ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

العقيدة الجديدة: أيديولوجيا إنكار الأيديولوجيا

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
رامي أسوم
رامي أسوم
السبت 6 أيلول 2025
الخط

منذ منتصف القرن العشرين، بدأت تظهر بين حين وآخر صيحات تعلن أن البشرية دخلت عصر «ما بعد الأيديولوجيا»، وكأن الناس قد تعبوا من الأفكار الكبرى، من الشعارات الشمولية، ومن وعود الخلاص. الأميركي دانيال بيل كان من أوائل من صاغوا هذا الخطاب في الخمسينيات بكتابه الشهير «نهاية الأيديولوجيا»، إذ قدّم المجتمع الصناعي الحديث كعالم لا يحتاج إلى رؤى سياسية كبرى، بل إلى تقنيات إدارة وعقلانية عملية. وبعد عقود، جاء فرانسيس فوكوياما في التسعينيات ليعلن أن التاريخ نفسه انتهى، وأن الديموقراطية الليبرالية والسوق الحر أصبحا الشكل النهائي لتنظيم المجتمعات. ومنذ ذلك الحين، انتشرت فكرة أن الأيديولوجيات صارت عبئاً وأننا في زمن «الواقعية» و«العلمية».

في العالم العربي، ومع تعمّق الأزمات، انتقلت هذه المقولة إلى ألسنة السياسيين والإعلاميين والخبراء الاقتصاديين، حتى باتت لازمة تتكرر في الحوارات التلفزيونية والندوات والبيانات الرسمية: كفانا أيديولوجيات، نحن في زمن الواقعية. الجملة تُقال بنبرة الواثق الذي يظن أنه نزع الغشاوة عن العيون وأنه صار يتعامل مع «الحقائق كما هي». لكن الحقيقة أن هذه الجملة بحد ذاتها هي أيديولوجيا مكتملة الأركان، بل أخطر أنواع الأيديولوجيا: الأيديولوجيا التي تتنكّر لنفسها وتقدّم نفسها كواقع طبيعي، وكأنها ليست خياراً بل قدر.

في لبنان، كلما ارتفعت أصوات مطالبة بالعدالة الاجتماعية أو بإصلاح جذري للنظام، يخرج السياسيون (وجوقاتهم من الإعلاميين) ليذكّروننا بأن «الواقعية» لا تسمح بذلك. الواقعية هنا لا تعني شيئاً سوى الاستسلام لموازين القوى كما هي: نظام طائفي متجذر منذ الطائف، اقتصاد ريعي قائم على المصارف والديون، توزيع ثروة غير عادل. ما يسمّونه واقعية ليس سوى أيديولوجيا سلطوية لتبرير بقاء الوضع القائم.

الأمر نفسه يتكرّر في الاقتصاد على مستوى أوسع. حين تتبنّى الحكومات سياسات اقتصادية معيّنة، لا تقدّمها كخيارات سياسية بل كقرارات تقنية ضرورية. رفع الدعم، الخصخصة، زيادة الضرائب غير المباشرة: كلها تُقدَّم كقوانين طبيعية مثل الجاذبية، بل ويؤتى بأشخاص تُطلق عليهم صفة التكنوقراط (أي حياديين تقنيين) لتنفيذ تلك السياسات (في المناسبة، هذه ليست موضة مستجدة، بل حتى موسوليني استعملها وجاء بحكومة تكنوقراط لتنفيذ سياساته الفاشية للقضاء على النقابات العمالية بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا، والخوف من انتقال العدوى إلى إيطاليا) [Clara Mattei: the capital order].

مَن منّا، مثلاً، لا يتذكّر العبارة التي كان يُرشق بها كل مَن ينتقد سياسة الاستدانة في منتصف تسعينيات القرن الماضي: «ليست المشكلة في حجم الدين، لأننا عندما نكبّر حجم الاقتصاد اللبناني ينخفض حجم الدين بالنسبة إلى الاقتصاد، وتصبح خدمة الدين أسهل». هذه العبارة أصبح يردّدها رجل الشارع كما السياسي. كانت تلك إحدى أخطر سرديات النيوليبرالية التي اكتسحت العالم في تلك الحقبة باعتبارها «عقلانية وعلمية» بينما هي تخفي وراء ذلك تحيّزاً واضحاً لمصلحة أصحاب رأس المال الذين يبحثون عن استثماراتٍ مضمونة بعوائد مرتفعة. ومَن أفضل من الدولة لضمان تلك الاستثمارات؟

ومع أن توماس بيكيتي شرح أنه من المستحيل أن تصح تلك المقولة في حال كانت الفائدة على الدين أعلى من نمو الاقتصاد السنوي (إذا كانت الدولة تقدّم فائدة 17% على سندات الخزينة كما حصل في التسعينيات، فيجب أن يكون النمو الاقتصادي السنوي أعلى من 17% لاستدامة خدمة الدين، وإلا فإننا سندخل في دوامة نحو القعر. والنمو في لبنان لم يصل إلى نصف تلك الأرقام، لكن الفوائد ظلت مرتفعة). ومع ذلك، كان يتم اتهام من يرفع الصوت بأنه «مؤدلج» وبالتالي «متحيّز فكرياً ضد الازدهار والتقدّم».

اللا-أيديولوجيا تلك، هي التي صوّرت للناس (الناخبين) أن مَن يملك الشركات أو يديرها بنجاح هو الأصلح لإدارة البلد، مع أنّ معظم التجارب في التاريخ الحديث أثبتت العكس تماماً. الناس تعلم كل هذا، ومع ذلك فإنها تصرّ على «الإيمان» بقدرة أولئك على انتشالهم من حالتهم المزرية (كما يشرح سلافوي جيجك لاحقاً).

المضحك أنّ مَن يسخر من المؤمنين بالمخلّص المنتظر، ينتظر هو بدوره «المانح الدولي المنتظر»


ألا يدخل كل ذلك ضمن «أيديولوجيا اللا-أيديولوجيا»؟ كيف يقتنع الناس بهذا؟ هنا نستدعي ميشال فوكو الذي بيّن أن السلطة ليست مجرد أداة قمع بل أداة إنتاج معرفة تدخل في الأجساد والعادات. الإعلام اللبناني مثال صارخ: يضبط حدود النقاش ويحدّد ما يمكن التفكير فيه. أي حديث عن إعادة توزيع الثروة أو عن سياسات بديلة يُقدَّم فوراً كـ«شعبوية» أو «خيال». هكذا يتحوّل المواطن إلى ما سمّاه فوكو «جسداً منضبطاً»، يذهب إلى عمله، يتكيّف مع انهيار الخدمات من صحة وتعليم رسمي، ويعيد إنتاج النظام يومياً من دون أن يدري، بل ويعتبر أن الإصلاح يمكن أن يبدأ مثلاً عبر تجميل الشوارع، أو غير ذلك من المظاهر السطحية، من دون المساس بأصل المشكلة: التوزيع العادل للثروة والدخل.

قد يقول بعضهم، نحن نقصد بالأيديولوجيا تلك الغيبيّة منها: انتظار المخلّص أو تدخّل السماء في ما يجب أن يجري على الأرض. لكن لا أحد يشرح لنا كيف نواجه تحالف اللا-أيديولوجيا (أميركا) مع الأيديولوجيا الغيبية (إسرائيل) للسيطرة على ثرواتنا وقراراتنا السيادية، واحتكارهم للقوة العسكرية وضربهم لكل القوانين الإنسانية و«الإلهية» معاً بعرض الحائط. هل كان الفلسطينيون ليستطيعوا الصمود لحد الآن من دون اعتمادٍ على الغيبيّات؟ وهل كان اللبنانيون قادرين على تحرير الجنوب من دون وعودٍ إلهية؟
أمّا المقارنة مع باقي الشعوب كالفيتناميين مثلاً يقودنا مباشرةً نحو تبنّي أيديولوجيات (الشيوعية) أخطر من تلك الدينية بالنسبة إلى الداعين إلى نبذ العقائد واعتناق الواقعية.

المضحك أنّ مَن يسخر من المؤمنين بالمخلّص المنتظر، ينتظر هو بدوره «المانح الدولي المنتظر». مَن يضحك على وعد النعيم في الآخرة، يَعِد بازدهار بعد عشرين سنة من الإصلاحات. مَن يسخر من الغيبيّات، يقدّس القوّة الغاشمة. هي غيبيّة بلغة جديدة. في لبنان، مؤتمرات «باريس 1» و2 و3 و«سيدر» تحوّلت إلى طقوس حج اقتصادي: ننتظر المانحين كما ينتظر المؤمن معجزة السماء. ننزع نقاط القوة الوحيدة في لبنان مقابل «احتمال ألا تهاجمنا إسرائيل وتدمر مدننا»... أليست هذه غيبيّة احتمالية تتعلّق بقرارٍ من الأميركي والصهيوني، لا سلطة لنا عليه ولا تأثير سوى بالدعوات والابتهال؟ بماذا تختلف إذاً عن الغيبيّات الإلهية؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المواطن الذي يرفض الأيديولوجيا ظنّاً أنه متحرّر، يصبح العبد الأكثر طاعة. لأنه حين يتخلّى عن الأيديولوجيا، يترك فراغاً تملؤه السلطة. يتبنّى نظرتها إلى دوره: مجرد فرد في سوق، ناخب كل أربع سنوات، مستهلك يحرّك الاقتصاد. يتبنّى أيضاً منطقها في التوزيع: «مَن يعمل أكثر يربح أكثر»، مع أنّ أكبر الثروات يتم جمعها ليس من العمل، بل من الميراث والاحتكار. هكذا يتحوّل المواطن إلى أداة لإعادة إنتاج النظام.

