معادلة الجنوب والمقاومة: من الإمام الصدر إلى ديغول

كلّفت حكومة نواف سلام الجيشَ اللبناني بإعداد خطّة لمهمّة نزع سلاح حزب الله، في مهلة زمنية، وتحديداً حتى 31 آب، الموعد السَّنويّ لانعقاد المهرجانات والاجتماعات والحشود الشعبية، إحياءً لذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا في العام 1978. إنّ الجدول الزمني الذي اختارته الحكومة لتكليف الجيش بهذه المهمّة المعقّدة يُعدّ بالغ الحساسيّة والخطورة، ويراه البعض رسالة مباشرة لا تخلو من الإهانة والابتزاز المتعمّد. ولئن كانت الحكومة تسعى إلى تعقيد ملفّ انسحاب المحتلّ وتسليم السلاح الناتج منه، فما من وسيلة أنجع ممّا اقترحته، وعلى ما يبدو بعفوية وارتجال.
هكذا، تبدو أولويّة القوى العظمى اليوم نزع سلاح المقاومة الإسلامية وحلفائها في لبنان وفلسطين، بمختلف الوسائل الممكنة، في ظلّ ترسيمٍ جديد لمناطق سياسية واقتصادية في الإقليم، تخضع لهيمنة العرّاب الأميركي عبر جنوده الإسرائيليين. وعلى الذكرى السنوية لتغييب السيد موسى الصدر، وفي لحظة يتعرّض فيها لبنان لأحد أكبر التحدّيات في تاريخه المعاصر، تبدو الحاجة إلى تأمّلٍ تاريخي موجز في مسيرة الصدر ضرورية، لما لها من فائدة محتملة في قراءة الحاضر ورسم الخيارات المقبلة.
رغم اختفائه، ظلّ الصدر رمزاً وطنياً لبنانياً يتجاوز الطوائف والمذاهب والطبقات الاجتماعية. فهو شخصية جامعة تركت آثاراً وبصماتٍ بارزة في تاريخ لبنان، ويُحكى عنها في الحاضر، وسيتحدّث عنها الناس في المستقبل بلا شكّ. لا يزال الإمام يشكّل جسراً بين الكبار والصِّغار، ويستلهم منه المسؤولون، لا سيّما حين يسعون إلى تثبيت نيّاتهم وترسيخ شرعيّتهم، خصوصاً عند محاولة بعضهم طمأنة الأوساط الشيعيّة المُستهدفة من قِبل الإدارة الأميركية والجبروت الإسرائيلي.
عند انتخابه من قِبل النوّاب اللبنانيين، وعلى رأسهم نوّاب الثنائي الشيعي والرئيس نبيه برّي، في كانون الثاني الماضي، اقتبس الرئيس جوزاف عون قولاً للإمام الصدر: «أؤمن بما قاله الإمام الصدر، بأنّه لا يمكن أن يكون لبنان مبتسماً وجنوبه متألّمٌ أو باكٍ». لكن، ما كانت رؤية الصدر حيال الجنوب، وما هي مسؤوليات الدولة تجاهه؟ نتوقّف هنا عند بعض كلمات، هو قائلها، وعند مواقف بعينها أطلقها أو أيّدها في ما يتعلّق بالجنوب، والجيش والشعب والمقاومة، بوصفه أحد روّاد هذه المعادلة وأوّل مَن أسّس لها.
عند نهوض الثورة الفلسطينية في لبنان، وبعد نقل منظّمة التحرير قوّاتها إلى لبنان في إثر اتّفاقية القاهرة وأيلول الأسود، طبّقت الحكومات الإسرائيلية المتتالية سياسة انتقامٍ جماعي في الجنوب بهدف كسر الدعم الشعبي الذي كان الفدائيّون يحظون به من طوائف الجنوب على اختلافها في بداية التمركز الفلسطيني. كانت سياسةً إجرامية تشبه ما تقوم به إسرائيل اليوم في غزّة والضفّة الغربية وجنوب لبنان واليمن.
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ النقاش في «إستراتيجية دفاعية شاملة» ليس جدلاً جديداً في تاريخ لبنان وخاصّة في الحديث عن الدفاع عن الجنوب. بالفعل، بادر الصدر إلى دراسة إستراتيجية عسكرية دفاعية تنفّذها الحكومة حقيقة. اعتمد في بداية المطاف على خطّة رسمها خبراء عسكريون فرنسيون في نهاية الستّينيات أُنجزتْ للمساعدة على تمكين الجيش اللبناني من السيطرة على أراضيه والدفاع عنها رغم التفوّق التكنولوجي العسكري الإسرائيلي.
كانت هذه الخطّة تعتمد على تركيب صواريخ ومدفعية بشكل دفاعي في وديان الجنوب، بالإضافة إلى تحصين بعض القرى والمواقع على الحافّة الأمامية، وعلى وجه الخصوص منصّات إطلاق صواريخ. ولكن سياسة الحكم في تلك المدّة، وخاصّة في عهد سليمان فرنجية، كانت تتعامل مع الأزمات المتتالية ومنها استباحة الجنوب، على قاعدة اللامبالاة. لم يستجب أحد في السلطة مع هذه المطالب التي أيّدتها شرائح وفئات واسعة من مشارب طائفية واجتماعية وسياسية متعدّدة كانت تدور في فلك الإمام الصدر وخارجه.
على سبيل المثال، بعد الهجمات العنيفة التي شنّها الجيش الإسرائيلي في 12 أيار 1970، والتي أدّت إلى نزوح آلاف السكّان من بنت جبيل وعيترون وكفر شوبا وكفر حمام وراشيّا الفخّار، ناشد الصدر المسؤولين والمجتمع اللبناني في مقال نُشر في جريدة «المحرّر» بتاريخ 22 أيّار 1970 قائلاً:
«الدَّولة لم تتصرَّف على أساس أنَّها مجتمع حرب... حتَّى ولا مجتمع دفاع، فالمجتمع اللبنانيّ بحاجة لأن يصبح مجتمع حرب لمواجهة المعركة المصيريَّة التي يواجهها. على الأقلّ دعوا الجنوب الذي يواجه الحرب أن يكون هذا المجتمع ليتمكَّن من مواجهة العدوّ على الوجه الذي تفرضه المصلحة القوميَّة وواقع المعركة... إنِّي منذ سنتين، وخلال اجتماعي بكبار المسؤولين، وأنا أناشد وأنذر وأحذِّر بمختلف وسائل الإقناع... ولكن بعد أن لمست مؤخَّراً أنَّ الشَّعب اللبنانيّ قد بدأ يتحسّس ويتألّم ويدرك أبعاد الأخطار المحدقة به والمصير المظلم الذي ينتظره.. بعد ذلك، لم أعد أرى أيّ مبرّر لاستمرار السُّلطة في سياسة الإهمال واللامبالاة».
إذا أُهمل أهل الجنوب والبقاع وتُركوا وحدهم أمام القتل والدمار والتهجير القسري، فستظهر مقاومات جديدة، حتى لو نُقلت المقاومة الإسلامية وغير الإسلامية إلى المرّيخ أو القمر
لم يدعُ الإمام الصدر إلى تسليح الجيش وتطوير معدّاته وتوسيع صفوفه فحسب، بل طالب الحكومة أن تكلّف هذا الجيش بالدفاع الفعلي عن الجنوب. ولم يكتفِ بذلك، بل طلب تدريب السكّان على حمل السلاح وتمكينهم من الدفاع عن قراهم إلى جانب الجيش، كما دعا إلى تحصين القرى الحدودية وفرض ضريبة تُخصّص لتعويض سكّان الجنوب المتضرّرين. وقال أيضاً: «هذا على صعيد الجيش. وهناك كما ذكرت تسليح الشَّعب وتدريبه ليكون القوّة التي تساند القوّة النظاميَّة وتساعدها في المعركة».
أي أنه طالب بتشكيل وحدات قتالية شعبية تساند الجيش النظامي في التصدّي للهجمات الإسرائيلية وتقاتل تحت إمرة الجيش، لأنه كان على يقين هو وقيادات صديقة في «الكتيبة الطلّابية» في حركة «فتح» أنّ تحرير الأرض لا يمكن أن يتمّ بالوسائل العسكرية التقليدية، أي من دون اللّجوء إلى حرب العصابات، أو، بعبارة أخرى، إلى تشكيلات مقاتلة غير نظامية تتمكّن من ضرب المحتلّ المتفوّق تكنولوجياً.
من الطيبة إلى كفركلا مروراً بكفر شوبا، تجاهلت الدولة مطالب السيد الصدر واحتلال أراضيها في آنٍ معاً. وعندما لاحظ بمرارة أنّ الدولة لم تكن معنيّة بتحرير الجنوب وحمايته وسكّانه، بادر إلى تأسيس مقاومة وطنية لبنانية، واستند في مشروعه هذا إلى الدكتور مصطفى شمران، الناشط السياسي الإيراني الذي درس الفيزياء النووية في الولايات المتّحدة، والذي رافق الصدر حتى اختفائه.
والجدير بالذكر أنه في نضاله حصل على تأييد أوساط متنوّعة: الأب يواكيم مبارك والمطران غريغوار حداد والشيخ أحمد الزين والزعيم معروف سعد، بالإضافة إلى بعض أصدقائه من «فتح»، في «الكتيبة الطلابية» كما أسلفنا، وفي «القوة 17»، الذين درّبوا أولى خلايا «أفواج المقاومة اللبنانية» (أمل) التي أسّسها ما بين 1973 و1975.
ختاماً، ولفتح النقاش على دوائر أوسع، لا بدّ من التذكير بملاحظات الجنرال ديغول، مؤسّس فرنسا المعاصرة، الذي قال بعد احتلال القدس وغزة والضفة الغربية والجولان وسيناء في العام 1967:
«إسرائيل هاجمت، وخلال قتال استغرق 6 أيّام، حقّقت الأهداف التي رسمتها. أمّا الآن، تُدير إسرائيل الأراضي التي استولت عليها، بسياسة دأبت على ممارستها من ظلم وقمع وترحيل. ثمّ تقوم في وجهها مقاومة يصفها المحتلّ بالإرهاب». وأكمل: «ولكنّ قاعدة الحلّ لهذه المشكلة لا بدَّ أن تبدأ بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها، إلّا إذا مزّقت الأمم المتّحدة ميثاقها بنفسها».
لم يتصوّر الجنرال ديغول أنّ المجتمع الدُّولي سيرى بأمّ العين تمزيق ميثاق الأمم المتحدة من قبل أحد مندوبيها في أثناء إحدى جلساته. لكنّ المجتمع الدُّولي وجميع أعضاء الأمم المتّحدة لاحظوا بدهشة وإرباك ممثِّل إسرائيل جلعاد أردان، عندما مزّق الميثاق بواسطة ماكينة أخذها إلى منبر الأمم المتّحدة كما لو أنّه لم يكن شيئاً.
بهذه الطريقة، وضع بلاده خارج الشرائع الدُّولية بشكل معلن ومسرحي وبذيء، علماً أنّ العرّاب الأميركي سيتغاضى عن مطالبته ومحاسبته كما يفعل منذ تأسيس هذه الدولة القائمة على التطهير العرقي والفصل العنصري. فالسؤال هنا: كيف يمكن الثقة بدولة تُعدّ نفسها فوق القوانين الدُّولية وبقيّة الشعوب، ومزّقت ميثاق الأمم المتّحدة أمام جميع أعضائها؟ كيف يمكن لأحد أن يتصوّر أنه سيربح شيئاً ما بالاتّفاق معها؟
عبر هذه المراجعة التاريخية الصغيرة، من الإمام الصدر إلى ديغول، تأكّد لنا جليّاً أنّ حلّ مشكلة لبنان وفلسطين يبدأ بانسحاب المحتلّ، لا بنزع سلاح من يكافح المحتلّ بالوسائل المتاحة أمامه. لو حُيّدت الفصائل المقاتلة عن مواجهة الاحتلال، فستنشأ مقاومة جديدة عاجلاً أم آجلاً، شبيهة أو مختلفة، لأنّ الاحتلال وعدم محاكمة مَن يرتكب جرائم حرب ومحاولة إبادة شعوب بأكملها – أي إفلات إسرائيل من العقاب على جرائمها المتعدّدة والموثّقة – هما العنصران اللذان يخلقان المقاومة، والنضال المسلّح الذي يبقى الوسيلة الوحيدة أمام شعوب تركها المجتمع الدُّولي والدول الكبرى والصغرى.
إذا أُهمل أهل الجنوب والبقاع وتُركوا وحدهم أمام القتل والدمار والتهجير القسري، فستظهر مقاومات جديدة، حتى لو نُقلت المقاومة الإسلامية وغير الإسلامية إلى المرّيخ أو القمر. فإذاً، لمن أراد إنهاء ظاهرة المقاومة في لبنان وفلسطين، فليعملْ على انسحاب المحتلّ أوّلاً، لأنه يمثّل بوّابة الحلّ الوحيدة إذا أراد حقّاً تلاشي السلاح، وقيام السلام، وتثبيت الاستقرار.
إنّ الاحتلال والظُّلم المترتّبان عنه يؤدّيان بالضرورة إلى انتفاضة الناس، وإلى المقاومة المباشرة في نهاية المطاف، وهذا أمر مفروغ منه، تكرّره التجارب التاريخية المختلفة عبر القرون والقارّات، من الجزائر إلى فييتنام مروراً باليمن وأفغانستان. مهما كانت قوّة المهاجم، فإنّ المحتلّ يُضطرّ إلى الانسحاب، فهو باب الحلّ الوحيد. إنّ المقاومة ثمرة الاحتلال، فمَن أراد نزع الفاكهة، فليقطع الشجرة التي أنبتتها.
* باحث فرنسي - الجامعة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس
