اليسار بين أزمة الهوية وأوهام رهابه

يُعاد طرح سؤال اليسار اليوم بصيغة مرتبكة: هل ما يزال لمفهوم اليسار حاجة موضوعية في عصرنا، أم أنّه بات منتهي الصلاحية، لا يتعدى كونه شعاراً متروكاً للذاكرة التاريخية؟ ثمة من يعتقد أنّ كل نقاش حول اليسار يندرج في خانة «الرهاب من أجل الرهاب»، أي إنه مجرد انعكاس لخوف يميني مصطنع. لكن هذه القراءة تتجاهل جملة من الحقائق التاريخية والفكرية، وتتعامى عن الأسباب العميقة التي جعلت اليسار يتراجع ويصل إلى ما هو عليه اليوم. نقد هذه الرؤية لا يعني الدفاع عن أوهام يسار تقليدي اندثر، بل يعني إعادة تحديد طبيعة الأزمة بوضوح: ليست المشكلة في «رهاب اليسار» بل في اليسار ذاته، في تحوّله البنيوي من حركة مقاومة للرأسمالية إلى شريك في تثبيتها.
1. وهم اندثار اليسار
يُصوَّر أحياناً أن اليسار قد تلاشى، وأنّ الحديث عن خوف من اليسار هو مجرّد صناعة وهمية من قِبل اليمين. غير أنّ الوقائع تشير إلى العكس: صحيح أن اليسار الثوري التقليدي تراجع بعد سبعينيات القرن الماضي، ولكن اليسار لم يختفِ بل تحوّل. إنه موجود اليوم، ولكن بصيغة هجينة: يسار ليبرالي يتبنى منطق السوق والعولمة ويُلبسه لبوساً «تقدمياً». الحديث عن اليساروفوبيا يتجاهل هذه الحقيقة الجوهرية: اليسار لم يُمحَ، بل استحال جزءاً من المنظومة النيوليبرالية. لذا النقد الموجَّه إليه ليس رهاباً، بل تشخيص لأزمته الداخلية.
2. التقدم كعقيدة: مأزق مشترك بين الليبرالية والماركسية
في مقالات التبرير لليسار يُقال إن الماركسية تشترك مع الليبرالية في نزعة التفاؤل بالتقدم، وإن مشكلتها كانت في الغلوّ في هذا التفاؤل. لكن هذا الطرح يُسقط أهم ما كشفته التجربة التاريخية: أنّ التقدم، حين يُعامل كقانون حتمي للتاريخ، يتحول إلى أداة تبريرية للرأسمالية. لقد أظهرت التجربة أنّ تبنّي اليسار لفكرة «عجلة التاريخ» هو ما سمح له بالتماهي مع الصناعة الكبرى والاستهلاك، وأن يبرر تهميش الفئات الشعبية التي لا تدخل في منطق «التحديث». المعضلة ليست في «غلوّ التفاؤل» فحسب، بل في الميتافيزيقا التقدمية ذاتها. إعادة تحيين فكرة التقدم دون نقد جذري لهذا الأساس الميتافيزيقي لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها.
3. التفريق بين الرهاب والنقد
من السهل الادعاء أنّ أي انتقاد لليسار المعاصر هو «رهاب». لكن هذا المنطق يخلط بين الرهاب كحالة نفسية–سياسية قائمة على الخوف المصطنع، وبين النقد التاريخي–الفلسفي الذي يضع الإصبع على جوهر الأزمة. حين يُقال إن اليسار تخلى عن مشروعه الطبقي ليتبنى أجندة ثقافية ليبرالية، فهذا ليس فوبيا، بل واقع تؤكده السياسات الفعلية: خصخصة، قبول بمنطق السوق، تركيز على قضايا الهوية على حساب الصراع الاجتماعي. ومتى صار النقد «رهاباً»؟ هل يُعقل أن يُعتبر تشخيص الانزلاق من الاشتراكية إلى الليبرالية الثقافية مجرّد فوبيا؟ إن هذا الخلط يسعى إلى إعفاء اليسار من مسؤولياته التاريخية.
4. اليسار واليمين: تشابه لا يمكن إنكاره
يُقال إنّه لم يعد ثمة فارق جدي بين اليسار واليمين على المستوى الاقتصادي، وإنّ الاستقطاب صار محض دلالات رمزية. لكن هذا القول ليس نقداً لليسار، بل تبرير له. فإذا كانت سياسات اليسار واليمين الاقتصادية متطابقة، فهذا بحد ذاته دليل على اندماج اليسار في النظام. أن تُختزل الفوارق إلى قضايا الهوية يعني أن اليسار تخلّى عن وظيفته الاجتماعية. هنا أيضاً ليس في الأمر رهاب، بل تشخيص لأزمة واقعية: يسار بلا اقتصاد سياسي مستقل، أي يسار منزوع السلاح.
5. مأزق «اليسار الانتخابي»
الادعاء أن اليسار يجد صعوبة في بلورة برنامج متمايز عن اليمين ليس توصيفاً بريئاً، بل هو إقرار ضمني بأنّ اليسار فقد هويته. أن يصبح كل ما يملكه هو نسخة انتخابية ليبرالية أو نسخة شعبوية تقترب من اليمين، فهذا يثبت أن الأزمة داخلية وليست مؤامرة خارجية. إن اختزال المعضلة في «الرهاب» يضلل الرأي العام، إذ يوحي أن المشكلة في صورة اليسار لدى خصومه، بينما الحقيقة أن المشكلة في بنيته الفكرية وخطابه العملي.
6. إغفال البعد التاريخي
عندما يُختزل النقاش في أن «الرهاب من اليسار» مجرد حاجة يمينية لتسويغ وجودها، يُمحى التاريخ القريب والبعيد لليسار نفسه. من قمع ثورة 1848 إلى سحق كومونة باريس، وصولاً إلى التحالفات مع قوى السوق في العقود الأخيرة، هناك سجل كامل يبرهن أن اليسار كثيراً ما لعب دور أداة للنظام بدل أن يكون نقيضاً له. تجاهل هذه الوقائع والاختباء خلف خطاب «الفوبيا» محاولة لإسكات أي مراجعة جذرية. والحال أن ما يحتاجه اليسار ليس الدفاع عنه ضد خصومه، بل نقد ذاتي جذري يعترف بدوره في الأزمة.
7. في السياق العربي واللبناني
القول إنّ «اليساروفوبيا» هي مجرد صناعة يمينية يفقد معناه أكثر حين ننظر إلى السياق العربي. هنا لم يكن اليسار ضحية فوبيا، بل ضحية تناقضاته. فقد تراجع في لبنان والعالم العربي لأنّه لم ينجح في أن يكون بديلاً حقيقياً: إمّا اندمج في أنظمة سلطوية قومية أو ليبرالية، وإمّا بقي أسير شعارات كبرى دون مشروع اجتماعي واقتصادي واقعي. الجماهير الشعبية لم تهجره بسبب «الرهاب»، بل بسبب عجزه عن تمثيل مصالحها. حين يتبنى جزء من اليسار خطاباً نيوليبرالياً، وجزء آخر يتجمد في حنين ثوري بلا أدوات، فإن النتيجة الطبيعية أن تبحث الطبقات الشعبية عن بدائل أخرى: إسلامية، شعبوية، أو عزوف كامل. لذلك إن أي محاولة لردّ الأزمة إلى «رهاب» لا تفعل سوى إخفاء الفشل البنيوي.
8. الحاجة إلى مفهوم اليسار
يُطرح السؤال: هل ثمة حاجة اليوم إلى مفهوم اليسار؟ البعض يجيب بالنفي، معتبراً أن الأجدى هو الانطلاق من المشكلات الملموسة لا من التعريفات الإيديولوجية. لكن هذا الطرح يخفي إشكالية: إذا كان لا بد من معالجة قضايا المعيشة والعدالة والبيئة والحقوق، فما الاسم الذي يجمع هذه المطالب ويعطيها اتجاهاً تاريخياً؟ إن التهرب من المفهوم بحجة براغماتية واقعية لا يحل الأزمة. المطلوب ليس إنكار الحاجة إلى اليسار، بل إعادة تأسيسه على أسس جديدة، تحرّره من الميتافيزيقا التقدمية ومن تبعيته لليبرالية، وتعيد ربطه بالطبقات الشعبية لا بالنخب الكوزموبوليتية.
9. مغالطة «الرهاب من أجل الرهاب»
الادعاء أن اليمين يخترع يساراً خرافياً لأنه لا يملك حلولاً لقضايا الديموغرافيا والأمن والهوية فيه جزء من الصحة، لكن لا يكفي. نعم، اليمين يوظف خطاب الخوف، ولكنه ينجح لأنه يجد فراغاً في الجهة المقابلة. لو كان لليسار مشروع مقنع للطبقات الشعبية، لما وجد خطاب الخوف هذا صدى واسعاً. الرهاب وحده لا يفسر الأزمة، بل هو نتيجة ثانوية لفشل اليسار في تقديم بديل. إن حصر النقاش في «الرهاب» يعفي اليسار من مسؤوليته عن الفراغ الذي تركه، وهو ما سمح لليمين الشعبوي بالتمدد.
10. نحو نقد جذري
التغاضي عن هذه الحقائق والاحتماء بخطاب «اليساروفوبيا» يعمّق الأزمة بدلاً من حلّها. المطلوب ليس الدفاع عن صورة اليسار، بل إعادة بنائه:
- أولاً، بالاعتراف أن اندماجه في الليبرالية الاقتصادية والثقافية دمّره من الداخل.
- ثانياً، بالقطع مع عقيدة التقدم الحتمي التي جعلته تابعاً للرأسمالية.
- ثالثاً، بإعادة وصل مشروعه بالطبقات الشعبية وقيم العدالة والكرامة، لا بالنخب الحضرية وحدها.
من دون هذه المراجعة، سيبقى أي نقاش عن «الرهاب» مجرّد غطاء يحجب الحقيقة: أزمة اليسار ليست في صورته لدى الآخرين، بل في بنيته الداخلية.
خاتمة
اليسار ليس ضحية فوبيا، بل ضحية نفسه. ليست المشكلة أن خصومه اخترعوا «يساراً خرافياً»، بل أنه تماهى مع الليبرالية إلى حدّ صار فيه من الصعب تمييزه عن اليمين. إن الاستمرار في تفسير الأزمة بـ«الرهاب» هو إجهاض لأي تفكير جدي في إعادة بناء بديل. ما تحتاجه مجتمعاتنا ليس يساراً متحصناً وراء خطاب الضحية، بل يسار قادر على نقد ذاته وتجديد لغته، على مقاومة الرأسمالية لا تبريرها، وعلى إعادة ربط السياسة بحياة الناس العاديين. حينها فقط يمكن أن يصبح الحديث عن يسار جديد حديثاً ذا معنى، لا تكراراً لأسطورة قديمة أو إنكاراً لأزمة قائمة.