سلافوي جيجك يشرح هذه المفارقة بدقة؛ الأيديولوجيا ليست فقط ما نؤمن به، بل ما نفعله من دون أن نفكر. هو يلخصها بجملته الشهيرة: «هم يعرفون جيداً ما يفعلون، ومع ذلك يفعلونه». المواطن اللبناني يعرف أن السياسي يكذب، يعرف أن المصرف يسرق، يعرف أن السوق لا يعمل، لكنه مع ذلك يتصرّف كأن كل شيء طبيعي. الأيديولوجيا تعيش في الممارسات اليومية، في المزاح والاستهلاك والاعتياد، وفي مفهومنا لمعنى «النجاح». ومَن يظن أنه خرج منها، يعيشها بأكثر صورها صفاء.

جاك لاكان، بدوره، يذهب أعمق حين يقول: «الرغبة هي رغبة الآخر». ما يعني أن الإنسان لا يعرف ما يريد، بل يرغب وفق ما يحدّده الآخر الكبير: الإعلام، الدولة، السوق، أميركا. المواطن الذي يظن أنه يريد فقط حياة طبيعية من دون «فلسفات عميقة/ عقيمة»، هو في الحقيقة يرغب بما أُملي عليه من فوق. حتى رفضُه للأيديولوجيا هو رغبة مستعارة. لاكان يعلّمنا أن ما يبدو طبيعياً أو محايداً هو في جوهره مشبع بالرموز.

أمّا توماس بيكيتي، فيذكّرنا أن كل نظام استغلالي عبر التاريخ احتاج إلى تبرير. في الإقطاع كان التبرير هو الحقّ الإلهي وجذور العائلة، في الاستعمار خطاب الحضارة، في الرأسمالية الصناعية فكرة الكفاءة الفردية، وفي النيوليبرالية الحالية خطاب الواقعية الاقتصادية، وكل تلك التبريرات تستند إلى أيديولوجياتٍ يتم غرسها في العقول لهدف معيّن: إبقاء الواقع على حاله بالنسبة إلى مَن يملك السلطة.

لبنان تجسيد مثالي لهذه السلسلة: أزمة الدين العام تُقدَّم كحقيقة مطلقة، بينما هي نتيجة خيارات سياسية محددة أملتها علينا أيديولوجيا اللا-أيديولوجيا (النيوليبرالية) التي سادت في بدايات القرن الواحد والعشرين. لكن الخطاب السائد يحوّلها اليوم إلى قدر يتطلّب مزيداً من التقشف يدفع ثمنه موظفو القطاع العام بتآكل رواتبهم، والمواطنون بتدهور الخدمات الرسمية.

إذاً، ليست المشكلة في وجود الأيديولوجيا، بل في إنكارها وإنكار دورها الدافع للشعوب نحو التحرّر الحقيقي. ليست المشكلة في الشعارات، بل في الشعارات التي تدّعي أنها ليست شعارات. مَن يصرخ: كفانا أيديولوجيات! لا يفعل سوى أن يردّد أيديولوجيا بعينها – أيديولوجيا السلطة بوجهها النيوليبرالي. وما نحتاجه اليوم ليس أن نتظاهر بالحياد، بل أن نختار أيديولوجيا بديلة نعلنها بلا خوف: أيديولوجيا العدالة الاجتماعية، السيادة، والتحرّر من الهيمنة المالية والثقافية.

أمّا أولئك الذين يظنّون أنفسهم عقلانيين لأنهم يرفعون شعار «الواقعية»، فهم في الحقيقة يعيشون في أساطير لا تقل سذاجة عن أي أسطورة دينية من العصور السحيقة. وما السخرية الأكبر إلا أن دعاة «اللا-أيديولوجيا» يبدون كأنهم تحرروا من الطفولة الفكرية، لكنهم في الحقيقة عادوا إليها: يصدّقون حكاياتٍ خرافية عن ليبرالية فرضها الغرب عليهم من فوق، ويتخلّى عنها اليوم لمصلحة أيديولوجية جديدة تقوم على «مصلحتي فوق كل اعتبار وأعلى ما في خيلكم اركبوه».

* باحث لبناني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك