ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لماذا يكرهون أبو عبيدة؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الخميس 11 أيلول 2025
الخط

إنْ بدأنا من الأخير، فهم يكرهون أبو عبيدة لأنه يمثّل بجدارة لسان الحال التاريخي والسياسي لفلسطين. على العرب، أنظمة وحكومات ونخباً سياسية، رسمية وغير رسمية، عبءٌ تاريخي يسمّى فلسطين، ذلك التحدّي والاختبار المستمر للمصداقية والمهدّد للشرعية، فما بالهم لو أنّ لفسطين هذه، لسان ناطق؟ يكثر الحديث عن ما يميّز خطابات أبي عبيدة شكلاً ومضموناً، إنما أجادل أنّ الميزة الحاكمة، لِمن يتتبّع خطاباته وكلماته طوال العقدين الماضيين، هو أنّ تجسيد هذا الرجل ليس مجرّد عملية تحولات الخطاب العربي الإسلامي الفلسطيني، بل أنتج وببراعة، الاختراق الأهمّ: توليفة الخطاب السياسي العربي القادر على مخاطبة وشملِ أكبر شريحة واسعة من العرب والمسلمين وأحرار العالم، كما يشير إليهم هو.

هنا نجد الشاهد على كيف أنّ أولئك الذي يمارسون السياسة والنضال، هم، وبحكم كل من الممارسة وصوابية الهدف والتهديد المستمرّ من العدو وأولوية مجابهته، الأقدرُ على توليد الإجابة الأنجع على سؤال الخطاب السياسي وتطوّره، مقارنة بأي منّا ممّن ننظّر قاعدين.
الملاحظة الأخرى، أنه وفي آخر عقدين، كان المسار السياسي السائد عربياً ولا يزال، هو توليد الفواعل للخطاب السياسي القادر على مخاطبة أقل شريحة ممكنة بأكثر عصبية ممكنة، ورسم تصوّراتها الخاصة عن ذاتها ومستقبلها. حتى أمسى الجميع أقليات، والمسألة ليس لها علاقة بالقلّة والكثرة المتخيّلة للعدد.

فكل الخطاب السياسي العربي، ذو الطابع الديني للطوائف والليبرالي للطبقات الاجتماعية، وكلاهما عبر الوطنيات المحلّية، يقوم عبر تضييق نطاق المخاطَبين بأكبر قدر ممكن، سواء للمذهب أو للطبقة أو الجماعة. ولذلك، تتصرّف كل التيارات السياسية العربية اليوم كالأقليات حيث تمتلك خصالها من القلق والعصبية والعنف والبحث عن الراعي الإقليمي والدُّولي. فالسّمة السائدة أنّ كل تيار سياسي، ومهما بدأ بالتماس القوة الأيديولوجية لخطاب العروبة والإسلام، فإنه مع الوقت يتدهور ويضيق أكثر فأكثر.

على عكس ذلك كله، وحده خطاب أبو عبيدة اتّخذ مسار نموّ وبناء مضادّ منذ غزو العراق وسقوط بغداد، حيث يعمل خطابه على توسيع الشريحة التي من الممكن له مخاطبتها واحتواؤها، حتى وصلنا إلى خطاب يشعر جميعنا أننا المخاطب والمعني به، على مختلف الوطنيات والمِلل والنّحل.

وما يلاحظ هنا أنه وإن كان التاريخ الأيديولوجي العربي منذ القرن الماضي مرّ بتحولات من القومية إلى الحركات الإسلامية وصراعات الحداثة والأصالة والمحافظة والعلمانية وغيرها، فما مثّلته توليفة أبو عبيدة هو أكبر نقطة التقاء في آخر خمسة عقود. فاليوم تحديداً وما بعد «الطوفان»، لا قيمة للعناوين الأيديولوجية العربية من يسار وإسلاميين وليبراليين، فالانقسام السياسي اليوم ثنائي: بين مَن يمارس السياسة بشكل عابر للحدود والهوّيات المحلّية وبين مَن يريد ممارستها محلّياً سواء أكان لبوسُه إسلامياً أم ليبرالياً أم يسارياً.

ولهذا تحديداً يجتمعون على كره فلسطين، ومنه كره أبو عبيدة، فهو يصرّ على مخاطبة العرب لوماً أو تحفيزاً كوحدة سياسية وتاريخية واحدة؛ في عالمه وكأنّ سايكس-بيكو لم تكن، ولا حروب التدمير الذاتي كانت. بالنسبة إليه المسجد الأقصى وهذه الأمّة هي مسؤولية وأمانة تركها عندنا الرسول محمد بن عبدالله، لا تفريط فيهما.

يقوم العامل الأول على شمولية الخطاب ومفهوم الأمّة فيه، حيث يعيد تذخير الضمائر ذاتها للأدبيات السياسية في بدايات عصر النهضة: ضمير «نحن» يدلّ على جميع العرب كجماعة سياسية، و«هم» على غزاة هذه الأرض من شمال المتوسط


يضع أبو عبيدة الأنظمة العربية في أزمة، لا مجرّد نقض الوطنيات التي تشرعن سطوة هذه المجموعات الحاكمة. فحوى خطاب الملثّم استدعاء وتحفيز أخلاقي وحضاري، يلتمس حزمة القيم العربية ومفهوم الأمّة. بينما المشروع التاريخي للأنظمة العربية، من أبوظبي وصولاً إلى دمشق ومن الرياض إلى الرباط، هو القطيعة التامّة مع الشرعنة التاريخية الإسلامية والعربية، إذ هي مكلفة وصعبة الإدارة، والمشروع اليوم هو نقض تامّ للقيم الأخلاقية وإنتاج الحيوان المستهلك المستسلم لغرائزه.

ولذلك، وفي ظلّ هذه الورشة والهندسة الاقتصادية والاجتماعية، كان بين كل مدّة يطل لهم ملثّم من خلف الشاشات، ناجحاً في اختراق كل العوائق والوصول، ومن ثم يعيد التجسير واستنفار واستحضار مضامين الشعر والقرآن والتراث العربي. وكأنه يفكّ تنويماً مغناطيسياً، ولو لوهلة، مذكّراً بأننا أمّة بتاريخ وحضارة ومنظومة قيمية وأخلاقية، وقبل ذلك بأننا بشر لا حيوانات متسوّقة تجرّ عربات التسوّق في المولات. وبذلك يهزّ ويعرّي البناء التاريخي للدول الوطنية العربية وتفاهتها وهشاشتها من جهة، ومن جهة أخرى يعرّي الليبراليين العرب الذين تمثّل لهم مسألة المبدئية والالتزام بميثاق أخلاقي وأيديولوجي معيّن، كضابط جماعي أمام تقديم المنفعة الفردية، أزمةً وجودية.

بينما ينطلق كره كل من الحركات والطوائف الإسلامية وغير الإسلامية لأبي عبيدة على عوامل مختلفة، يقوم العامل الأول على شمولية الخطاب، ومفهوم الأمّة فيه، حيث يعيد تذخير الضمائر ذاتها للأدبيات السياسية في بدايات عصر النهضة: ضمير «نحن» يدلّ على جميع العرب كجماعة سياسية، و«هم» على غزاة هذه الأرض من شمال المتوسط. هكذا تُعرّى كل ضمائر الصراعات البينية، من نحن الضيقة وهم عن العربي الآخر، في المحترب الأهلي.

ولعلّ أبرز شواهد ذلك، محاولة كل التيارات الإسلامية والطوائف أخذ استقطاع من خطاب أبو عبيدة لتسجيل النقاط على خصومها، في صراع ديكة يغذّي كلٌّ فيه ذاته الضيّقة. وذلك في أكبر مصاديق أممية وشمول خطابه.
يقوم العامل الثاني على أزمة في ممارسة الأخلاق والقيم والعلاقة مع التاريخ. تسعى الحركات الإسلامية بمختلف مذاهبها إلى حصر ممارسة الأخلاق والقيم في ذاتها المحلّية، وضمن حدودها، في أشبه بالمسرحية.

فالقيم العربية كالكرم والحمية والشجاعة والإباء، إضافة إلى التراث النبوي، وجملة المحصّلة الثقافية التاريخية العربية، مشاع كوني وعربي، لا يمكن حصر ممارسته وتأطيره ضمن حدود. أن تكون شجاعاً أو ذا حمية ومروءة داخل جماعة ما أو أن ينتهي مفعول كل قيمة عند نهاية الحدود الوطنية، فهنا يسقط تعريف أي قيمة وتمسي بلا معنى، وتكشف مدى مصداقية مدّعيها.

إنّ ما ترغب فيه الحركات الإسلامية العربية هو المقدرة دونما تعكير على استحضار مسرحي، للتراث الديني، من على المنابر والمنصّات، دون أن تلزم فحواه. وأن تمرّر في عقول العرب أنّ مصداق أي فحوى محصور في المجال الوطني، حيث تنتهي موجبات الآية القرآنية أو السيرة النبوية بما يناسب الظرف السياسي المحلّي للنظام الحاكم. وهنا يأتي الكره لأبي عبيدة، الشخصية والخطاب الملتمس والممارس للأخلاق والقيم ليس في الفضاء العربي والإسلامي فحسب بل الكوني، حيث يدخل الخطاب المسرحي الديني والتاريخي للمذاهب الإسلامية في أزمة تنهي بنيانه وتكشف العلاقة بين القول والعمل.

إنّ كراهية أبو عبيدة امتداد لكراهية أي شخصيات تاريخية نزيهة في أي المجتمعات البشرية منذ القدم. فما سيرة وحكايات الأنبياء والرسل والولاة والصالحين والثوار والأبطال سوى حول صدقية تمسّكهم بما يؤمنون ومدى التزامهم بالميثاق الأخلاقي الذي يدّعي مجتمع ما الالتزام به، هم الأصدق بدرجة مهيبة تهزّ الصادقين والمنافقين في آن.

يمثّل هذا الرجل العسقلاني الامتداد التاريخي لهذه النماذج في زماننا وحقبتنا التاريخية في زمن هو بكل المقاييس أسوأ من ذي قبل. بالتعريف، الرأسماليةُ هي عملية مأسسة منظمة لانفراط أي ميثاق أخلاقي أمام تسليع كل شيء، وما الاستعمار سوى عملية تمدّد للرأسمالية، أي ذلك النظام الذي قيمة الإنسان فيه مرهونة بقدر ما يمكن استغلاله. وما الاستعمار الاستيطاني سوى تمدّد إبادي، أي أنّ قيمة الإنسان فيه لا في استغلال عمله، بل في موته، قيمته المادية هي اللاقيمة. وهنا يأتي كره الاستعمارين الصهيوني والأميركي لأبي عبيدة: الفلسطيني الذي يواجه الاستعمار الاستيطاني فكان جلّ جهاده النطق واستنفار كامل منظومة القيم الأخلاقية بذاتها، وتمثيلها باللحم الحي، أمام منظومة اللّاأخلاق كلها.

يخبرنا التاريخ عن ثابتين لهذه النماذج البشرية، الأول في خلودها، فهي في دورها التاريخي حيّة غاب جسدها المادي أم لا. والثابت الآخر، أنّ مصير كارهيها ومحاربيها كان دائماً الفناء والعدم. والمسألة الأساسية هنا أنه لم تتماسك هذه الثوابت لمجرّد أنّ هنالك مَن التزم بحبّها وعبّر عنه بمختلف الوسائل، بل لأنّ هنالك مَن التزم بخطاها وسار عليه في أثناء كلّ تقلّبات المراحل، وهذا هو الوعد إن شاء الله.

* كاتب عربي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك