مبادرة «الحوكمة العالمية» الصينية: بديل في زمن انهيار الهيمنة الأميركية

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أخذت موازين القوة الدولية تنزاح تدريجياً عن المركز الغربي نحو الشرق، لكنّ الانعطافة الأكثر وضوحاً جاءت مع إعلان الصين عن مبادرة «حوكمة عالمية» جديدة خلال قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» منذ أيام في مدينة تيانجين الصينية. ولم يكن هذا الإعلان مجرّد بيان بروتوكولي يُضاف إلى سلسلة الشعارات المتداولة في المحافل الدولية، وإنما محاولة جادّة لصياغة قواعد بديلة لإدارة النظام العالمي، في وقت يتصدّع فيه المشروع الأميركي الذي ارتكز لعقود على التفرّد بالقوة العسكرية والمالية، والذي يمرّ اليوم بأزمات بنيوية داخلية وخارجية تكشف محدودية قدرته على الاستمرار.
وهكذا، فإن ما طرحته بكين لا يندرج في إطار المناكفات الدبلوماسية، إنما في مسار تاريخي يعكس تغيّراً نوعياً في بنية النظام العالمي. وعندما تحدّث الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن مبادئ «الحوكمة العالمية»، فهو قدّم صياغة واضحة لبديل واقعي يقوم على احترام سيادة الدول والمساواة بين الشعوب والالتزام بالقانون الدولي، في مواجهة منظومة فرضت على مدار العقود منطق القوة والسيطرة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تسوّق نفسها باعتبارها قائدة لـ«العالم الحر»، فإن التجربة العملية في بلدان مثل فيتنام وكوبا وأفغانستان والعراق وصولاً إلى حرب أوكرانيا، كشفت أن «الحرية» في قاموس واشنطن لا تعني سوى توظيف الهيمنة لمصلحة شركات السلاح والطاقة والمضاربة المالية. ومن هنا، جاءت المبادرة الصينية بمثابة تحدٍّ مباشر للمنظومة التي لم تَعُد تملك شرعية أخلاقية أو سياسية، وأصبحت عنواناً لأزمات متلاحقة تقود إلى الفوضى أكثر مما تنتج استقراراً.
واللافت أن طرح بكين لا يقتصر على الجانب النظري، وإنما يندمج في سياق مؤسساتي متنامٍ يشمل منظمة «شنغهاي»، ومجموعة «البريكس» الموسّعة، ومشاريع «الحزام والطريق»، وكلها أطر تترجم عملياً فكرة التعددية في العلاقات الدولية. ولعلّ انضمام إيران إلى «شنغهاي»، وما رافقه من حضور واسع لقيادات آسيوية وأوروبية وأفريقية، كل ذلك يوضح أن المبادرة ليست مجرد مشروع صيني ضيّق، وإنما تمثّل رغبة جماعية في إعادة تشكيل العالم بعيداً عن الإملاءات الغربية.
ومع ذلك، تحاول واشنطن تصوير هذه الخطوات كتعبير عن «استبداد صيني»، متجاهلة بطبيعة الحال أنّ النظام الدولي القائم يعاني أصلاً من «عجز ديمقراطي» صارخ، حيث تسيطر الولايات المتحدة على المؤسسات المالية والعسكرية وتفرض سياساتها من دون أي تفويض شعبي عالمي.
على أن التناقض بين الرؤيتين يتجلّى في طريقة تعامل كل طرف مع مفهوم الشرعية؛ إذ بينما تصرّ واشنطن على اختزال الشرعية في مؤسسات تهيمن عليها قلة من الدول الكبرى مثل «مجلس الأمن» و«صندوق النقد» و«البنك» الدوليين، تطرح بكين رؤية بديلة تُعيد الاعتبار إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الوصاية. وفيما تكتسب فكرة «سيادة القانون الدولي» التي تتبناها الصين معنىً مختلفاً حين نضعها مقابل سجلّ الولايات المتحدة المليء بانتهاكات القرارات الأممية، من فلسطين إلى فنزويلا، يمكن القول إن المبادرة الصينية تسعى إلى تحويل القانون الدولي من أداة انتقائية بيد الأقوياء إلى قاعدة عامة ملزمة للجميع، وهو ما يفسّر الالتفاف المتزايد حولها من دول الجنوب العالمي التي عانت طويلاً من تدخلات الغرب الاستعماري.
وإلى جانب ذلك، يمثّل الملف الاقتصادي، بدوره، محوراً أساسياً في هذه المواجهة؛ فالسياسات الأميركية القائمة على فرض الرسوم والعقوبات والحصار لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الاضطراب في الأسواق وارتفاع أسعار السلع وتراجع الثقة بالمنظومة المالية الدولية، فيما تبنّت الصين، في المقابل، استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء والحد من الاعتماد على الدولار مع توسيع نطاق التعامل بالعملات المحلية والذهب. وقد بدا ذلك جلياً في قرار بكين التوقف عن استيراد الغاز المُسال من الولايات المتحدة وتعويضه بزيادة الواردات من روسيا، وهو ما شكّل رسالة واضحة بأن سلاح الطاقة لم يعد ورقة حصرية بيد واشنطن. وهنا، يتضح أن «الحوكمة» الصينية لا تُختزل في الخطاب السياسي وإنما تنعكس في إعادة هيكلة ملموسة للتبادلات الاقتصادية بما يحدّ من قدرة الهيمنة الأميركية.
لكنّ النقاش لا يمكن أن يقتصر على الاقتصاد وحده، فالصراع في تايوان وبحر الصين الجنوبي يكشف الوجه العسكري للمواجهة، حيث تسعى واشنطن إلى تطويق الصين عبر تحالفات مع الفيليبين واليابان وأستراليا، بينما تردّ بكين بمناورات بحرية وجوية تؤكد سيادتها على محيطها الإقليمي. ومع ذلك، فإن مبادرة «الحوكمة» الصينية تعكس إدراكاً بأن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتأسيس نظام دولي جديد، وأن المطلوب هو بناء شرعية سياسية تعطي هذه القوة بعداً أخلاقياً وإنسانياً.
ولذلك، يلحّ الخطاب الصيني على محورية الإنسان في مركز «الحوكمة»، في إشارة إلى أن الهدف ليس فرض وصاية جديدة بل إقامة شراكة متوازنة، حتى وإن ظلّت القوة العسكرية والاقتصادية الصينية هي الضامن العملي لهذه الرؤية.
والمفارقة أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة يعاني منذ سنوات من «عجز ديمقراطي» وصفه علماء الاجتماع بأنه «أزمة بنيوية» في «الحوكمة العالمية»، في وقت تفرض فيه المؤسسات المالية الدولية، مثل «صندوق النقد» و«البنك» الدوليين سياسات تقشّف على شعوب الجنوب من دون أي تفويض أممي، في حين تحتكر واشنطن قيادة «الناتو» واستخدام القوة العسكرية خارج أي إطار ديمقراطي عالمي. وإزاء ذلك، أصبح العالم في وضع تُقرّر فيه أقلية حاكمة مصائر الشعوب، من دون أن يكون لها أي وسيلة لمحاسبة تلك القوى، وهنا بالضبط تكتسب المبادرة الصينية معناها بوصفها محاولة لسدّ الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الديمقراطية والواقع الذي يجعلها مجرد أداة للهيمنة.
