أين اليسار وأين موقعه في الصراع الراهن؟!

لا يُطرح هذا السؤال، أو التساؤل، بسبب صعوبة التّمييز والاختيار بشأن تموضع اليسار الوطني اللبناني في مشهد الصّراع الراهن. المشهد هنا شديد الوضوح لجهة الفرز والاصطفافات الطبيعية أو المنطقية بهذا الصدد. اليسار قوة تغيير، بأفق اشتراكي غالباً، في التعريف وفي الممارسة. ولقد اكتسب الطرف الأهم والأشمل فيه (الشيوعي)، تاريخياً، في ضوء التجارب المتعددة، سمات جذرية وثورية، غذّتها نظريات وأفكار ومناهج نظرية ريادية بالاستنتاجات ذات الدينامية الجدلية المرتبطة بالعلم وباكتشافاته، وبالظروف وتحولاتها ونضوجها، وبالممارسة وتجاربها الصائبة أو الخاطئة.
بيد أن الطرف الشيوعي المذكور، هو، في الواقع، الأكثر تضرراً من انهيار المنظومة السوفياتية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وبسبب ذلك، بالدرجة الأولى، عانى ولا يزال من أزمة متواصلة تحتاج إلى توقف مطوّل وعميق لجهة الأسباب والاستنتاجات والمعالجات.
المشهد الراهن في لبنان والمنطقة لا يتطلب الكثير من إعمال الفكر أو الجهد التحليلي طلباً لإدراك طبيعة الصراع وأطرافه، وبالتالي لبلورة الاستنتاجات التي تقود إلى تحديد التموضع الضروري والصحيح. الولايات المتحدة، في ظل إدارتها الترامبية الراهنة التي أضافت إلى سمتها النيوليبرالية النزعة العنصرية والإمبراطورية العابثة والمتطرفة، تقود، عبر الكيان الصهيوني، وبأكثر الوسائل همجية ووحشية محاولة تنفيذ مشروع سيطرة مباشرة على «الشرق الأوسط الكبير». ينشط في هذا السياق مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي بات علنياً ورسمياً، وقيد التنفيذ هو الآخر.
يحصل ذلك بشكل صريح ووقح واستفزازي وتدميري وتهجيري من دون أي اعتبار لكل القوانين الدولية والإنسانية. يعيش العالم، منذ حوالى السنتين، كابوس تدمير غزّة وإبادة شعبها. أدّى ذلك، حتى الآن، إلى قتل أو فقدان أو جرح حوالى 15% من سكانها، فيما يتهدّد الموت، بالتجويع والقتل والأمراض والأوبئة، كل سكانها البالغ عددهم أكثر من مليونين والذين تم تهجيرهم ومطاردتهم مراراً وتكراراً بعد تدمير حوالى 85% من بيوتهم ومؤسساتهم ومرافقهم بهدف طردهم وتشتيتهم نهائياً!
بالنسبة إلى لبنان، رعت واشنطن اتفاقاً مخادعاً، بين حكومته والعدو الصهيوني، تحت عنوان «وقف الأعمال العدائية». اكتشف اللبنانيون والعالم أنه تكرار لمعادلة: «خلعت صاحبي، ثبت صاحبي»! تواصل إسرائيل عدوانها في كل لبنان وبكل الأشكال: برعاية «الوسيط» و«المراقب» الأميركي لتحقيق مكاسب صافية (عجزت عن تحقيقها قبل وقف القتال من طرف واحد!) على حساب سيادة ووحدة لبنان ومصالح شعبه في الاستقرار والحرّية والتقدّم. في السياق نفسه، أنضجت واشنطن انقلاباً في سوريا عبر أحد عملائها.
باشر الجيش الإسرائيلي فوراً حملة عدوانية شاملة لتدمير كل المؤسسات والمرافق العسكرية السورية. لم يبقَ في سوريا سوى خليط هجين من العصابات التي تدير عملية تفكيك «قلب العروبة النابض» وتمزيق وحدته وتشتيت مكوناته ومناطقه خدمة لأمن الكيان الغاصب والإرهابي ولمشروع السيطرة الأميركي على المنطقة.
في هذا المناخ، بُذل ويبذل جهدٌ خاص، ملحّ واستفزازي، تحت عنوان «سحب سلاح المقاومة»، لإحداث انقلاب جذري في الوضع اللبناني. لبنان تفرّد بمقاومته الشعبية التي فاجأت العالم والصهاينة وداعميهم بالدرجة الأولى، بأنها تميّزت بقدرتها، رغم هشاشة الوضع اللبناني ورغم استمرار الحرب الأهلية فيه، على فرض انسحاب مذل وغير مشروط للعدو الصهيوني المحتل. اقترن ذلك بإلحاق هزائم بحماته الأطلسيين الذين أرسلوا أساطيلهم لتكريس الاحتلال الإسرائيلي وتثمير نتائجه لمصلحة الغرب الاستعماري وأداته المشروع الصهيوني.
إنّ ما يحدث منذ اتفاق «وقف الأعمال العدائية» قبل حوالى 8 أشهر، هو عملية عسكرية سياسية أمنية، خارجية – إقليمية وداخلية، من أجل الانتقام من الشعب اللبناني بكل الوسائل المتوافرة وصولاً إلى تصعيد العدوان، أو إثارة فتنة داخلية وحرب أهلية، أو هذه مجتمعة: لتفتيت البلد وتدميره وتقسيمه إلى مجموعات متناحرة... خدمة للقوى المعادية، القريبة والبعيدة، التي تريد تدمير دوره المقاوم وإنجازاته التحريرية المشهودة.
هذه هي بعض الملامح الأساسية للمشهد الذي يمرّ به لبنان. وإذا كان ذلك صحيحاً، وهو كذلك بالتأكيد، فإن الموقف الطبيعي لكل جهة وطنية، وخصوصاً اليسار اللبناني، هو في الانخراط في معركة مواجهة المخططين الأميركي والإسرائيلي بكل الطاقة الممكنة وبكل الوسائل الضرورية.
للأسف، ليس الأمر على هذا النحو الآن: اليسار بوصفه هذا، لم يجد، كتيار سياسي ذي تاريخ حافل بالإنجازات في حقل المقاومة ضد العدو وحماته، السبيلَ إلى أن يتوحّد في نطاق مشروع وخطّة وقيادة، ولو بالحدود الدنيا. لا شكّ أنّ تطوّرات في العالم، وأخرى في المنطقة وفي لبنان، فضلاً عن أزمات وصعوبات ذاتية، قد تركت ندوباً ومشكلات متنوّعة في مسيرة اليسار وخصوصاً في صفوف أطرافه الأكثر جذرية: لجهة النظر في مجمل التجربة، وأسباب الانهيار ودروسه... ثم لجهة استئناف الكفاح وبلورة الكيفية الأفعل للانخراط في الصراع ضد القوى الإمبريالية الأطلسية وأدواتها الإقليمية والمحلية.
تناولت هذا الأمر في سلسلة مقالات سابقة تحت عنوان «نقاش في الفعل التحرّري العام». أكتفي الآن بالقول إن وضوح الفرز في الصراع من جهة، وازدياد هامشية التيار الوطني اليساري العام في مشهد الصراع الراهن، من جهة ثانية، يمليان أنّ تسارع الأطراف اليسارية الوطنية المعنية إلى التحرّك من دون المزيد من التأجيل. المخاطر والخسائر كبيرة ومرشحة لتصبح أكبر وأخطر. أمّا الهدف فمزدوج:
أولاً، القيام بواجب وطني وقومي تحرّري في وضع مصيري في لبنان والمنطقة.
ثانياً، تحويل هذا الخيار إلى عامل استنهاضي وتوحيدي لصفوف التيار المذكور ولمعالجة أزمات مكوناته في الوقت نفسه.
إنّ مثل هذا التحوّل يتطلّب الانخراط في ورشة رشيقة ومسؤولة ومصمّمة وشاملة لمراجعة السياسات والعلاقات، ولتحديد المهمّات والأولويات المشتركة. ذلك هو أضعف الإيمان لكي لا يصبح العجز والانكفاء دائمين وقاتلين!
* كاتب وسياسي لبناني
