التفاوض الأميركي: وهم التسوية وحقيقة الاستسلام

في كتاب غداً هو أمس الذي ألّفه روبرت ماليه وحسين آغا، تُطرح فكرة عميقة مفادها أن التفاوض في الشرق الأوسط لم يكن أداة للحل بقدر ما كان وسيلة لإعادة إنتاج الماضي وإطالة أمد السيطرة. الغد الموعود بالسلام لم يكن سوى الأمس متنكراً في ثوب جديد. من هذا المدخل يمكن أن نسائل اليوم معنى التفاوض مع الولايات المتحدة: هل هو طريق إلى تسوية عادلة، أم مجرد مسرحية طويلة مملّة، هدفها الحقيقي أن يستسلم الطرف الأضعف طوعاً بعدما ينهكه الزمن والضربات المتواصلة؟
أولاً: التفاوض كأداة للهيمنة لا للحل
الولايات المتحدة تقدم نفسها وسيطاً في كل صراع: من فلسطين إلى إيران، ومن لبنان إلى أفغانستان. غير أن تجربتها العملية تكشف أنها لا تتعاطى مع المفاوضات بوصفها جسراً نحو حلول متوازنة، بل باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع وتمديده بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.
التفاوض هنا ليس عملية حيادية، بل سلاح سياسي. أميركا تتحكم بإيقاع المباحثات: تطلقها حين يناسبها، تجمّدها حين تستفيد من التجميد، وتستأنفها عندما ترى مصلحة في كسب الوقت أو امتصاص الضغوط. في جميع الحالات، الطرف الأضعف يبقى معلقاً بانتظار «الغد» الذي لا يأتي أبداً.
ثانياً: المسرحيات الفلسطينية
تجربة الفلسطينيين هي المثال الأبرز. كل جولة تفاوضية قُدمت كفرصة تاريخية: مدريد 1991، أوسلو 1993، كامب ديفيد 2000، أنابوليس 2007، وصولاً إلى المفاوضات المتقطعة في العقد الأخير. لكن النتيجة واحدة: لا دولة، لا سيادة، لا حق عودة.
وأخطر ما في الأمر أن التفاوض كان يُقدَّم للفلسطينيين بوصفه طريقهم الوحيد للخروج من مأزق الاحتلال. لكن ما حدث أن كل جولة تفاوضية أكلت من رصيدهم الشعبي والسياسي، وكرّست مزيداً من التنازلات. خلال المفاوضات لم تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات، بل تضاعفت وتيرة البناء. لم يتوقف الجدار الفاصل عن التمدد، بل اكتسب شرعية ضمنية بحكم «التفاهمات». ولم يتوقف التنسيق الأمني الذي يستهلك قدرات السلطة الفلسطينية في ضبط الداخل بدلاً من مواجهة الاحتلال.
أما الولايات المتحدة فتلعب دور «الوسيط» بينما تضمن أن الزمن يعمل لمصلحة إسرائيل. ما يُقدَّم للفلسطينيين ليس حلولاً بل إدارة محسوبة لمأزقهم. النتيجة أن التفاوض أصبح مسرحية كاملة: أطراف تجتمع، كلمات تتكرر، وبيانات تصدر، بينما الواقع على الأرض يسير باتجاه معاكس تماماً.
ثالثاً: إيران والوقت المستقطع
المنطق ذاته يتكرر مع إيران. المفاوضات حول برنامجها النووي مثال صارخ على استخدام الزمن سلاحاً.
• حين تحتاج واشنطن إلى ضبط أسعار النفط أو إلى تهدئة الجبهة مع الخليج، تستأنف الحوار.
• حين ترى فرصة للضغط الأقصى، تفرض العقوبات وتجمّد المباحثات.
• حين ترغب في استثمار لحظة ضعف داخلي لدى إيران، تسرّع وتيرة اللقاءات لانتزاع تنازلات.
كل جولة من هذه الجولات تُدار بحيث تستهلك الوقت وتزرع الشكوك في الداخل الإيراني: هل ستُرفع العقوبات؟ هل الاتفاق على وشك أن ينهار؟ هل هناك صفقة جديدة قيد الطبخ؟
بهذا الشكل يصبح التفاوض أداة لزعزعة الاستقرار الداخلي في إيران، لا وسيلة لضمان أمن المنطقة. الزمن المستقطع يُستخدم لزيادة الإنهاك الاقتصادي عبر العقوبات، ولتمهيد الأرضية لخيارات أشد ضغطاً. إنه أسلوب يستفيد من الإيقاع البطيء للمباحثات كي يحقق ما تعجز القوة المباشرة عن تحقيقه دفعة واحدة.
رابعاً: التفاوض كسلاح زمني
جوهر المسألة أن الولايات المتحدة حوّلت الزمن إلى أداة قوة. الزمن المستقطع في التفاوض ليس محايداً:
• بالنسبة إليها، كل يوم إضافي يعني مزيداً من ترسيخ ميزان القوى القائم.
• بالنسبة إلى خصومها، كل يوم إضافي يعني نزيفاً اقتصادياً وسياسياً وشعبياً.
إنها لعبة «الوقت»، إذ يصبح التأجيل نفسه سلاحاً. فالخصم يُستنزف من الداخل بقدر ما يستهلك الزمن في انتظار نتائج لا تأتي، بينما الطرف الأميركي يضاعف قدراته ويثبت أقدامه.
خامساً: الضربات خلال التفاوض
الأخطر أن أميركا لا تتوقف أثناء التفاوض عن تسديد الضربات المباشرة وغير المباشرة. ففي الوقت الذي تُدار فيه الجولات الديبلوماسية:
• تُفرض العقوبات الاقتصادية على الطرف الآخر وتُشدد تدريجياً لتكبيله.
• تُشنّ حملات إعلامية ودعائية لإضعاف شرعيته وتشويه صورته أمام شعبه والعالم.
• تُدعم حروب بالوكالة أو عمليات عسكرية لإرباكه في محيطه الإقليمي.
هكذا يصبح التفاوض غطاءً لتصعيد الضغوط لا لتخفيفها. الطاولة السياسية ليست سوى ستار يخفي وراءه استمرار الهجوم بوسائل أخرى. إنه تكتيك «المصافحة باليد اليمنى بينما اليد اليسرى توجه الضربات».
سادساً: من يريد الاستسلام فليستسلم
من هنا تنبع المفارقة الكبرى: إذا كان الهدف الأميركي الحقيقي هو الاستسلام الكلي للخصم، فإن المفاوضات الطويلة ليست سوى مسرحية. وهي لا تفتح أفقاً لحلول عادلة، بل تمنح واشنطن الوقت الكافي كي تُرهق الطرف الآخر وتدفعه في النهاية إلى القبول بما رفضه منذ البداية.
لذلك يمكن القول: من يريد الاستسلام فليستسلم فوراً، أما من يدخل المفاوضات على أمل الوصول إلى حل متوازن فعليه أن يدرك أن المشهد مصمَّم بحيث يقوده إلى الخضوع لا إلى التسوية. التفاوض هنا ليس خياراً بين الحرب والسلام، بل خيار بين الاستسلام المباشر أو الاستسلام المؤجل.
سابعاً: البُعد الفلسفي
البُعد الفلسفي لهذه الدينامية يفتح باباً مهماً للنقاش. فالسلطة، كما يوضح ميشيل فوكو، لا تُمارَس فقط عبر القوة المباشرة، بل أيضاً عبر إعادة صياغة الزمن والمعرفة. التفاوض الأميركي يخلق وهماً بمستقبل مختلف، لكنه في الحقيقة يفرغ المستقبل من محتواه عبر تأجيله الدائم.
يمكن النظر إلى هذه الممارسة باعتبارها شكلاً من «السياسة الزمنية»: السيطرة ليست فقط على الأرض أو الموارد، بل على الزمن نفسه، على أفق التوقعات وعلى قدرة الشعوب على الحلم بغدٍ أفضل. كلما طالت المفاوضات، ضاق أفق المستقبل، وتحوّل إلى إعادة إنتاج للحاضر.
هنا يلتقي الواقع السياسي مع ما وصفه هايدغر حين تحدث عن الزمن الدائري: المستقبل لا يُفتح كأفق جديد، بل يعود إلى الماضي في دورة متكررة. كذلك نجد صدى لفكر غرامشي في مفهوم «الهيمنة»: إذ لا يكفي أن تفرض السيطرة بالقوة، بل يجب أن تجعلها تبدو وكأنها المسار الطبيعي للحاضر والمستقبل.
بهذا المعنى، التفاوض الأميركي ليس مجرد أداة تقنية، بل إستراتيجية وجودية تفرغ الزمن من إمكانية التغيير. المستقبل يُقدَّم كوعود برّاقة، لكنه يتبدد في كل مرة ليعود كأمس جديد، في دائرة لا تنكسر إلا إذا تغيّر ميزان القوى جذرياً.
ثامناً: هل من إمكانية لكسر الدائرة؟
يبقى السؤال: هل يمكن أن يقود التفاوض مع الولايات المتحدة إلى تسوية عادلة؟
الجواب الواقعي أن ذلك ممكن فقط إذا تغيّرت موازين القوى جذرياً:
• إذا استطاع الفلسطينيون فرض وقائع على الأرض عبر مقاومة متماسكة.
• إذا نجحت إيران في تعزيز قدرات الردع بما يغيّر معادلة التفاوض.
• إذا وُجدت إرادة دولية مختلفة تضغط على واشنطن بدلاً من أن تخضع لهيمنتها.
لكن طالما بقيت البنية نفسها، فإن التفاوض سيبقى أداة للتسويف والإخضاع، لا وسيلة للحل.
التجربة الممتدة من فلسطين إلى إيران تكشف أن التفاوض مع الولايات المتحدة ليس طريقاً إلى التسوية العادلة. بل هو مسرحية مُحكمة، غايتها استقطاع الزمن لمصلحة الطرف الأقوى، وإرهاق الخصم بالضغوط، ثم دفعه في النهاية إلى استسلام مقنّع.
من يدخل هذه اللعبة عليه أن يعرف القاعدة: أميركا لا تتوقف أثناء التفاوض عن تسديد الضربات، ولا تسعى إلى عدالة، بل إلى إخضاع كامل. ثم فإن الخيار الحقيقي ليس بين التفاوض أو الحرب، بل بين الاستسلام السريع أو الاستسلام المؤجل عبر جولات لا تنتهي.
هكذا ينكشف التفاوض كغاية قائمة بذاتها، لا أداة للحل: غاية تُستخدم لإعادة إنتاج ميزان القوى، ولإبقاء الطرف الأضعف أسيراً لوهم الغد الذي يتحول دوماً إلى أمس جديد.
