القيمة المضافة» العلمية والتكنولوجية، ولا يمكن تكراره لأنه ليس لدينا الغطاء المالي والسياسي وحتى الفكري الذي كانت توفّره الولايات المتحدة لصعود الصين الأول.

لكن يمكن لفقدان الاستراتيجية البحثية في العلوم الإنسانية في الصين أن يكون بدايةً لمرحلة إيجابية بشرط: أن تقوم الصين بإيكال (outsourcing) مهمة إنتاج الأبحاث بالذات حول السياسة الخارجية الصينية إلى دول حليفة (البرازيل مثلاً) على أن يكون هناك تعهّد صيني رسمي باستخدام هذه الأبحاث كإحالات ذات سلطة معرفية؛ بإمكان ذلك إطلاق دينامية دولية فكرية-اقتصادية جديدة.

طبعاً هناك مؤشرات مقلقة من طرف الصين؛ هناك فقدان للابتكار في الاقتصاد السياسي (هناك فرادة على مستوى بعض الشركات، مثل مراكز خدمات إصلاح السيارات بعد شرائها وألغوريثمات «تيك توك»). مثلاً، أخيراً طالب الرئيس شي جينبينغ بخفْض إنتاج السيارات الكهربائية لأنها باتت تهدّد بركود القطاع بعد أن اضطرّ المصنّعون إلى خفْض أسعار منتجاتهم إلى ما دون سعر التكلفة بسبب المنافسة.

حين حَدّدت الدولة السيارات الكهربائية ومجالات تكنولوجية أخرى كأولوية، تمكّنت السلطات المحلية في المدن الصينية من إنجاز شبه معجزة وامتلكتْ ناصية الإنتاج العلمي في هذه المجالات وأصبحت لدى الصين خطوط إنتاج مرنة وفعالة بحيث يَصعب على الولايات المتحدة مضاهاتها. بعد هذا الحدث الاستثنائي شبه-الإعجازي تطالِب مدنك بخفض الإنتاج؟

هذه ليست فقط مجازفة، بل هي تهدّد أي عمل في المجالات المتقدمة مستقبلاً؛ أنت تقول للسلطات المحلية بأن عليها ألا «تتحمّس زيادة عن اللزوم» حين تَطلب منها العمل على ملف جديد لاحقاً، بدلاً من أن تَبتكر سياسة جديدة تَسمح بتصريف إنتاجك الفائض من ناحية والإبقاء على الزخم الإبداعي لديك من ناحية ثانية.

هل فَكّرت الصين بإرسال التكنولوجيات الفائضة عنها إلى الدول التي تُعاني من عقوبات أميركية مقابل أبحاث العلوم الإنسانية التي تحدّثنا قبلاً عن تلزيمها إلى دول أخرى؟ هكذا لا يتسبّب إنتاج هذه التكنولوجيات بالركود، ولا هي تتعرّض لعقوبات أميركية، ولا هي تكبح «حماسة» مدنها في تطوير التكنولوجيات الجديدة، وفي نفس الوقت تَدعم الدول التي تتحدّى الولايات المتحدة.

القارة الأميركية لم ترفد أوروبا الغربية بالثروات الطبيعية فقط، بل أَمّنتْ لها مساحة واسعة جداً للتجريب السياسي دون عواقب (من اليوتوبيا إلى الجمهورية) ومتنفساً للا-استقراريات مجتمعات أوروبا الغربية، وقد تكون هذه التكنولوجيات المصدّرة مقابل العلوم الإنسانية هي «العالم الجديد» للصين، أو قد تصبح هذه التكنولوجيات هي «الدولار الصيني» الذي «تَطبعه» بكين للعالم.

الرؤية الصينية المشوَّهة للاقتصاد السياسي العالمي لم تأتِ من فراغ: هناك قسم جامعي مهمّته إنتاج الأساطير المرتبطة بهذه الرؤية: مدرسة البزنس. رغم كل الفوضى التي يتسبّب بها ترامب، إلا أن الطرفَين الأميركي والصيني حريصان على التدليل على أنهما يَرسمان سياساتهما الخارجية لتوافق أسطورة السوق النيوليبرالية التي تمّ تطويرها في مدرسة البزنس ولا يحكّمان «الأيديولوجيا» أو «الأهواء السياسة».

بخلاف النظام الفرنسي، في الجامعات الأميركية مدرسة البزنس (والإدارة والفاينانس والبنوك والتسويق) منفصلة عن باقي الأقسام الأكاديمية، والأهم أنها منفصلة عن قسم الاقتصاد الذي يَنتمي مؤسساتياً إلى مدرسة العلوم الاجتماعية. تحدّثنا قبلاً عن الخط (pipeline) الذي نشأ بداية تسعينيات القرن الماضي من قسم علوم الكومبيوتر إلى قسم البزنس والفاينانس؛ هذا الخط شَكّل سلطة معرفية للحديث عن الاقتصاد بديلة عن قسم الاقتصاد. بات خريجو هذا الخط يتحدثون في الاقتصاد باعتباره علوم داتا خالية من السياسة. في منتصف العقد الماضي كان مدراء شركات السيليكون فالي حين يتحدثون عن القضايا الاقتصادية «معتمدين على الداتا وليس على الأيديولوجيا».

هناك كارثة أكاديمية أدّتْ إلى هذه الثقة في الحديث عن الاقتصاد. عملتْ مدرسة البزنس كجامعة ضد الجامعة. أوهام النيوليبرالية ما كانت لتَنتشر دون مدرسة البزنس. قبل وبعد أزمة 2008 استمرتْ أعداد الطلاب في مدرسة البزنس بالارتفاع، لكن الأزمة لم تَنعكس ارتفاعاً في أعداد الطلاب المنتسبين إلى قسم الاقتصاد لا بل هناك مؤشرات إلى أن الأعداد تناقصت (مع ارتفاع استثنائي بين عامَيْ 2013 و2015). ما جعل شرعية مدرسة البزنس تتعرّض للاهتزاز لم تكن نظرية جديدة آتية من قسم الاقتصاد، بل ظهور البتكوين الذي وَتّر النقاش بين قسمَي علوم الكمبيوتر ومدرسة البزنس، وضمن الأخيرة بين البنوك والفاينانس. إعادة تشكيل العلاقات بين الأقسام الأكاديمية يُعيد تشكيل العالم.

رؤية الصين للعالم متجذّرة في مدرسة البزنس وليس في قسم الاقتصاد، وأوهام السوق اللا-اقتصادي النيوليبرالية التي تُنتِجها مدرسة البزنس (وتسبغ عليها السلطة المعرفية لكونها موجودة في الجامعة، حتى ولو في موقع هتروتوبي منها) هي في صلب العلاقات الأميركية الصينية وفي صلب شبه-السياسة الخارجية الصينية.

وبالتشابك مع قسم علوم الكمبيوتر، مدرسة البزنس هي في صلب هيمنة السيليكون فالي على داتا الأفراد حول العالم وتغييب فكرة السيادة الوطنية على الداتا المنتَجة محلياً وحتى فكرة الامتياز بحيث تتعاقد شركة السيليكون فالي مع شركة محلية تجاوزاً للتقاليد التجارية الدولية (الفضاء الافتراضي كشأن إكسترا-سوقي لأنه ليس «موجوداً»)، ونرى حالياً كيف نُباد بهذه الداتا المجمَّعة.

وإذا أردنا إعادة تشكيل العلاقات الأميركية الصينية وإعادة تشكيل رؤية الصين للعالم، علينا أن نُعيد هيكلة العلاقات بين-الأقسامية لمدرسة البزنس الأميركية (تحدّثنا في مقالات سابقة عن إشكاليات هذه العلائقية الأقسامية وسنتحدّث في مقالات لاحقة عن كيفية إعادة تشكيل المدرسة).

من أجل وقف الإبادة والتفكير في عالم من المساواة (بعيداً عن ترهات العالم المتعدد الأقطاب الذي صدعتْ به الصين رؤوسنا ولم نرَ منه شيئاً) سنسعى إلى تنظيم تظاهرة أسبوعية (في عدد من دول العالم) من أمام السفارة الصينية إلى أمام مدرسة البزنس في جامعة تتبنّى النظام الأميركي، نطالب الأولى بإعادة تنظيم رؤيتها للعالم والثانية بإعادة تشكيل علائقيات مدرسة البزنس أو حتى إغلاقها.

* باحث