ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حلم التحرّر الإنساني بين نقد الرأسمالية ومعضلة الانتقال

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الخميس 18 أيلول 2025
الخط

منذ بدايات الفلسفة، ظلّ سؤال الحرّية والعدالة يطارد الفكر الإنساني: كيف يمكن للإنسان أن يعيش حياة مزدهرة، حرّة من القيود، متحقّقة في أبعادها الأخلاقية والاجتماعية؟ هذا السؤال الذي طُرح بصيغ مختلفة عند سقراط وأفلاطون وأرسطو، أعاد جان جاك روسو صياغته في القرن الثامن عشر ليجعل الحرّية والكرامة الإنسانية لبّ السياسة. لكن كارل ماركس، في القرن التاسع عشر، واجه هذا السؤال على أرض جديدة: أرض الرأسمالية الصناعية الصاعدة، حيث تحوّلت الحرية إلى امتياز طبقي، والعمل إلى عبودية حديثة، والمجتمع إلى آلة إنتاج تلتهم الإنسان.

اعتاد كثيرون أن يروا في ماركس «المنظّر الثوري»، ولكن إعادة قراءته تكشف أنه كان قبل ذلك فيلسوفاً، مشغولاً بمسألة الازدهار الإنساني. لم يكن هدفه الشيوعية كغاية بذاتها، بل كوسيلة لإعادة بناء شروط الحرّية الإنسانية في مجتمع جديد يتجاوز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. الحرّية عنده ليست مجرّد قدرة فرد على الاختيار في السوق، بل قدرة البشر على تطوير إمكاناتهم كاملة في سياق جماعي عادل.

قدّم ماركس نقداً لاذعاً للرأسمالية، لم يزل صالحاً حتى اليوم. فقد رأى أنها، رغم وعودها بالتحرّر والتقدّم، تقوم على مبدأ جوهري هو الاغتراب: العامل يُنتج ولكنه لا يملك نتاج عمله؛ يُدمَج في سلسلة الإنتاج كترس فاقد للذات، وتُختزل حياته إلى تبادل قسري للوقت مقابل البقاء. يضاف إلى ذلك، تمركز الثروة في أيدٍ قليلة، وتلاشي الطبقة الوسطى، وتحوّل السوق إلى معيار وحيد للقيمة، إذ يغدو الإنسان نفسه سلعة قابلة للبيع والشراء.

هذه الرؤية لم تكن نبوءة غائمة، بل تشخيصاً فلسفياً لبنية السلطة الاقتصادية، وقد أثبتت العقود الأخيرة صدقيّتها مع تصاعد النيوليبرالية والعولمة، حيث تُدار الشعوب بالديون وتُقاس قيمة الأفراد بقدرتهم على الاستهلاك.

جوهر مشروع ماركس هو إعادة تعريف الحرّية بما يتجاوز الفردية الليبرالية. فالحرية ليست مجرد اختيار فردي في السوق، بل حرّية اجتماعية تتحقّق حين تُبنى العلاقات على التعاون والاعتراف المتبادل، وحين يتاح للإنسان وقت وفراغ لتطوير قدراته لا أن يُستنزف عمره في العمل القسري. حتى فكرة «تقليص يوم العمل» التي شدّد عليها ماركس لم تكن مجرّد مطلب نقابي، بل كانت مدخلاً فلسفياً لتحرير الإنسان من قيود الضرورة نحو فضاء الإبداع.

في الفلسفة السياسية، شكّلت الملكية الخاصّة حجر الزاوية لفهم الحرّية. هيغل رأى أنّ امتلاك الإنسان للملكية شرط لاعتراف الآخرين به كشخص، وأنها أساس لتكوينه كذات قانونية في الدولة الحديثة. لكن ماركس قلب الطاولة: الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج لا تمنح الحرّية بل تسلبها، لأنها تخلق علاقة استغلال تجعل العامل مجرّد وسيلة لإثراء صاحب رأس المال. من هنا، يصبح تجاوز هذه الملكية شرطاً لبناء مجتمع جديد، لا كغاية مثالية بل كوسيلة لتمكين الحرّية الإنسانية في أفقها الأوسع.

معضلة الانتقال: الثورة أم الأزمة أم النقد؟
إذا كان نقد ماركس للرأسمالية لا يزال راهناً، فإنّ رؤيته للانتقال إلى ما بعدها تظلّ موضع جدل. فقد تصوّر عدّة مسارات:
1. ثورة يقودها البروليتاريا، بوصفها القوّة التاريخية القادرة على تحطيم البنية القديمة.
2. أزمة اقتصادية نهائية تنهار معها الرأسمالية من تلقاء نفسها.
3. ديكتاتورية البروليتاريا، كمرحلة انتقالية تمهّد لاضمحلال الدولة.
4. نقد اجتماعي جذري يعيد تشكيل الثقافة والوعي الجمعي.

تحليله للاغتراب، لرأس المال بوصفه علاقة اجتماعية، وللملكية الخاصّة كآلية للسيطرة، لا يزال يزوّدنا بمفاتيح لفهم عالمنا. أمّا حلم الانتقال الحتمي، فقد تهاوى، ولكن الحاجة إلى بدائل عادلة للرأسمالية لم تزل قائمة


لكن التجربة التاريخية أثبتت أنّ هذه المسارات ليست مضمونة. فالرأسمالية أظهرت قدرة هائلة على التكيّف مع الأزمات، والثورات انزلقت في كثير من الأحيان إلى أنظمة سلطوية، والنقد الثقافي لم يكفِ وحده لتفكيك بنيات السلطة الاقتصادية.
ما يبقى فاعلاً في فكر ماركس ليس خريطة الطريق إلى الشيوعية، بل الأدوات النقدية التي قدّمها لفهم منطق الرأسمالية. تحليله للاغتراب، لرأس المال بوصفه علاقة اجتماعية، وللملكية الخاصّة كآلية للسيطرة، لا يزال يزوّدنا بمفاتيح لفهم عالمنا. أمّا حلم الانتقال الحتمي، فقد تهاوى، ولكن الحاجة إلى بدائل عادلة للرأسمالية لم تزل قائمة.

أعاد ماركس تعريف الفلسفة كفعل تغييري لا كمجرّد تأمّل نظري. لكن المشكلة أن هذا التعريف نفسه أصبح مصدر مفارقة: كيف يمكن للفلسفة أن تغيّر العالم دون أن تقع في فخ الأيديولوجيا أو في وهم الحتميات التاريخية؟ هنا تكمن أهمية قراءته اليوم: ليس بوصفه نبياً يملك الحقيقة المطلقة، بل ناقداً يفتح أمامنا باب التفكير في بدائل للواقع السائد.

في زمن العولمة، نلمس بأعيننا ما وصفه ماركس:
• تمركز الثروة: حفنة من الشركات العابرة للقارّات تتحكّم في الاقتصاد العالمي.
• تشييئ الإنسان: العامل يُختزل في رقم إنتاجي، والمستهلك في رقم استهلاكي.
• الأزمات الدورية: من الأزمة المالية عام 2008 إلى أزمة الديون المتكرّرة، حيث ينجو رأس المال وتُلقى الخسائر على عاتق الشعوب.
هذه الظواهر تجعل استدعاء ماركس ضرورة فكرية وسياسية، ولكن ليس بوصفه مرشداً للثورة الحتميّة، بل كمفكّر يمنحنا لغة نقدية لفهم آليات السيطرة ومقاومتها.

السياق العربي: التبعيّة بأقنعة جديدة

في العالم العربي، تتجلّى الأزمة في أشكال خاصّة: خصخصة بلا ضوابط، بيع الأصول العامّة، تبعيّة للاقتصاد العالمي، وقمع للنقابات والحركات العمّالية. ما يُسمّى «إصلاحاً اقتصادياً» غالباً لا يعدو كونه إعادة إنتاج للتبعيّة في ثوب جديد. هنا يصبح فكر ماركس أداة لفهم كيف تتشابك البُنى المحلّية مع الرأسمالية العالمية لتجعل التحرّر الوطني شعاراً فارغاً.

الحلم الماركسي بالانتقال إلى الشيوعية قد يبدو اليوم طوباوياً، ولكن ما يجب استخلاصه هو أن هذا الحلم كان في جوهره صرخة ضد الظلم. وإذا كان تجاوزه للرأسمالية لم يتحقّق، فإنّ نقده لها ما يزال يغذّي الحركات الاجتماعية والسياسية الباحثة عن بدائل: من الاقتصاد التضامني، إلى الحركات البيئية التي ترى في الرأسمالية خطراً على الحياة نفسها.

يبقى ماركس، بعد أكثر من قرن على وفاته، حياً في قدرتنا على التفكير لا في قدرته على التنبؤ. فقد أخطأ حين راهن على انهيار الرأسمالية الحتمي، ولكنه أصاب حين كشف عن جوهرها الاستغلالي. وما نحتاجه اليوم ليس ترديد شعارات الماضي، بل استلهام أدواته النقدية لبناء بدائل جديدة، واقعية وعادلة، تستجيب لتحدّيات القرن الحادي والعشرين.

في هذا المعنى، ما أشار إليه توم روكمور في «حلم ماركس» يبقى درساً أساسياً: لا بد من تحرير ماركس من الماركسية التي حوّلته إلى عقيدة، وقراءته كفيلسوف نقدي يضع إصبعه على جرح الاغتراب والاستغلال، ويفتح أمامنا إمكانات التفكير في مستقبل لا يُختزل إلى تكرار حاضر الرأسمالية.

* كاتب

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك