فلك لبنان وكواكبه

دائماً ما انْهَوسَ لبنان واللبنانيون بالتنجيم الفلكي، وتُرجم هذا الهوس هلوسات ونبوءات متلفزة كلما تزامن البث التلفزيوني الفضائي مع ما توافق عليه جزء من البشر على أنها نقطة إتمام كوكب الأرض لدورة في فلك الشمس وبداية دورة جديدة في دورانٍ لا متناهٍ.
مع الوقت وتكرار تلك الظاهرة عاماً بعد عام قد يكون قد اختلطت الكواكب على البعض من كثر الدوران، وفي هذه الحالة لا بدّ للمرء أن يرتكز على أرض يظنها ثابتة بعض الشيء لاستعادة بعض من توازنه وحس الاتجاه. المشكلة تكمن في أن هناك مَن يظن أن تلك الأرض الثابتة التي تعيد التوازن للمرء الدائخ هي لبنان، لا بل يصبح هو نقطة الارتكاز التي تدور في فلكه كواكب الكون.
ففي أسبوع مليء بالأحداث الكونية ظنّت كوكبة من اللبنانيين أن مسار الكوكب تحدّده جلسة وزارية يحضرها اليوسفان صدّي ورجّي مساء يوم جمعة في آخر أيام الصيفية.
يدور كل ذلك على كوكب يا سلام الحكومي والذي يمكن رؤيته بوضوح على كل الشاشات التلفزيونية والتليفونية، ولكنها ليست الظاهرة الفلكية الوحيدة في سماء لبنان.
هناك في لبنان اليوم، الآن وهنا، كويكب انتخابي نيابي يجوب المناطق ويمكن رؤيته بالعين المجرّدة في ساحات القرى والبلدات التي تسطع فيها شمس الديمقراطية.
بعد النجاح الباهر للعرس البلدي الربيع الماضي لا بد من تكريس المشاركة الشعبية في التشريع عبر تجديد البيعة للمتأصلين من النواب وتغيير التغييريين منهم ليبصم البرلمان الجديد على حكومة سلامٍ ثانية أو على حكومة سلامٍ آخر تحدد مصير الكوكب الصيف المقبل تنفيذاً لنزوات من يرتئيه دونالد ترامب (أو جي دي فانس لهواة إشاعات المنصات) خليفة لسلالة أورتاغوس - برّاك.
أكبر المتحمسين على الفرط صوتية التفضيلية في الانتخابات البرلمانية القادمة هو رئيس الجمهورية والسيدة الأولى اللذان تسلّلا إلى بعبدا من دون أن يختبرا التصويت الشعبي، ويريدان أن يثبتا أنهما فعلاً يملكان دعماً شعبياً، وكتلة نيابية، أكبر مما يملكه… نواف سلام. السؤال الفلكي العلمي الوحيد هنا هو هل تبقى رؤية أي شهب لنيزك نوّاف ممكناً إذا ظهر مذنّب أحمد الحريري في الجو مثلاً؟
هواة التنجيم يهوون التنجيم ولكنه ليس تنجيماً إن لم يكن مستنداً إلى النجوم بل إلى طبخة بحص. لسنا من هواة التنجيم ولا «التبحيص». والارتكاز على أرض ثابتة لاستعادة التوازن لا يكون بطمر الرأس في رمل أرضنا بل بالحفر الأعمق في صخرنا والغوص إلى قعر بحرنا.
اليوم على الكوكب هناك أحداث قد تشعل حروباً في بحر الصين الجنوبي، حيث تتناطح قارات كوكبنا واقتصاداتها، وفي بحر الكاريبي الذي يفصل شمال أميركا الإمبريالي عن جنوبها الذي يدور في فلكه ثوارٌ ومتذبذبون؛ وفي البحر الأحمر، إحدى جبهات مقاومة الأحرار الحيّة.
وهناك كوكب تدور فيه أحداثٌ وأحداث يمتد من حلب وريفها شمالاً إلى صنعاء جنوباً، ولا حدود له لا شرقاً ولا غرباً. كوكب في فلك لبنان وعاصمته غزة. بعيداً من الشاشات ومن التنجيم واللف والدوران، في عالم تتسارع متغيّراته، ويتداخل فيه المتخيّل مع الواقع… لا كوكب لنا إلا هذه الأرض، ولا أرض حق إلا فلسطين.
* كاتب من أسرة «الأخبار»
