عن بيان «النداء الأخير»

قبل يومين، انتشر بيان شمل بنوداً عدة، بعنوان «النداء الأخير لإيقاف المذابح والتهجير»، ووجّه دعوته ومطالباته للفصائل الفلسطينية «إلى التحرّك الفوري لأخذ زمام المبادرة واتخاذ خطوات تهدف إلى وقف آلة القتل والإبادة الجماعية والتجويع والرعب المستمر ضد شعبنا الأعزل في فلسطين، من عدو لا يعرف الرحمة ولا يلتزم بقانون، والمسؤول الأول والوحيد عن هذا الإجرام، وتضع العالم أجمع أمام مسؤولياته».
وهذه الدعوة للفصائل، تقوم عبر: «إحالة ملف أسرى الاحتلال لدى فصائل المقاومة في غزة بالكامل إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي (وعلى رأسهم دول الوساطة)» و«يدعو الجانب الفلسطيني وبشكل مباشر جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى إنشاء وإرسال قوة عسكرية عربية – إسلامية، نواتها دول الوساطة» و«تسليم إدارة القطاع للجنة محلية إدارية يتم اختيارها من تكنوقراط من قطاع غزة» و«تتعهد الفصائل الفلسطينية، وفور دخول القوات العربية – الإسلامية، بوضع السلاح عبر هدنة طويلة الأمد، لا تقل عن عشر سنوات».
هل البيان موجّه إلى «حماس»؟
هذا البيان الذي يمكن التوافق مع عنوانه، أو مع القسم الثاني من العناون (إيقاف المذابح والتهجير)، لا يمكن إلا التوقف عند تفاصيله. في البداية، وجّه البيان دعوته إلى الفصائل الفلسطينية، مع أخذ حسن النية بأن الكلام فعلاً موجّه إلى الفصائل، فهو بيان كتّابه والذين وقّعوا عليه، لا يعرفون واقع الفصائل الفلسطينية الرديء والضعيف، ولا يعرف أن القوى هذه مجتمعة لا يمكنها أن تمون على شيء، وأن عمر بعضها الافتراضي قد انتهى، وأن الحرب التي تُخاض منذ عامين، أنهت إمكانية أي احتمال لقيامهم بدور وازن وفاعل.
لكن مع التدقيق في البيان، والانتباه لما فيه، وكذلك الانتباه إلى عدد من الأسماء الموقعة عليه، يدرك المتابع أن البيان موجه إلى فصيل فلسطيني واحد، وهو حركة «حماس»، فهي الوحيدة القادرة على اتخاذ القرارات حالياً في قطاع غزة، وهي التي تفاوض بتوكيل من بقية الفصائل، وحتى إن لم توكل، فإن المفاوضين سيفاوضونها وحدها. لكن السؤال، لماذا لم يوجه البيان فعلاً إلى «حماس»، هل عدم الجرأة على تحميل «حماس» مسؤولية كل ما يحدث في غزة، أم هناك أهداف أخرى؟ ولا سيّما أن بعض الموقعين على البيان محسوب على «حماس»، وبقية الموقعين أناس لهم شأنهم وصولاتهم وجولاتهم في العمل الوطني الفلسطيني.
«جامعة» و«منظمة»
في اقتراحات البيان، لجوء إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وهذا جيّد فعلاً، ودور يجب أن تتخذه هذه الجهات، لكن ليس بعد اقتراح البيان، بل من قبل أن تندلع هذه الحرب، وتتحوّل إلى إبادة، وقبل أن يجوّع جيش الاحتلال الفلسطينيين في قطاع غزة. هذه «الجامعة» و«المنظمة» لم تتمكّنا من إدخال صحن طعام إلى قطاع غزة لإطعام المجوعين. ولم تتمكنا من إدخال علبة دواء إلى مستشفيات القطاع التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية، والتي قد تتوقف عن العمل تماماً في أي لحظة، ولا سيّما أنها تئن منذ عامين، من دون أي إمكانية لأي جهة عربية أو إسلامية أن تفرض على الاحتلال واقعاً جديداً.
بل على العكس، شنّت إسرائيل عدواناً على لبنان، استمر لأكثر من شهرين، وهو مستمر إلى اليوم بأشكال مختلفة. وآخر على سوريا قبل سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024، حين كانت تقصف إسرائيل أين ومتى أرادت، وبعد سقوطه حين دمّر جيش الاحتلال عتاد الجيش السوري، واحتل أراضيَ جديدة في الجنوب السوري، وقمة جبل الشيخ المطلة على معظم منطقة الشام. عدا عن القصف والتدمير في اليمن، والحرب على إيران، وأخيراً استهداف الدوحة عاصمة قطر.
إنّ هذا البيان غير الواقعي، على أهمية نوايا أصحابه بوقف الإبادة، هو كلام للضمير وللتاريخ، وللإجابة عن السؤال يوماً، ماذا فعلتم، وهو السؤال الذي يؤرّق العالم العربي والإسلامي بلا شك. لكن هذا الكلام صاحب النوايا الطيبة، نسي أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.
* كاتب فلسطيني
