كيف حوّل «7 أكتوبر» فلسطين إلى مركز «الوعي العالمي»

أثار السابع من أكتوبر تحوّلاً دراماتيكياً في السردية الفلسطينية داخل الغرب. تحوّل لا يمكن تجاهله مهما كانت الخسائر الميدانية أو مهما كان حجم التضحيات.
على مدى عقود طويلة، هيمنت الرواية الإسرائيلية على الرأي العام العالمي، حيث جرى تصوير إسرائيل كـ«واحة ديموقراطية» وسط محيط متخلّف وهمجي وغير متحضّر، بينما همّشت الرواية الفلسطينية ووصفت بالتطرّف والعنف. لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر، قلب هذه المعادلة رأساً على عقب.
صحيح أنّ غزة دفعت أثماناً باهظة وغير مسبوقة في تاريخ القضية الفلسطينية، والحديث هنا عن عشرات آلاف الشهداء والمآسي الإنسانية، عدا عن الدمار غير المسبوق، إلا أنّ هذه التضحيات كشفت للعالم الوجه الحقيقي لإسرائيل، الذي جرّبت إخفاءه عبر السنين أو تمويهه بصورة الحضارة والديموقراطية. ما حدث ويحدث في غزة لم يترك مجالاً للالتباس. أطفال يموتون جوعاً وأحياء سكنية وأبنية وأبراج ومخيمات تسوّى بالأرض، وصحافيون يقتلون عمداً، وجيش يفاخر بجرائمه أمام الكاميرات. حتى أنّ الأمم المتحدة لم تجدْ بدّاً من إدراج إسرائيل على «قائمة العار» الخاصة بقتل الأطفال.
وبينما اعتبر البعض أنّ المقاومة الفلسطينية هي من جرّت غزة إلى هذا المصير القاسي، رأى آخرون ـــــــ ومعهم كثير من الشارع الغربي ـــــــ أنّ ما حدث يمثّل انتصاراً لسردية القضية الفلسطينية. إذ أعاد صوت الفلسطينيين وقضيّتهم إلى الواجهة، وصار الحديث عن حقوقهم وعدالة قضيّتهم أمراً لا يمكن إسكاته، ولا مفرّ منه في أنحاء العالم.
عمّت التظاهرات أوروبا وأميركا، ومعها المواقف العلنية لفنانين ورياضيين ومؤثّرين عالميين، والاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين من قبل بعض الحكومات الغربية، كل ذلك يشير إلى أنّ التضحيات لم تذهب سدى. بل إنها صنعت تحوّلاً إستراتيجياً في صورة إسرائيل، التي سقطت كرمز ديموقراطي وصارت ترى ككيان استعماري استيطاني يمارس الإبادة.
إنّ انقلاب السرديّة بعد السابع من أكتوبر ليس تفصيلاً عابراً، بل هو لحظة تاريخية أعادت الاعتبار إلى الرواية الفلسطينية بعد عقود من التهميش. ورغم الدماء والدمار، فإنّ القضية الفلسطينية ستخرج أكثر حضوراً في الوعي العالمي، وهو مكسب إستراتيجي لا يقّل أهمّية عن أي إنجاز على الأرض.
والنصر لا يحسم فقط بالحروب، فكثيرون عبر التاريخ ربحوا المعركة العسكرية، لكنهم هزموا في النهاية، فكان نصرهم تكتيكياً، وهزيمتهم إستراتيجياً... على طريق النصر الكامل والنهائي.
* صحافي فلسطيني
