من الركام إلى إعادة التشكّل

فتحت حرب الإبادة على غزّة جرحاً غائراً في الجسد الفلسطيني. جرح لم يكن جديداً لكنه كان الأكثر فجاجة في عقود طويلة من الاستعمار. لم يكن الحدث مجرّّد حملة عسكرية، بل لحظة تكثّفت فيها طبقات العنف الاستعماري، التدمير المادي الواسع، الإبادة الجماعية المنظّمة، استهداف البنية الاجتماعية، وتجريد الفلسطيني من حقّه في الحياة كفرد وكجماعة. لكنّ الحرب لم تكن مجرّد مأساة، فعلى امتداد عامين، يمكن قراءة التحوّلات المجتمعية التي ولّدتها، بين التفكيك وإعادة التشكّل، بين الانكسار والمقاومة، وبين الصدمة والقدرة على إنتاج المعنى.
في غزّة، كان حجم الدمار أكبر من قدرة أي مجتمع على الاحتمال؛ آلاف العائلات مُحيت دفعة واحدة، ما فتح جرحاً عميقاً في البنية الأُسرية والحميمية الفلسطينية. لكن من بين الركام، أعاد المجتمع إنتاج أنماط تضامن بدائية وحديثة في آن: مطابخ جماعية، مبادرات إيواء، شبكات دعم نفسي، وحتى إنتاج محتوى رقمي للتوثيق والمناصرة. هنا يظهر الفلسطيني مجدّداً ككائن مقاوم للعزلة والفناء، عبر خلق فضاءات مشتركة تتيح النجاة ولو بالحدّ الأدنى.
والحرب أجبرت ملايين الفلسطينيين في الشتات على مواجهة سؤال الهوّية والانتماء من جديد، فجأة، لم تعُد الغربة مجرّد مسافة مكانية، بل تحوّلت إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية. حملات الدعم، التظاهرات العالمية، إعادة تسييس الجامعات والنقابات، كلها عكست كيف أنّ الإبادة لم تُقصِ الفلسطينيين بل أعادت ربطهم بخيط نضالي ممتدّ عبر الجغرافيا. صار الشّتات امتداداً حيّاً للمعركة، لا مجرّد متفرّج.
في الضفّة الغربية والداخل الفلسطيني، كشفت الحرب زيف خطاب «التطبيع» أو «الاندماج». الحرب أبرزت هشاشة كل وهم حول إمكانية فصل الفلسطيني عن قضيّته، أو عزله في روتين يومي منفصل عن مصيره الجماعي. العنف الممنهج في الضفّة، القمع داخل الخطّ الأخضر، كلها دلّت على أنّ الحرب لم تكن جغرافية محصورة، بل كانت مشروعاً استعمارياً متكاملاً.
الحدث أيضاً عرّى مواقف أنظمة عربية ودُولية اختارت الصمت، أو شاركت في التواطؤ عبر الحصار أو الدعم السياسي والعسكري. في المقابل، ولّدت هذه المواقف غضباً عارماً لدى المجتمعات العربية، ودفعت إلى إعادة التفكير بعلاقة الشعوب مع أنظمتها، وربط النضال الفلسطيني بحركات مقاومة أوسع ضدّ القمع والاستبداد.
نحو عامين على الحرب، ولم تعُد المسألة مجرّد ذكرى؛ بل تحوّلت إلى ثقافة يومية للنجاة والتأريخ. الأغاني، الصور، الشهادات، الكتابات، وحتى ألعاب الأطفال في المخيمات، كلها باتت تحمل أثر الإبادة. نحن أمام جيل جديد تشكّل وعيه وسط الركام، جيل لا يعرف «الفاصل» بين الحياة الطبيعية والحرب، لكنه يعرف أنّ النجاة نفسها شكل من أشكال المقاومة.
اليوم، ونحن نقف على عتبة الذكرى الثانية، لا نكتب فقط عن الألم، بل عن التحوّلات التي فرضتها الحرب. مجتمع يعيد تشكيل ذاته رغم محاولات الإبادة، شتات يستعيد دوره كفاعل سياسي، وذاكرة جمعية تتجذّر أكثر في مواجهة مشروع استعماري يراهن على محوها.
عامان بعد حرب الإبادة، السؤال لم يعُد: كيف ننجو؟ بل: كيف نحوّل النجاة إلى مشروع حياة جماعية قادرة على المقاومة والبقاء، على الأرض وفي الذاكرة، معاً.
* باحثة فلسطينية
