أيديولوجيا «معاداة الحروب» لدى البرجوازيات العربية

«إذا هوجمنا لن نستسلم أبداً، أي تنويه عكس ذلك غير صحيح» ــــــــ تعليمات الحكومة السويدية في حال وقوع حرب أو كارثة
«المجلس الفيدرالي لا يزال عازماً على توفير مقاتلة الـ F35 لقواتنا» ـــــــــ تصريح صحافي من وزارة الدفاع السويسرية
«لما يتقال لطهران إخلي نفسك، بيتقال للقاهرة إخلي نفسك» ـــــــــ محمد نعيم
يتحدّث الباحث الأسترالي جيمس كوران، عن أيديولوجيا معاداة الحروب لدى النخبة الترامبية بالولايات المتحدة. شعار «أمريكا أولاً» لم يكن من الناحية التاريخية تقدّمياً معادياً للإمبريالية، خاصة وأنه يتعلّق بالانعزالي المعادي للسامية تشارلز ليندبراغ، الذي عارض دخول بلاده في الحرب العالمية الثانية. هنا سرعان ما نفى دونالد ترامب، علاقة شعاره بتلك الشخصية؛ وأصبحت النسخة المحدّثة من «أمريكا أولاً» قائمة على المرارة الأميركية وليس الخصوصية الأميركية: حلفاؤنا حول العالم قد استغلّوا كرمنا فأصبحنا ضعفاء، والآن حان وقت دفع الفاتورة.
«أميركا أولاً» لم تجعل الإمبراطورية أقل شراسة بل أكثر من ذي قبل.
صحيح، كانت هنالك فوائد سياسية وفرص بقدر المخاطر. لكن هذا لا يعني أنه علينا الاقتداء بهذه الفكرة دون أي تحليل نقدي، خاصة في سياقنا الانعزالي العربي؛ أنت احتفيت بترامب -رجل الأعمال- الذي لا يريد الحرب مع روسيا، لماذا لا تلتفّ حول رجال الأعمال اللبنانيين والسوريين الذين يريدون التطبيع مع إسرائيل؟
عامر محسن، في بدايات الحرب الأوكرانية، قطع هذا الطريق على هؤلاء عندما قال أنه «لا يمكنك أن تقول للأوكراني الذي يقاتل ضدّ الرّوس، وإن كان نازيّاً أو فاشيّاً أو يكره العرب، شيئاً… لا معنى للوم الأوروبيين على تعاطفهم اللّامشروط مع أهل أوكرانيا "الشّقر". أو المقارنة بين اهتمام الجمهور هناك بحرب أوكرانيا مقارنةً، مثلاً، بحرب اليمن؛ فهذه حربهم. هل تهتمّ أنت بحربٍ تخصّك كما تهتمّ لحربٍ يخوضها أغراب؟».
لنقل فرضاً أنّ حماس أسوأ شيء حدث لنا، وأنه إذا كنت ناشطاً معادياً للحروب فعليك أن تبدأ من حماس وخيارها بالحرب وحزب الله وخياره بالإسناد. حسناً، تحدّثنا بالسابق عن ثيودور أدورنو، وعن نقده لتلك الخلطة الثورية اليسارية المعادية للعنصرية والذكورية في أميركا والغرب بعد عام 1968، والتي قرّرت تبنّي ناشطية مناهضة حرب أميركا على فييتنام -ربما للزيادة من رصيدها الشرعي- حينها قال أدورنو إنّ هدف تلك الطبقة الوسطى من استعراض الجزع الأخلاقي ضد الحرب، هو الاستعراض بحدّ ذاته (أو فشّة الخلق).
هؤلاء على الأقل اختاروا قضية فييتنام العادلة؛ طبقتنا الوسطى العربية أسوأ إذ أنها تستعرض هذا الجزع الأخلاقوي بوجه الجميع إلا إسرائيل. أدورنو فهم أنّ الحرب اندلعت والتاريخ قد تحرّك وسبق الجميع سواء قبلوا بذلك أم لا، وكل شيء بعد ذلك محض كلام.
بالسياق اللبناني، أتفهّم الأيديولوجيا الانعزالية، وربما لو ولدت لبنانياً مارونياً لكنت كتائبياً أو قواتياً. المنطق الفاشي، يبقى شكلاً من أشكال المنطق وإلا لما قرعوا رأسنا في كلية العلوم السياسية بكتابات كارل شميدت (على الهامش، في شرحه للحياد، شارل جبور يذكرني بشخصية «ليكس لوثر» ليس فقط من ناحية مظهره، بل في قدرته الخارقة على الإقناع).
أنت لديك بضعة ملايين من اللبنانيين قادرون -عبر الرضى الغربي- على بناء هونغ كونغ اللبنانية في أي وقت (هذا إذا تجاهلنا مصير أهل الجنوب)؛ قارن ذلك بالمصريين الذين يعرفون أنّ هذا النظام العالمي لن يجلب لهم شيئاً، بالطبع ستكون فكرة «وأنا مالي ومال فلسطين» أقوى في لبنان.
من الغريب أن يمتدح بعض من أبناء الطبقة الوسطى الخليجية مقولات مبارك السابقة بينما دولهم تكدّس السلاح بالمليارات
المشكلة الأساسية -والنكتة- هي عندما يتحدّث غير اللبناني عن «التعب من الحروب»، من الأجيال الشابة الفلسطينية بالضفّة التي لا تعرف الانتفاضتين زمانياً ولا حرب غزة مكانياً، لهذا هم ضائعون ويلومون حماس عن بعد من مقاهي مدينة روابي (بينما يشاهدون شبيبة التلال وهم يسرقون التلال المحيطة بروابي، أهذه هي فكرتكم عن اللّاحرب؟)، إلى السوريين الذين يقولون «تعبنا من الحروب وبدنا تطبيع ورفع عقوبات». رسالة إلى هؤلاء: ليتحدّث الكل عن التعب من الحروب إلا أنتم. لنكن صادقين: أنتم تعشقون الحرب وتبرعون بتحويل أي عركة بين عشيرتين في سوريا إلى حدث جيوسياسي تتدخّل فيه أميركا وأوروبا والصين والاتحاد السوفياتي، وعلى الأغلب حديثكم عن السلام مع إسرائيل مقصده أن تعينكم في حربكم على خصومكم بالداخل.
هنالك تسجيل مصوّر للرئيس حسني مبارك، وهو يقول إنّ الحرب «ليست لعبة بلايستيشن». التعليقات المادحة لمبارك عن حكمته ورؤيته الثاقبة وعن عزّ مصر في أيامه هي في أغلبها من الخليجيين (فكرة جانبية: عادة ما يتحدّث الناس عن تعلّق القوميين واليساريين بالماضي وتطبيلهم لجمال عبد الناصر، لكنني لاحظت أنّ الظاهرة العابرة للحدود في دول الاعتدال العربي تقوم على التطبيل للسادات والحريري وغيرهما، هذا غير مسابقات من هو أفضل رئيس وزراء أردني أو عراقي بالزمن الجميل).
يشتكي مبارك من تكاليف الحرب الحديثة بالقرن الحادي والعشرين بالمقارنة مع أيام السوفيات، وكأنّ مهمّة الدولة الحصرية أن تكون شركة تضع الأولوية للاعتبارات الاقتصادية. من الغريب أن يمتدح بعض من أبناء الطبقة الوسطى الخليجية مقولات مبارك السابقة بينما دولهم تكدّس السلاح بالمليارات. هنا بالذات يصبح ترحّمهم على مبارك بلا قيمة، مجرد ممارسة للرشاقة الشعبوية في المعادلة الوهمية للاقتصاد كنقيض للدفاع، لتبرير مقولات «التعب من الحروب».
الفكرة الأساسية هنا أننا سلّمنا دفّة القيادة العربية ومشروع الأمن القومي العربي لكم بعد تراجع مصر وغزو العراق وسقوط سوريا، ومع ذلك تخطّطون حصراً لأمنكم الجماعي الخليجي بينما تغدقون علينا بالموعظة الأخلاقوية بأنّ خراب بيتنا سببه «نخب السلاح» الذين من واجبنا الوطني والشعبوي أن نثور ضدّهم، كي نحوّل أوطاننا إلى سويسرا وسنغافورة.
نصائح تلك النخب -ووكيلها المشرقي المحلّي- تفوق نصائح صندوق النقد والبنك الدُّولي ابتذالاً بشأن «الطريق الحقيقي» للتنمية. واليوم بعد أشهر من تدمير الـ F35 لوزارة الدفاع الواقعة على دوار الأمويين في دمشق، وبعد أيام من تطاول الأيدي الإسرائيلية على الدوحة في قلب «مجلس التعاون الخليجي»، لنتوقّف عن الحديث عن كلفة «الحرب» ولنتحدّث عن كلفة «الانعزالية العربية».
* كاتب فلسطيني
