بولا يـ(ـعـ)ـقوبيان

العين صامتة أحياناً، وصمْتُ الأبواق من ذهب. فمنذ أن نحَتَ مسرب ماشتوتس الأبجدية الأرمنية، غابت عنها الأصوات الحلقية العميقة، فيما بقيت الكنعانية والآرامية والعربية تحتضن العين: حرفاً نابضاً بالحياة، جليّاً كالعقيدة المحِقة حين تُقال. هكذا، وإن لم يشترك الأرمن من جنوبي القوقاز مع الفلسطينيين واللبنانيين في حرف العين، فإنّ بصيرتهم تلتقي على عقيدة المقاومة، حيث تختزن الذاكرة المثقلة بالإبادة والتهجير والاحتلال جرحاً واحداً مشتركاً.
فلماذا تعجز بولا يعقوبيان، اللبنانية ابنة الناجي من المجزرة الأرمنية، عن تبصّر هذا المنطق؟ من هنا لا أفهم تهمة «العقيدة القاتلة» الموجّهة إلى المقاومة. فالعين البصيرة لا تخذل الحق ولا تسكت عن الشر، حتى لو غيّبناها عن لفظ «يقوبيان»، تبقى العين شاهدة، تقرأ ما لا يُقرأ، وتقول ما لا يُقال، وتفتح أمام حِشْرِيّتي حدائق اللغة كي أجادل وأفنّد، أمام صاحبة المقعد النيابي.
بدايةً، من باب الإنصاف وبرغم وهْم الأرقام الهِرقلية (2500 صوت انتخابي… يا لَهوي!)، تغلّبت بولا يعقوبيان على الكثير من العوائق لتصبح أول امرأة أرمنية تنال مقعداً نيابياً في 2018، وواحدة من ثلاثة عشر نائباً خرجوا من نطاق الأحزاب التقليدية في 2022: شكراً سعد الحريري المغيّب الطائع. وكما أنّ «العين» في اسمها صامتة، كذلك بدا صوت يعقوبيان، الذي رُوِّج له يوماً كـ«صوت التغيير»، صامتاً أو ملتبساً أو غير مجدٍ في الملفات الأساسية: رياض سلامة، المصارف، الكهرباء، المياه، الأدوية، الأمن الغذائي، السّلم الأهلي، عملاء الاحتلال، السيادة الحقيقية... إلخ.
طبعاً لا يعلو الصوت إلا لمهاجمة المواطن اللبناني والعمل على تجريده من كفالة أمنه في اللحظة التاريخية الحاسمة. كما تبيّن في آخر دورة انتخابات مموّلة، إنّ التقدّم الساحق (يخزي العين) على ظهر 3524 صوتاً عدّاً ونقداً، لا يُخوّل يعقوبيان ولا أي أحد من أصحاب الفتات أن يتفلسف على العقائد الوجودية عند الملايين، خصوصاً في ظلّ الهجمة الكونيّة والصهيونية على هذا البلد الصغير بمساحته والعميق بمعانيه.
بولا يعقوبيان موجودة، إذاً هي تفكّر. لكني لم أدرِ أنها تفكّر بِسلْخ الإنسان عن وجوده. هي تفكّر بأمورٍ معقدة تفوق، باعتقادها، قدرة الشعب اللبناني على تحليل التاريخ والتفاعل مع حاضر البلد والمنطقة. إلى أن بَقَّت البَحصَة. كان الأوْلى بالنائبة أن تتروّى في اختيار عبارتها. لو استشارتني في المواضيع الفلسفية لأشرتُ بها رأساً إلى قول الإمام علي: «يا ليت لي عنقاً كعنق الزرافة، حتى إذا أردتُ أن أتكلّم بالكلمة تدبّ في مخرجها فأُمسكها قبل أن تخرج».
تمنّى الإمام طول الرقبة حتى يتوفّر له وقت كافٍ قبل خروج الكلمة، لِيَتفكّر فيها ويمسكها إن كانت ستجرّ ضرراً. لأنّ الكلمة إذا خرجت لا يمكن ردّها.
«العقيدة القاتلة»؛ كلمتان تتطاولان على مفاهيم وشعوب ومبادئ. عبارة ثقيلة العيار، لأنها تتخطّى السياسة وتمسّ ذاكرة اللبنانيين وغيرهم الذين يرون في العقيدة قوة دفاع عن الوجود، لا نزعة قتل.
عبر تاريخ الإنسانية، العقيدة تُحيي المعنى بِقناعة أصحابها:
من سقراط الذي شرب السّم، إلى يسوع على الصليب، إلى الحسين في كربلاء، إلى الأرمني فاردان ماميكونيان في معركة أڤارايـر، إلى جان دارك أمام ألسنة النار، إلى أنطون سعادة على حبل المشنقة، وصولاً إلى المقاوم اللبناني منذ 1948.
جميعهم جعلوا من العقيدة تعبيراً عن كرامة الإنسان في مواجهة الشرّ، حتى لو كان الثمن حياتهم. الحياة راقية إذا تزاوجت مع الحق، والإنسان الذي يختار طوعاً التضحية القصوى من أجل مبدأ سامٍ، مع علمه بما سيترتّب على خياراته، يرقى بالمجتمع إلى الأعلى. كل ذلك للقول «إنّ الحياةَ وقفةُ عز»، لكنها تصبح عِيشة الـ«حَيوَنة» كما يريدها توم برّاك لنا جميعاً، يا عزيزتي بولا، إذا خلَت من عقيدة الحق.
قليلاً ما تعلو الكلمة بصاحبها، وكثيراً ما ترتدّ وتجرحه نسبةً إلى سلبيّتها، رافعةً ما أراد الحطّ منه. للأمانة الفكرية، أنا أحيّي تمسّك يعقوبيان بعقيدتها الضدّية مهما كان ثمن ردّات الفعل التي ولا بدّ كانت تتوقّعها، أُسوةً بالنائبة الأخرى غادة أيوب النووية الخبيرة بالكلام المُسلّح. هكذا تغدو المقاومة اللبنانية كيس الملاكمة المفضّل الذي يَلكُمه الوصوليون. لكنّ المقاومة مدرسةٌ في الكرم: ترفعُ أنصارَها بالفعل، وترفع منتقديها عبر إعلامهم كلّما احتاجوا إلى حقنة استعراضية، فيربح الجميعُ مجداً من عطاء المقاومة اللبنانية.
كرمٌ يفيض على الخصوم قبل الأصدقاء. صار انتقاد المقاوِم الشريف واتّهامه بالقاتل جواز عبور إلى المزيد من الشهرة على الأثير السعودي… لكن «زَوغَلوا» عيوننا، لم نعُد نعرف الصديق من الخصم من كثرة ما «بدّلوا تبديلا». ألم تصدح يعقوبيان في الماضي القريب، حرفياً، «أحيّي نائب هذه المنطقة السيد نواف الموسوي»، قبل أن تغمر الحضور بالبسمة العريضة، «تحيّة لكل مقاوم في هذه الأرض»، واضعةً يديها إلهاماً وتأثّراً على صدرها عند سماعها «أنتِ معزومة بضيعة وبأرض السيد حسن نصرالله»، رافضةً عزومة مايك بامبِيُو؟ ربما اكتشفت أنه موقفٌ غير قابل للإيداع المصرفي، وأنّ في عبارة «العقيدة القاتلة» معدّل فائدة أعلى للتضخّم «السيادي» الاصطناعي في مصرف ابن فرحان المركزي.
موقف «العقيدة القاتلة» يلخّص عقيدة بولا القاتلة لكل ما يضحّي به الإنسان في لبنان كي يصون وجوده سيّداً في وطنٍ نهائي، لكنه محاصر اليوم ومنذ قرون ما قبل الـ1943 وقبل تهجير الأرمن إلى لبنان… جيشنا ممنوع تسليحه، حكومتنا الحالية متخاذلة قليلة الوعي ومفرّطة بالحقوق، سياسيّونا منافقون في أكثريّتهم، الرؤساء في دولتنا يعيشون لحظة ماري أنطوانيت، أموال شعبنا مسلوبة، وأعداؤنا منتشرون على كامل الحدود. ماذا لو كان يفعل هانيبعل أمام الرومان؟ يوسف بك كرم أمام العثمانيين؟ أحمد عرابي أمام الإنكليز؟ أدهم خنجر وسلطان باشا الأطرش أمام الفرنسيين؟ عباس الموسوي أمام الاحتلال؟ شباب وشابات الضيع الحدودية؟ لا يتخلّون عن العقيدة.
ماذا تريد النائبة عن الشعب اللبناني التي لا تعتذر من الشعب ولا تتراجع مهما كلّف الأمر؟ أن تعتاش على هامش التاريخ ممالقةً للانتداب الصهيوعربي على البلد؟ لبنان يبحث عن خطاب يرفع الناس ويجمعهم، لا إلى تعابير تزيد الشرخ وتضعف جبهة الدفاع عن الإنسان.
* كاتب لبناني
