ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

المطالبة بتأسيس «قسم دراسات العقوبات»

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الأربعاء 17 أيلول 2025
الخط

قلنا في المقال السابق إننا سنسعى إلى تنظيم تظاهرة من ممثّلية ديبلوماسية صينية إلى جامعة تتبنّى النموذج الأميركي (مدرسة بزنس مستقلّة عن قسم الاقتصاد الذي يتبع مدرسة العلوم الاجتماعية)، وذلك للإضاءة على دور هاتين الجهتَين في الأحداث الدُّولية الراهنة (دور الحكومة الأميركية أوضح من أن يُشرَح وأقذر من أن تُطالَب بإصلاحه). قلنا إنّ على الحكومة الصينية أن تعالِج مسألةَ خواء سياساتها الخارجية وعلى الجامعة الأميركية أن تُعيد إنتاج مدرسة البزنس وعلائقها الأقسامية الإشكالية أو حتى إغلاقها، لأننا نَدفع في الحالتَين أثماناً إباديّة.

كيف نلخِّص مطلَبَنا؟ سنَدعو الجامعتَين الصينية والأميركية إلى تأسيس «قسم دراسات العقوبات»؛ هذا القسم سيكون أكثر غنىً منهجياً وأكثر تعالقاً أقسامياً من قسم دراسات الهولوكوست مثلاً، ويعالِج أوجهَ القصور في الدراسات ما بعد الكولونيالية التي فَقدتْ زخمها لأسباب مؤسساتية وسياسية عدّة.

في السبعينيات من القرن الماضي، تحوّلتْ مجموعة من الحركات السياسية في الولايات المتحدة إلى أقسام جامعية جديدة، بالذات دراسات السود والمكسيكيين والنساء والمثليين؛ كانت تلك حقبة القطْع المعرفي مع المرحلة الاستعمارية البريطانية-الفرنسية، وبالتالي كان من البديهي أن تولد في الجامعة الأميركية الدراسات ما بعد الكولونيالية في أثناء تلك المدّة. لا تُولَد حاضرة إمبريالية جديدة أو نظام بين حواضري جديد من دون قسم أكاديمي جديد (أو شبكة من الأقسام الجديدة).

بعد تأسيس مجموعة السبعينيات صار لزاماً على كل حركة في دول الأطراف أن تُعيد ترتيب أفكارها ومقدّماتها المنطقية لتلائم شبكة الأقسام الجديدة كي تَكتسب شرعية سياسية-إبستيمولوجية. وفي عملية تفكيك وإعادة تركيب تجاربنا لتلائم هذه البنية الإمبريالية تَضيع الكثير منها، تصبح غير مرئية، وفيها تَكمن فاعلية الإمبريالية في قمعنا.

لن نَشرح هنا كيف جعلتْ إبستيمولوجيات مدرسة البزنس (والصمت المنهجي لقسم الاقتصاد) وحرْص الصين على تبنّي هذه الإبستيمولوجيات في رسْم سياساتها الخارجية، كيف جعلت نظامَ العقوبات الاقتصادية ممكناً والتجارب الناشئة عن العقوبات غير مرئية. بل سنَعرض هنا جانباً ممّا يقع على الدول والمجتمعات التي تُفرَض عليها عقوبات مالية ولا يصبح موضوعاً للأبحاث الأكاديمية.

بحلول أوائل الألفية الجديدة كان الدرس الذي تقدّمه الصين لدول الأطراف هو أنّ عليها لبرلة الاقتصاد والسوق. الصين الرسمية كانت حريصة عن سابق تصميم على تقديم هذا الدرس لنا، ولم يكن ذلك حصراً درس النيوليبرالية الأميركية لنا؛ هناك درسٌ من دولة تشبهنا في طرفيّتنا هي الصين فَعلتْ ذلك ونَجحتْ (إنجازات النموذج الناصري مثلاً كانت مستندة إلى النموذج السوفياتي مع تعديلات محلّية، لكنك في أوائل الألفية الجديدة لا تَملك سوى الصين نموذجاً لدولة شبيهة تمكّنتْ من «النهوض»).

