السلام مقابل الممرّات: هيمنة تركيا الجيوسياسية والمسألة الكردية

بدأ مسار الهيمنة الجيوسياسية التركية الممتدّ من «الربيع العربي» عام 2010 إلى عام 2025، من خلال سعي طموح للريادة الإقليمية، لكنّه تطوّر مع الأزمات الاقتصادية والمنافسات الإقليمية والديناميكيات السياسية الداخلية ليتحوّل إلى براغماتية واتفاقيات تعاملية.
وكان هذا المسار، تحت قيادة «حزب العدالة والتنمية» (AKP)، يعكس جهوداً لتوسيع تركيا نفوذها في الشرق الأوسط، انطلاقاً من رؤية «العثمانية الجديدة» التي تستحضر الإرث العثماني، إلا أنه افتقر إلى العمق الاستراتيجي، ما أدّى في النهاية إلى فشله؛ إذ نجحت أنقرة في معارضة جميع منافسيها المتصارعين مثل إيران والمملكة العربية السعودية وإسرائيل، لكنّها واجهت مقاومة كبيرة في المنطقة، ما اضطرّ إدارة «العدالة والتنمية» إلى اللجوء إلى استراتيجيات للخروج من عزلتها وملء فراغات القوة. وبالتالي، لم تكُن السياسة الجديدة التي تبنّاها «العدالة والتنمية»، بعد عام 2015، خياراً، بل كانت مناورة فرضتها الضرورات.
ومع بدء «الربيع العربي» في تونس في كانون الأول 2010، وامتداده إلى دول مثل مصر وليبيا وسوريا، اعتقدت إدارة «العدالة والتنمية» أن ذاك «الربيع» يفتح نافذة من الفرص لتركيا. ولهذا، بدأت تعبّر عن سعيها للهيمنة الإقليمية بصوت أعلى، وظنّت أن دعمها لحركات إسلامية مثل «جماعة الإخوان المسلمين» سيمنحها نفوذاً في المنطقة، فوضعت كل بيضها في سلة "الإخوان". وفي تلك الفترة، حافظت تركيا على تحالفها مع الغرب بينما برزت كطرف مستقلّ، ولكن تحوّل «الربيع العربي» إلى فوضى (مثل الحرب الأهلية في ليبيا)، أضعف أحلامها في الهيمنة.
ومع تعمّق الحرب الأهلية السورية، استمرّت تركيا في معارضة الرئيس السابق بشار الأسد، وانتقلت سياستها إلى التركيز على الأمن بسبب أزمة اللاجئين (حوالي 4 ملايين سوري) وإعلان «حزب العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب» استقلالها في شمال سوريا. وفي عام 2015، انتهت عملية «السلام»، وتمّت إعادة تأطير المسألة الكردية كقضية أمنية، وتعزّزت التحالفات القومية في السياسة الداخلية (مع حزب الحركة القومية MHP). أما في السياسة الداخلية، فأدّت احتجاجات حديقة غيزي (2013) ومحاولة الانقلاب عام 2016 إلى استخدام السياسة الخارجية كوسيلة لتحقيق الشرعية الداخلية، لكنّ جهود الهيمنة الإقليمية فشلت.
ومنذ عام 2021، دفعت الأزمة الاقتصادية (تجاوز التضخّم 80%، وتآكل الاحتياطيات) تركيا نحو سياسة الخروج من العزلة. وبدأت حينها مبادرات المصالحة مع الأعداء السابقين: تمّ التكيف مع الاتجاهات الإقليمية مثل اتفاقيات «آبراهام» وإعلان «العلا»، بينما جلبت جولة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الخليجية عام 2023 اتفاقيات استثمار بقيمة 50 مليار دولار، في وقت أظهر فيه الحوار المحدود مع سوريا (ضد الحكم الذاتي الكردي) ووقف إطلاق النار في ليبيا براغماتية السياسة التركية.
وبعد انتخابات عام 2023، أصبحت التعاملية (transactionalism) أمراً طبيعياً: أقيمت علاقات مبنية على المصالح مع الغرب (طائرات إف-16 مقابل عضوية السويد في الناتو) ومع الشرق (الامتثال الجزئي للعقوبات الروسية). إلا أن هجوم حركة «حماس» في 7 تشرين الأول 2023 وأزمة غزة أفسدا المصالحة مع إسرائيل. ورغم أن تركيا أظهرت دعماً لفظياً لفلسطين، إلا أنها واصلت تجارتها مع إسرائيل لفترة طويلة. أما هزيمة حزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات المحلية عام 2024، فقد حدّت من طموح إردوغان و«العدالة والتنمية» إلى الهيمنة.
تُقيّم عملية «السلام» في تركيا على أنها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بسعي البلاد للهيمنة الإقليمية
وإذ أدّى انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى فراغ في السلطة في سوريا، فقد قامت تركيا بملء هذا الفراغ من خلال توسيع وجودها في شمال سوريا بدعمها لحكومة دمشق. كما حاولت تركيا من خلال الاحتلال العسكري والمساعدات الاقتصادية، إقامة مناطق نفوذ عبر مناطق عازلة في شمال العراق وسوريا. ومع حلول عام 2025، أدّت حملة إسرائيل ضد إيران وأزمة غزة إلى دمج تركيا في إطار تقوده دول الخليج؛ إذ أصبحت الأولوية للتكامل الاقتصادي والدبلوماسية، بينما تراجعت الصراعات العسكرية إلى المرتبة الثانية. إلّا أن هذا المسار جاء مع قبول «دور ثانوي»، فعدّلت تركيا من طموحها إلى الهيمنة لتتكيّف مع التحالفات البراغماتية، وتتبنّى شعار التعايش السلمي لمستقبل المنطقة.
وهكذا، فإن عملية «السلام» في تركيا تُقيّم بشكل كبير على أنها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بسعي البلاد للهيمنة الإقليمية. ويتم بناء هذا الارتباط، بشكل خاص، عبر استراتيجية تهدف إلى السيطرة على ممرات التجارة والطاقة (مثل مشروع طريق التنمية والممر الأوسط) التي تمر عبر العراق وسوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط، أو إقامة نفوذ عليها. وتهدف هذه العملية إلى نزع سلاح «حزب العمال الكردستاني» وتوفير الاستقرار في الجنوب الشرقي، ما يؤدي إلى عسكرة الحدود الجنوبية لتركيا وتسريع التكامل الاقتصادي. وهذا قد يعزّز موقف تركيا الجيوسياسي ضد المشاريع المنافسة مثل ممر الهند - الشرق الأوسط - أوروبا (IMEC).
وعليه، يمكن تقييم عملية السلام كأداة في نضال تركيا من أجل الهيمنة؛ إذ أرادت أنقرة القضاء على التهديدات التي تواجه مشروع طريق التنمية بين العراق وتركيا من خلال إنهاء عدم الاستقرار الناجم عن «العمال الكردستاني». ويُعرَّف هذا الممر بأنه خط يذكّر بسكة حديد بغداد - برلين، ويفتح الطريق إلى أوروبا بميزة المسافة والتكلفة. كما يُعرَّف على أنه خطوة لتركيا من أجل الحفاظ على مركزيتها ضد المشاريع التي تتجاوزها مثل IMEC، وذلك في مواجهة الفوضى في العراق وعناصر عدم الاستقرار في الجنوب الشرقي. أما في ما يخص الهيمنة، فيُتوقع أن اتفاقيات «آبراهام» قد رسمت خريطة جديدة للشرق الأوسط باستثناء تركيا، وأن عملية «السلام» ستكسر هذا الحصار وتوجّه خطوط الطاقة والتجارة نحو تركيا.
وبما أن مشاريع مثل ممر زنغزور والممر الأوسط ستندمج مع مشاريع مثل «الحزام والطريق» والممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، فإنها ستجعل تركيا في وضع مميّز في المنافسة العالمية. وهكذا، يمكن القول إن تركيا ترى مشروع طريق التنمية جزءاً لا يتجزأ من مقاربة أكثر شمولية لممرات اقتصادية في المستقبل، وتطمح إلى إزالة العقبات أمام هذا المسار من خلال عملية السلام. ويأتي ذلك فيما يرى خبراء أن خطوات مثل حظر «العمال الكردستاني» هي جزء من استراتيجية لتقليل المخاطر، باستخدام الإمكانات العسكرية والأمنية لتركيا وجذب الفاعلين الإقليميين نحو منظور يشاركهم مصالحهم.
