إرث الديكتاتور

يصنع الديكتاتور قضايا متفجّرة، ولكن على الأغلب تنفجر بعده، وليس في عهده، بحكم أنه يستطيع تسكينها ومنع انفجارها عبر العنف السلطوي، أو عبر خلق توازنات قوة تمنع انفجارها. كما أنّ هناك حالات من الديكتاتورية التي ترث قضايا كامنة للانفجار ولكن يمنع الحكم الديكتاتوري انفجارها عبر القوة القاهرة، أو عبر إظهار عملي لمدى تكلفة انفجارها.
كما أنّ هناك حالات من الديكتاتورية التي تقوم بثورة تحديثية، مثل ستالين عندما نقل روسيا من المحراث الروماني إلى القنبلة الهيدروجينية في أثناء مدّة حكمه 1924-1953، هي شبيهة بما جرى في عهدَي كرومويل ونابليون بإنكلترا وفرنسا، ولكن في الحال الستالينية عبر سلطة فرد يقود الحزب الواحد للمجتمع وعبر نظام إداري أوامري وعبر نمط اقتصادي هو «رأسمالية الدولة»، وهو ما أنتج بنية اقتصادية-اجتماعية جديدة في الاتحاد السوفياتي رأت الغالبية منها مصلحتها في ثمانينيات القرن العشرين في تجاوز رأسمالية الدولة والحزب الواحد عبر اقتصاد السوق والديموقراطية السياسية.
هناك ديكتاتوريون يصنعون قضايا متفجّرة:
ليبيا
مثل القذافي في ليبيا عندما مارس بمدّة حكمه (1969-2011) تمييزاً مناطقياً ضدّ إقليم برقة بالشرق، وهذا الإقليم كان القاعدة الاجتماعية للحكم الملكي السنوسي (1951-1969)، وقد انفجرت هذه القضية المتفجّرة بعده عبر أشكال عديدة تجسّد تعبيرها الأقوى في تحالف العسكر مع قوى قبلية جهوية منذ عام 2014، كما رأينا في تحالف اللواء خليفة حفتر، مع رئيس البرلمان المنتخب آنذاك عقيلة صالح، وقد كانت هذه القضية الجهوية هي المحرّك التفجيري الأكبر للأزمة الليبية التي أخذت طوابق داخلية-إقليمية-دولية بمواجهة قوى الغرب الليبي التي يغلب عليها الإسلاميون.
اليمن
أو علي عبدالله صالح (1978-2012)، الذي صنع مشكلة جهوية مع الجنوب بمدّة ما بعد وحدة 1990 عندما شعر الجنوبيون بالتهميش وعبّروا تفجيرياً عن ذلك عبر حرب الانفصال الفاشلة عام 1994، وصنع مشكلة جهوية مع زيديي منطقة صعدة التي شكّلت القاعدة الاجتماعية الأقوى (ولا تزال) للحركة الحوثية التي هي منذ التسعينيات في اتجاه ابتعاد أيديويولوجي عن وسطية المذهب الزيدي بين السنة والشيعة باتجاه التشيّع، وهو ما أنتج في عهده حروباً عدّة معهم منذ عام 2004، ثم استطاعوا الإطاحة عام 2014، بخلفه عبد ربّه منصور هادي، واستولوا على ما يقارب نصف مساحة اليمن، وأدخلوا اليمن في أزمة ذات طوابق داخلية-إقليمية-دولية.
سوريا
أو سلطة حزب البعث السوري منذ 8 آذار 1963، الذي أنتج سلطة الحزب الواحد ثم الفرد الواحد مع حافظ الأسد (1970-2000) وابنه حتى 8 كانون الأول 2024، حيث صنعت سلطات ما بعد 8 آذار، وبحكم تركيبها الريفي المتعدّد الطوائف أو من البلدات الصغيرة كقاعدة اجتماعية، مشكلةً مع الفئات الوسطى في المدن، بعد اختفاء وهجرة الرأسمالية السورية القديمة مع إجراءات التأميم، عبر قيادتها لنمط رأسمالية الدولة عبر تأميم الصناعة والتجارة والبنوك ثم رسملة الريف عبر الإصلاح الزراعي. حيث رأت هذه الفئات المدينية الوسطى أنّ هذا المسار الاقتصادي-الاجتماعي هو على حسابها، كما رأت استبعاداً لها من تركيبة سلطات البعث، كما أُنتجت ثقافة رسمية أو تمّ تشجيعها من البعثيين، كانت هذه الفئات المدينية ذات الطابع المحافظ ثقافياً واجتماعياً، على تعارض معها.
من دون ذلك لا يمكن تفسير تنامي قوة الإسلاميين السوريين بعد 8 آذار 1963، ولا تفسير ضعفهم قبل هذا اليوم، وخاصة بعد أن بان أنّ التركيبة السلطوية لحزب البعث، بمراحله السلطوية المتعاقبة في أثناء ما يقرب من ثلثي القرن، ورغم أنها متعدّدة الطوائف وللسنّة حصة كبيرة فيها وخاصة في الجهاز الإداري، إلا أنّ الجيش والأجهزة الأمنية، قد سيطر على مفاصلها الرئيسية العلويون، وهناك تكمن السلطة الحقيقية، ثم أتبع بشار الأسد ذلك بـ «علونة» الوظائف وهو ما لم يفعله أبوه.
وفي سياق هذا المسار في الجيش السوري كانت حركة سليم حاطوم العسكرية في يوم 8 أيلول 1966، حركة احتجاج درزية على استئثار علوي بالسلطة العسكرية، وهذا ما لم يكن يخفيه الرائد حاطوم آنذاك. عبر كل ذلك رأينا حركة مدينة حماة ضد البعثيين عام 1964، بزعامة إسلامية واشتراك من تنظيم الاشتراكيين العرب بقيادة أكرم الحوراني، رغم أنّ حماة كانت القاعدة الانتخابية الأقوى للبعثيين في انتخابات 1954. ثمّ رأينا كيف كانت حماة وحلب وأحياء سنّية في مدينة اللاذقية القاعدة الاجتماعية لحراك الإسلاميين المسلّح ضدّ السلطة في أحداث 1979-1982، ولو مع اشتراك لافت للنظر لريف محافظة إدلب وبلداتها الصغيرة ولكن مع غياب لافت لمدينة إدلب.
هنا، كان اتّجاه بشار الأسد إلى الليبرالية الاقتصادية الجامحة منذ عام 2004، وما قادت إليه من تخريب الزراعة قد جعل الريف السنّي، ومن هاجر منه بمدّة 2008-2011 للأحياء المهمّشة في المدن، القاعدة الاجتماعية للانتفاضة/الثورة ما بين 2011-2024، فيما وقف الريف السنّي مع أبيه ضدّ إسلاميي مدّة 1979-1982. وهذا ما يفسّر أنّ جماعة «الإخوان المسلمين»، ذات التركيب المديني، هي التي تصدّرت أحداث السبعينيات والثمانينيات، فيما السلفية الجهادية، ذات التركيب الاجتماعي الريفي (وهذا موجود في مصر أيضاً)، هي التي تصدّرت الحركة الإسلامية المسلّحة ضد بشار الأسد.
العراق
في عراق حزب البعث وصدام حسين 1968-2003، كان البعثيون قد ورثوا عن دولة أنشأها البريطانيون عام 1921، ويستأثر السنّة العرب (ونسبتهم لا تتجاوز 14%) بالمناصب السياسية والعسكرية والإدارية فيها، وفق ما أرادته لندن، على حساب الشيعة (63%) والأكراد (18%). وقد عمّق البعثيون المشكلتين الشيعية والكردية عبر إقامة حكم استأثر فيه أبناء مناطق تكريت-سامراء-الأنبار، بالمناصب السياسية والعسكرية والسياسية.
ومَن يراقب انتخابات برلمان العراق منذ عام 2005 في مرحلة سقوط صدام حسين يلاحظ كيف أنّ الاصطفافات السياسية وحتى انتخابات 2022، هي ضمن تحديدات شيعي-كردي-سنّي، ماعدا استثناءات قليلة، فيما كان الحزب الشيوعي العراقي، وحتى النصف الأول من السبعينيات، أقوى من حزب الدعوة بالوسط الشيعي، وأقوى في الوسط الكردي من الحزب الديموقراطي الكردستاني، ثم تلاشت قوّته مع تنامي هذين الحزبين بالثمانينيات على حساب القاعدتين الاجتماعيّتين للشيوعيّين عند الشيعة والكرد.
سلطات ما بعد الديكتاتور
على هذا الصعيد، نلاحظ أنّ انفجارات كانت تحصل ضدّ الديكتاتور وتعبّر عن قضايا ذات طابع تفجيري وتستند لقاعدة اجتماعية، مثل ما حصل بسوريا بفترتي 1979-1982 و2011-2024 ولو مع إرهاصات في حركة 1964 بحماة ضدّ البعثيين ثم تظاهرات 1973بحماة واللاذقية ضدّ الدستور. أو مثل «الانتفاضة الشعبانية» للشيعة العراقيين عام1991، عقب أيام من هزيمة الجيش العراقي أمام قوات التحالف الثلاثيني بقيادة واشنطن في الكويت.
أو حرب 1994 الجنوبية ضدّ عبد الله صالح، ثم ستة حروب خاضها الحوثيون ضدّه بين عامي 2004و2010. فيما لم يتجرّأ أهل برقة على ذلك ضدّ القذافي حتى يوم 17 فبراير 2011، عندما بدأت الثورة ضدّه من بنغازي. القضية الكردية انفجرت عسكرياً في العراق عام 1961، ضد حكم عبد الكريم قاسم، وورثها البعثيون الذين حاولوا حلّها في اتّفاق 11 آذار 1970، ولم ينجحوا وظلّت متفجّرة لما بعد سقوطهم، ولو أنها أقلّ حدّة في عراق ما بعد صدام حسين.
هنا، يجب بحث الحصيلة الإرثية لمراحل ما بعد سقوط الديكتاتور وكيف كانت قدرات سلطات ما بعد الديكتاتور على حلّ القضايا الموروثة منه.
في عراق ما بعد 9 نيسان 2003، لم يكن هناك نجاح في حلّ القضية الكردية، ونشأ فالق سنّي-شيعي متفجّر، نتيجة استئثار قوى شيعية بسلطات «العراق الجديد».
في اليمن، كانت سيطرة الحوثيين على صنعاء صاعقاً متفجّراً لـ«اليمن الجديد» ولا يزال وقعه التفجيري متزايد التأثير.
في ليبيا، لم يستطع حفتر السيطرة العسكرية على الغرب الليبي بمعونة مصر وروسيا والإمارات بعام 2019، ونشأ ما سمّاه الرئيس المصري، بخطاب في عام 2020، «الخطّ الأحمر في سرت» بين الشرق والغرب الليبيين. ولم يستطع الليبيون الاتّفاق حتى الآن على خريطة طريق انتقالي سياسي إلى ليبيا الجديدة بعد أربعة عشر عاماً من سقوط القذافي.
سوريا ما بعد الأسد
في سوريا ما بعد بشار الأسد، انفجرت مشاكل موروثة، مثل المشكلة العلوية-السنّية، وزادت تعقيداً وبالذات بعد اتّجاه السلطة السورية الجديدة إلى استئثار طائفي بالجيش والأجهزة الأمنية وبالمناصب السياسية والإدارية. ولو أنّ هذا الاستئثار لا يحمل طابعاً سنّياً عامّاً؛ فالسنّة السوريون ليسوا طائفة هي «صبّة باطون» بل يتحدّدون بتحديدات طبقية ومناطقية وبين ريف ومدينة، بل هو استئثار لأبناء مناطق ريفية وبلدات صغيرة. وهو ما سيقود إلى نشوء قضايا مناطقية وعند أبناء المدن الكبرى، وغالبيتهم من السنّة، تحمل تضادّات مع تركيبة السلطة السورية القائمة.
أيضاً قاد تعامل السلطة الجديدة، الذي لم يقرأ جيداً اللوحة الداخلية-الإقليمية-الدولية، إلى انفجار لقضية درزية لم تكن موجودة بالتاريخ السوري، ولو أنّ حركة سليم حاطوم، أعطت شيئاً منها ثم قام حافظ الأسد وابنه بتسكينها عبر إشراك واسع للدروز في الأجهزة الإدارية.
أمّا في ما يتعلّق بالقضية الكردية، ورغم أنّ اتفاق 10 آذار، قد أعطى خريطة طريق غامضة، فإنّ كون واشنطن راعية لكلا السلطة الجديدة و«قسد»، ثم وجود مفاوضات بين إردوغان وأوجلان، يوحيان بأنّ الطريق نحو الحلّ هو أكثر بكثير من العكس.
* كاتب سوري