وفي الواقع، تتجاوز المبادرة الصينية فكرة إصلاح المؤسسات القائمة لتطرح إمكانية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وربما تمهيد الطريق نحو شكل من «الحوكمة» يتسع ليشمل قوى المقاومة العالمية. وفي هذا الإطار، فإن حضور إيران، والدعم الذي تبديه روسيا، والتحالفات المتنامية في أميركا اللاتينية وأفريقيا، كل ذلك يعكس أن الرهان ليس محصوراً بصراع بين قوتين عظميين، وإنما بتبلور محور عالمي واسع يبحث عن فضاء أرحب للتنمية والسيادة. ورغم كون ذلك المحور غير متجانس أيديولوجياً، فهو يتقاطع في رفضه للإمبريالية والهيمنة الأميركيتيْن، وفي إصراره على أن العالم لم يعُد ملكاً حصرياً لواشنطن وحلفائها.
قد يقول البعض إن المشروع الصيني لا يزال في بداياته، وإن العالم لم يختبر بعد مدى قدرة بكين على تحويل المبادئ إلى قواعد ملزمة، لكنّ الوقائع الملموسة تكشف أن واشنطن هي الطرف الأكثر ارتباكاً اليوم: فهي تخسر حلفاءها التقليديين في أوروبا وآسيا، وتواجه انقسامات داخلية عميقة، فيما يزداد اعتمادها على «عسكرة» الأزمات (فنزويلا مثالاً) لتأجيل الانهيار وتراجع هيمنتها.
وفي المقابل، تبدو الصين أكثر ثقة بالزمن، بينما تراكم قوتها تدريجياً وتعيد نسج العلاقات الدولية بخيوط من الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، دون ادّعاء قيادة منفردة.
والفارق، هنا، أن المبادرة الصينية لـ«الحوكمة العالمية» ليست مجرد مشروع دولة تسعى إلى تعزيز نفوذها، وإنما جزء من دينامية أوسع تسعى إلى إعادة توزيع السلطة على المستوى العالمي وربط مفهوم الديمقراطية بالمصلحة الإنسانية العامة لا الاحتكار الغربي، إذ لا تعرض بكين نفسها باعتبارها «شرطياً عالمياً» كما تفعل واشنطن، وإنما تطرح نفسها باعتبارها شريكاً يسعى إلى موازنة المصالح وحماية السيادة الوطنية للدول. كما أن المبادرة الصينية ليست معزولة عن السياق التاريخي لصعود قوى الجنوب العالمي؛ فمنذ عقود والأنظمة الغربية تواجه احتجاجات متصاعدة على سياسات المؤسسات المالية، من «معركة سياتل» عام 1999 إلى الحركات المناهضة للعولمة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
وعلى أيّ حال، فإن ما يطرحه الصينيون لا يدّعي أنه الطريق الوحيد أو النهائي، لكنه يفتح أفقاً لنقاش عالمي حول معنى «الحوكمة» في القرن الحادي والعشرين: فإمّا أن يستمر النظام الدولي في مساره الراهن القائم على التفرد الأميركي وما يحمله من حروب وعدوان وصعود للكيان الصهيوني كأداة متقدّمة للهيمنة في عالمنا العربي، أو أن يتّجه العالم تدريجياً نحو صيغة أكثر توازناً تستند إلى التعددية والشراكة واحترام السيادة. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح العقود المقبلة.
غير أن المؤكد أن لحظة الانكشاف التي تمر بها الإمبراطورية الأميركية، تجعل من المبادرة الصينية خياراً جذاباً للكثير من الشعوب والدول الباحثة عن الخلاص من إرث طويل من الاستعمار والاستغلال. ولا شكّ أن ما تقدّمه بكين اليوم من شأنه أن يجد صدى في هذه التجارب الشعبية التي خبرت أن النظام الدولي القائم غير قابل للإصلاح من الداخل، وأن البديل لا يمكن أن يولد إلا من خارج منظومة الهيمنة. وهكذا، يعيد التاريخ فتح أبوابه، وهذه المرة ليس من بوابة الغرب، بل من الشرق الذي يعرض على العالم مشروعاً يتجاوز منطق القوة إلى منطق المشاركة، ولو على طريق طويل محفوف بالتحديات.
* باحث عربي من مصر