لو كان الدرس أميركياً حصراً، لما استَقبلتْ شعوبُنا دروسَ النيوليبرالية بهذه الرحابة، كان هناك إمكانية أن تُفهَم جزئياً كتعليمات إمبريالية توجب محاربتها. بدأتْ دولنا بلبرلة اقتصاداتها عسى أن تكرّر تجربة الصين، ويُفترَض أن النتائج باتت واضحة اليوم. الأسوأ من ذلك أنّ آفاق اللبرلة كدرس لم تكن واضحة منذ البداية، فقط مؤخّراً بدأنا نرى نموذجاً صينياً متكاملاً من اللبرلة الجزئية للسّوق مع عدم التقدُّم في اللبرلة الاجتماعية والسياسية وأنه من الممكن فصْل المسار الاقتصادي عن المسار الاجتماعي-السياسي، وإلا نَذكر أنّ المطروح بدايةً كان لبرلة تدريجية لكنها ستطاول كل الجوانب في نهاية المطاف. فصْل الاقتصادي عن السياسي يبدو المهمّة المقدّسة للقيادة الصينية حالياً، داخل الصين عبر فصْل مسارات اللبرلة، وخارجها عبر خطاب مبادرة الحزام والطريق وتصويره كسوق خالٍ من السياسة.

في أجواء هذا الدرس الصيني الذي يَتكامل مع نظريات النيوليبرالية الأميركية، بدأَتْ الولايات المتحدة تدريجياً ببناء نظرية وممارسة للعقوبات الاقتصادية والمالية مستخدمةً سطوة الدولار في التجارة الدُّولية. أنتَ هنا تتعرّض للعقوبات فيما تسعى إلى لبرلة أسواقك كما ينصّ «درس الخلاص» العالم ثالثي الصيني.

معظم الدول والحركات التي تعرّضتْ لعقوبات مالية أميركية لديها مسار متشابه: يَبدأ الأمر بتكليف خلية أزمة لإيجاد سبل للالتفاف على العقوبات الأميركية، عادة تكون عبارة عن مجموعة من عناصر أمنيين زائد تجار وصرّافين صغار؛ هذه المجموعة تَكتسب مع الوقت قوة متزايدة داخل جهاز الدولة وتُعيد تشبيك (rewiring) هرمية كل الاقتصاد المحلّي (رغم أنّ ذلك لا يكون هدفها بدايةً)، وتصبح هذه المجموعة لاحقاً «الطبقة الفاسدة» التي يتحدّث عنها الأميركيون والصينيون باستياء.

يتحوّل الاقتصاد من اقتصاد مالي إلى اقتصاد مقايضة، وعبارة «مقايضة» هنا تتضمّن أيضاً حين تُبادل النفط بدولارات مهرّبة، على اعتبار أنها لا تَدخل النظام المالي كمعلومات سوقية يمكن للمؤسسات العامة والخاصة حسابها في عملية التقييم الاقتصادي. في اقتصاد المقايضة من شبه المستحيل تحقيق نمو، أنت تتعرّض لـ«التحجيم المالي» (de-financialization) في حين أنّ العالم في ظلّ النيوليبرالية كان يتّجه إلى الأمولة الحادّة للاقتصادات، وهو ما يتسبّب بنزيف مضاعف للقيمة والنمو-المقارن (أنتَ لن تَستدين كمّية من النفط لتؤسّس شركة).

أيضاً تتدولر التجارة المحلّية نتيجة العقوبات الأميركية، فتتضاعف الحاجة إلى المزيد من الدولارات: عادةً أنتَ تصدِّر كمية ما من النفط أو الذهب من أجل الحصول على كمية مكافئة من الدولارات، لكن الآن عليك أن تصدِّر ثلاثة أضعاف كمية النفط أو الذهب، لأنه إضافة إلى الحاجة «الطبيعية» للدولار، هناك أيضاً الطلب المتزايد من السوق المدولَر (وأنتَ هنا في ورطة إذا أردتَ أن تحقّق نموّاً اقتصادياً عليك الإتيان بالمزيد من الدولارات)، وأنت بحاجة إلى دولارات إضافية عليك أن تحوّلها إلى الوسطاء الكُثر الذين تَستعين بهم في الخارج (هذه غير مجموعة الالتفاف على العقوبات لكنها تَعمل بالتنسيق معها).

الأسوأ أنّ نفس الكمية من الموارد الطبيعية التي تصدِّرها سرّاً تَعود لك بكميات أقل وأقل من الدولارات الأميركية سنة بعد أخرى، علماً بأنّ قيمة الدولار الواحد نفسها تتناقص مع الوقت، ليس فقط لأنّ المشتري يفاوضك على أسعار أدنى من موقع القوة بل أيضاً بسبب النمو-المقارن (أنتَ تسعى في أفضل الأحوال إلى المحافظة على اقتصاد مع نموّ صفر بدل أن يَنكمش في وقت تَنمو الاقتصادات المحيطة بك).

السّمة المعلوماتية في النظام المالي (دور البنك المركزي) تَنمحي، ما يحلّ مكانها هو «الكرتلة»: عندما تُحوِّل العقوبات المجتمع إلى كارتيلات اقتصادية بضائعية غير ذات سمة نقدية. كيف تعوّض الوسطاء حين لا تتوفّر الكميات اللازمة من الدولارات الأميركية؟ تسلِّمهم قطاعاً ما من السوق مقابل خدماتهم. إضافة إلى ذلك، نحن نَعلم أنّ طبقة صغار التجار لديها منطقها السياسي الخاص، مرتبطة بأساطير مدرسة البزنس (سنتحدّث في مقالات لاحقة عن المنطق السياسي الذي يَفهم عبره صغار التجار العالم من حولهم).

كما التهريب بين الدول حيث هناك أسعار مختلفة نتيجة سببٍ ما، من الصعب جداً على الدولة منْع التهريب، حتى أنه مع الوقت تَجد الدولة أنه من الأفضل إدارة الموضوع بدلاً من قمعه. خذْ مثالاً الدولة البرازيلية وكيف تأقلمتْ مع التهريب نتيجة أنّ الباراغواي تصرّ على سياسة عدم فرْض ضرائب جمركية على المستوردات. كذلك الأمر مع الضغوط الهيكلية التي تَفرضها العقوبات الأميركية: مهما فعلتَ ستجد أنه من شبه المستحيل منع اقتصادك من الانهيار حتى لو كنتَ في جمهورية الأخلاق الفاضلة النظرية؛ كما في اقتصادات خدمة الدَّين حيث لا مجال للتنمية، تَستهلك عمليات الالتفاف على العقوبات كامل النشاط الاقتصادي، حتى أنّ تشغيل جهاز الدولة نفسه يتحوّل إلى عبء على الاقتصاد المحلّي.

هناك ضرورة لوضْع قياسات (metrics) لهذه التجارب الاجتماعية الاقتصادية في ظلّ العقوبات، ودراسة العقوبات باعتبارها الاستعمار الجديد الذي علينا تجاوزه ودراسة ما بعده. كمية التصوّرات الثقافوية التي رُميتْ على بلادنا وشعوبنا للقول إنّ كوارثنا الاقتصادية لا دخل لها بالاستعمار. هناك طبقة مكتملة من الكتّاب في الحاضرة الإمبريالية مهمّتها القول إنّ الأزمات التي تعانيها اقتصاداتنا هي من صنع ثقافتنا والعقوبات الأميركية هي مجرّد عامل هامشي في هذه الأزمات، ويَبدأ الباحث النبيه باكتشاف أنه كان هناك خلل في إدارتنا لاقتصادنا حتى قبل فرْض العقوبات.

ما يُسمّى «الفساد المالي» هو بديل المكتبة الاستعمارية التقليدية عن الانحطاط الأخلاقي للمستعمَرين. قارِن ذلك بحساسية الجامعة الأميركية تجاه المعاناة الإنسانية في أبحاثها عن كيف أنّ عمران المدينة صُمِّم للرجال المستقيمين القادرين أو عن «الاقتصاد الزهري». أمّا حين يأتي الأكاديمي الأميركي إلى الأزمات الاقتصادية في دولنا التي تعاني من عقوباته «تَزعم الحكومة الكوبية أنّ انقطاع الكهرباء سببه العقوبات الأميركية».

هيمنة الخطاب الأميركي الرسمي والبحثي على مجمل تجاربنا أدّى إلى ظاهرة اقتصادات تَعمل «كما لو أنها معاقبة»: الاقتصاد الفنزويلي مثلاً بدأ يَعمل كاقتصاد معاقَب حتى قبل أن تُفرَض عليه العقوبات. الاقتصاد اللبناني كذلك الأمر. فعليّاً كل دولة تُظهِر تحدّياً مباشراً للإمبريالية الأميركية تَبدأ أوتوماتيكياً بمواجهة مجموعة من المصاعب السّوقية حتى قبل أن تَأخذ الولايات المتحدة أي قرار. تتنبّأ العناصر الفاعلة في السوق بمجيء عقوبات قد تتأخّر سنين عدّة لتصل.

الأهمّ أنّ الصين نفسها تَبدأ بالابتعاد عنك وكأنك معاقَب حتى قبل أن تُعاقَب. لدى الصين رغبة واضحة في استمالة حلفاء الولايات المتحدة، أن تسخو عليهم بشتى الطرق. إزاء الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرّف خافيير ميلي، الصين مستعدة لتجاوز أي تهديدات أطلقها سابقاً ضدها وأنه سَلّم الجيش الأميركي أراضٍ جنوب الأرجنتين لمنْع وجود الصين قرب مضيق ماجلان ومنْع السفن الصينية من صيد السمك قرب المياه الإقليمية الأرجنتينية، ميلي نفسه متفاجئ من السخاء الصيني المالي والديبلوماسي معه، رغم أنّ أخته كارينا ميلي هي ذراعه في صفقات الفساد وتورّطتْ في أقلّ من سنتين في فضيحتَين كبيرتين (في حال كانت الصين منزعجة من الفساد في دول الممانعة).

هناك نفور صيني واضح من الدول التي تعادي الولايات المتحدة الأميركية، وهي طريقتها في إبداء رغبتها في عودة العلاقات الوردية القديمة بينهما، علاقات ما قبل العام 2008.

عشتُ في بوليفيا لأكثر من عامَين، كان السؤال دائماً لماذا لا تَعتني الصين ولو بحثياً بقطاع الليثيوم البوليفي، خصوصاً وأنّ الرئيس لويس آرسي هو رجل اقتصاد؟ لماذا لم تَطرح الصين مشروعاً للتنقيب عن الغاز الطبيعي في بوليفيا باعتباره مشروعاً يثبّت استقرار الاقتصاد تمهيداً للحصول على الليثيوم البوليفي لاحقاً؟ لماذا لم تُقدِم الصين على إنجاز المصالحة بين الرئيس لويس آرسي والرئيس السابق إيفو موراليس، كونها مندهشة بروعة فكرة المصالحات بين إيران والسعودية وبين حماس وفتح؟ أو حتى بين الرئيسَين لولا دا سيلفا ونيكولاس مادورو؟

كانت هناك مقولة بأنّ العرب يتحالفون مع الاتحاد السوفياتي فقط حين لا تمدّ لهم الولايات المتحدة يد التعاون. في علاقتنا مع الصين العكس هو الصحيح: تتحالف الصين مع أعداء الولايات المتحدة فقط حين لا تمدّ لها الأخيرة يد التعاون.

تأسيس «قسم دراسات العقوبات» هو بداية تفكيك إرث الاستعمار؛ هل تكون التعريفات الجمركية هي استعمار ما بعد العقوبات؟ الخشية هي أنّ استسهال مسألة الالتفاف على التعريفات الجمركية الأميركية قد يُنتِج ديناميات مراكمة جديدة هذه المرة في الصين (التي تَسخر حالياً من فساد دولنا).

* باحث

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك