إحياء 17 أيّار أم إعدام ميت؟

بعد مرور أكثر من أربعة عقود على توقيع اتفاق 17 أيار، 1983 بين لبنان وإسرائيل، وإلغائه بقانون أقرّه مجلس النواب اللبناني بالإجماع عام 1987، تشهد الساحة السياسية محاولات متجدّدة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لإعادة إحياء هذا الاتفاق. تستند هذه المحاولات إلى تغيّر المعطيات الإقليمية، حيث يزعم الطرفان أن انحسار النفوذ السوري والإيراني المزعوم في لبنان يخلق ظروفاً مؤاتية لفرض هذا الاتفاق من جديد، متغافلين عن إرادة اللبنانيين ورفضهم التاريخي له.
وقد عاد هذا الاتفاق إلى الواجهة -أخيراً- عبر تقرير في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية (آب 2025)، والذي لم يكتفِ بالدعوة إلى إحياء الاتفاق، بل قدّم رؤية إسرائيلية مفادها أن الاتفاق «قائم ولم تنتهكه إسرائيل»، وأن قرار مجلس الأمن 1701 واتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 ما هما إلا تطبيق تدريجي لبنوده. هذه السردية التضليلية تهدف إلى تحميل لبنان مسؤولية التنصّل من اتفاقٍ باطلٍ دستورياً وقانونياً، وُلد ميتاً بسبب إجماع وطني على رفضه.
هذا الاتفاق، الذي جرى برعاية الولايات المتحدة في ذروة الاحتلال الإسرائيلي للبنان، يُعدّ نموذجاً صارخاً لانتهاك السيادة الوطنية عبر آليات قانونية شكليّة.
وقد تضمّن نص الاتفاق وملحق الترتيبات الأمنية إشكاليات جوهرية جعلته أقرب إلى «عقد إذعان دولي» وأدّت إلى إجهاضه:
في نص الاتفاق
- الإخلال بمبدأ السيادة الوطنية والمساواة بين الدول: نصّ الاتفاق على إنشاء «لجان مراقبة مشتركة» ثلاثية (لبنان–إسرائيل–الولايات المتحدة) بمشاركة فاعلة للطرف الأميركي كـ«ضامن». هذا الترتيب لا يعكس وساطة محايدة، بل يُشكّل نظام وصاية دولية ثلاثية ينتقص من حق لبنان في إدارة شؤونه الأمنية والسيادية بشكل مستقل، مناقضاً لمبدأ المساواة في القانون الدولي وللنص الدستوري اللبناني الذي يؤكّد أن لبنان «حرّ سيد مستقل».
- عدم التكافؤ في الالتزامات (عقد إذعان): ألزم النص لبنان بمنع أي عمل عدائي من أراضيه وبتقديم ضمانات أمنية صارمة، في حين جاءت التزامات إسرائيل عامة وفضفاضة (كـ«احترام السيادة») دون آليات تنفيذ ملزمة. هذا الخلل الجوهري يخرق مبدأ «المساواة التعاقدية» المنصوص عليه في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، ويجعل الاتفاق أداة لفرض إرادة الطرف الأقوى.
- الغموض المتعمّد في مسألة السيادة الإقليمية: تجاهل النص بشكل متعمّد الإشارة إلى حدود لبنان الدولية المعترف بها (خطوط 1923/1949) أو ربط الانسحاب الإسرائيلي بقرار مجلس الأمن 425 الداعي للانسحاب غير المشروط. هذا الغموض فسح المجال أمام تفسيرات تخدم التوسع الإسرائيلي وتُضعف الموقف التفاوضي اللبناني.
- تقديم الشروط الأمنية على الاعتراف السياسي: خلافاً لمنطق معاهدات السلام التي تبدأ بإنهاء حالة الحرب والاعتراف المتبادل، فرض هذا الاتفاق على لبنان ترتيبات أمنية قاسية (مناطق منزوعة السلاح، تعاون أمني) قبل ضمان حقوقه السياسية أو استعادة أراضيه، أي إن لبنان مُنح «سلاماً» مُجرّداً من مضمونه السياسي والسيادي.
- التناقض الجوهري مع الدستور اللبناني: وفق المادة 52 من الدستور، تحتاج المعاهدات إلى تصديق مجلس النواب وإصدار مرسوم تنفيذي. ورغم المصادقة البرلمانية الأولية (تحت وطأة الاحتلال ووعود كاذبة)، فإن الطبيعة العميقة للاتفاق، التي تمنح صلاحيات سيادية لهيئات مشتركة، كانت تستلزم تعديلاً دستورياً لم يحصل. والأهم، أن «المرسوم التنفيذي لم يصدر أبداً»، ما جعل الاتفاق غير نافذٍ دستورياً حتى قبل إلغائه رسمياً.
في ملحق الترتيبات الأمنية
الملحق هو حيث يتحوّل الانتهاك إلى نظام قائم بذاته:
- تحويل الجنوب إلى منطقة منزوعة السيادة: إنشاء «منطقة أمنية عازلة» تحت إشراف لجان مشتركة يحوّل الجنوب من إقليم لبناني خاضع للسيادة الكاملة إلى منطقة وظيفتها الأساسية حماية أمن إسرائيل، في انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن وحدة أراضي الدول الأعضاء.
- تفكيك السيادة على القرار العسكري:
(1) تسليم الجنوب لميليشيا عميلة: شرعنة «جيش لبنان الجنوبي» الميليشيا العميلة وإدماجها في هيكل أمني، ما يناقض مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية وتبعيتها للدولة فقط.
(2) تجريد الجيش اللبناني من سلطته: منع الجيش اللبناني من الانتشار في أجزاء من أراضيه وإلزامه بإعادة تنظيم نفسه وفق مواصفات تخدم الطرف الآخر، ما يحوّله من جيش للدفاع عن الوطن إلى حارس حدود لصالح إسرائيل.
(3) تقنين الاحتلال: السماح بـ«دوريات مشتركة» يمنح الجيش الإسرائيلي شرعية للتحرك داخل لبنان، أي استمرار للاحتلال بصيغة «مشروعة».
- الانتقاص من السيادة البحرية والجوية: فرض تنسيق بحري دائم وإشعار مُسبق للتحليق العسكري ينزعان من لبنان سيطرته الحصرية على مجاله الجوي ومياهه الإقليمية.
- الوصاية الأميركية المباشرة: إدراج الولايات المتحدة كطرف «مراقب» في اللجان التنفيذية يمنحها سلطة قانونية فعلية على القرار الأمني اللبناني، متجاوزاً دور الوسيط إلى دور شريك في الإدارة.
خاتمة: لماذا فشل ولماذا يجب أن يبقى ميتاً؟
لم يسقط اتفاق 17 أيار فقط بفعل «الضغط الإقليمي» كما تزعم الرواية الإسرائيلية اليوم، بل سقط لأن شعوباً رفضت أن تُفرض عليها إرادة المحتل، ولأنه انتهك السيادة في صلبها وفي مجالاتها كافّة (السياسية، العسكرية والأمنية، الإعلامية، الثقافية، المالية، الاقتصادية، و...):
- قيّد السيادة براً وبحراً وجواً.
- كرّس عدم التكافؤ وغياب التبادلية.
- تجاهل المرجعية الدولية (كالقرار 425) لصالح ترتيبات ثنائية–ثلاثية مجحفة.
- قدّم الأمن الإسرائيلي على حقوق لبنان السياسية والسيادية.
- ناقض الدستور اللبناني دون اتّباع آليات التعديل الدستوري.
- جعل من الدولة اللبنانية وصياً على أمن عدوها على أراضيها.
إنّ المحاولة الإسرائيلية الحالية لإحيائه، عبر اقتراح «آليات إنفاذ» قاسية (عقوبات تلقائية، عمليات عسكرية «مشروعة»، تحويل عائدات الغاز لتمويل انتشار الجيش وفق الرؤية الإسرائيلية)، هي تأكيد على أن الهدف لم يتغيّر: تحويل لبنان إلى حارس حدود لإسرائيل تحت تهديد العقاب الدائم. إنها ليست دعوة للسلام، بل هي استمرار لانتهاك السيادة بوسائل أخرى.
إنّ عدوّنا لا يخفي مآربه، فهل من ينشد سيادة بلده يسلك مساراً كارثياً يعيدنا إلى مربع الاتفاق الباطل؟ التاريخ يحذّرنا، والسيادة يُدافع عنها ولا يُساوم عليها.
* باحث أكاديمي
