ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

في خذلان السيّد

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الخميس 25 أيلول 2025
الخط


يخضع كل تنظيم اجتماعي – سواء أكان دولة أم حزباً أم مؤسسة – لمسار عمري محدد، يبدأ عادة بمرحلة تتّسم بدرجة عالية من الحيوية المرتبطة باندفاع الجيل المؤسِّس وحماسته، ثم يدخل تدريجياً طور الترهّل بفعل عوامل الزمن وما تخلّفه من إنهاك وتكلّس، وصولاً إلى مرحلة الشيخوخة المؤسسية المرتبطة بتقدّم عمر الجيل الأوّل. ما يحدث، هو أنّ مواكبة وتيرة تسارع الأحداث والتأقلم معها تصبح أصعب بالنسبة إلى جيل نشأ في العقود السابقة مع البطء النسبي في وتيرة الأحداث فيها. ولذلك، تُقاس إشكالية البقاء أو الزوال لأي تنظيم بمدى قدرته على تجديد ذاته، عبر آليات تمكّنه من إعادة إنتاج حيويته وتذخيرها من جديد.

إلا أنّ مؤسّسات المقاومة في دول العالم الثالث تتمتّع بخصوصية بنيوية وتاريخية، إذ لا يخضع مسارها العمري لمسار مستقلّ أو مجرّد، بل يتشكّل في سياق جدلي يتقاطع فيه فعل البناء مع محاولات التفكيك والهدم التي تمارسها قوى إمبريالية متفوّقة مادياً وتنظيمياً، في جدلية مريرة. وبذلك، فإنّ التحدّي الذي تواجهه هذه المؤسسات لا يقتصر على صعوبة الحفاظ على بقائها، بل يمتدّ ليؤثّر في شكل بنيتها الأيديولوجية والتنظيمية والسياسية ذاتها.

وعليه، ترتكز هذه المؤسّسات على مركزية كاريزماتية تتجسّد في شخصية القائد، فيغدو محوراً للتماسك الاجتماعي والتنظيمي، ورافعةً لتعزيز البنيان المؤسّسي والأيديولوجي في مواجهة آليات الاختراق والهدم الإمبرياليين. وإلى جانب ذلك، تقتضي ديمومة هذه المؤسّسات استدعاء عناصر أيديولوجية ذات طبيعة خاصّة، تتجاوز الأبعاد المادّية إلى أبعاد روحية ومعنوية، تسهم في موازنة اختلال ميزان القوى المادّي مع المستعمر. وتتمثّل هذه العناصر في توظيف منظومات قيميّة كونية تتّصل بالتصوّرات العامّة للعالم والثنائيات المطلقة لمفاهيم العدالة والظلم، للإنسانية جمعاء لا للجماعات والطوائف، وهذا ما يؤدّي في المحصّلة إلى نزوع هذه الحركات نحو الأفق الأممي، وربط مشروعها التحرّري المحلّي بأفق تاريخي كلّي يتجاوز الحدود القُطرية.

أدّى اختلال التوازن في ثلاثية مؤسّسة المقاومة إلى فقدان القدرة على ممارسة إحدى بديهيات آليات القراءة السياسية لأي حركة اجتماعية


تضع هذه الخصوصية مؤسّسات المقاومة في موقع بالغ التشابك والتعقيد. فحتى إذا ما استُثنيت آليات التفكيك الإمبريالي المباشر، المتمثّلة في استهداف القيادات بالاغتيال، أو ضرب المؤسّسات عبر أدوات اقتصادية وعسكرية، أو إضعاف بنيتها الأيديولوجية بوسائل «ناعمة»، أو عبر إنهاك طويل الأمد يؤدّي إلى تحلّلها الذاتي، يبقى أمام هذه المؤسّسات تحدٍّ داخلي لا يقلّ خطورة يتمثّل في ضرورة الحفاظ على الهالة الكاريزمية للقائد، بوصفها ركناً أساسياً في تماسك البنية المؤسّسية والأيديولوجية، بما تمنحه من إلهام وشرعية وفعّالية في مواجهة آلة العنف المادّي واسعة النطاق.

وفي الإطار العام، فإنّ إشكالية المركزية القيادية تكمن في قابليتها للتحوّل إلى نرجسية مفرطة، إذ قد ينزلق القائد إلى تمثّل دور أبوي يتجاوز حدود القيادة السياسية ليقترب من صورة «الألوهية الرمزية» ويصنع جيشاً من الكهنة والحرّاس كل مهماتهم صون وممارسة التبجيل. الأمر الذي يقوّض في نهاية المطاف المؤسّسة والأيديولوجيا معاً.

في حالة المقاومة، يأتي مفهوم القائد من سياق نقيض، وهو تعفّفه وزهده وتماسّه المباشر مع الموت والشهادة، وهو ما يعطف عليه مناعة كبيرة في التمسّك بإيمانه الأيديولوجي. يُضاف إلى ذلك، أن عملية الارتباط العاطفي بين الجمهور والقائد هنا ذات مصداقية عالية لا مصطنعة مرتبطة بالمصالح المادية. إلا أنّ هذا الاختلاف لا يعفي هذه المؤسّسات من معضلات الكاريزما، حيث يقع عليها التعامل بدقّة بين الحفاظ على الهالة القيادية كحاجة بنيوية وبين معضلة تضخّمها بشكل كبير، يفضي إلى خلل في توازن أحجام ثلاثيّة: القائد والمؤسسة والأيديولوجيا.

إنّ إدارة هذا التوازن عملية دقيقة، حيث أنّ الكاريزما تقع حكماً خارج أي مساءلة لأنها في عيون المسكونين بهيبتها ملهمة ومسدّدة، وأي خدش فيها لمكانة القائد ولو نقداً تهدّد دوره ومكانته. في المقابل، فإنّ تضخّمها بشكل أكبر يسهم في ضعف المؤسّسة والأيديولوجيا بشكل يحمّل دور القيادة أعباءهما أيضاً، وتفقدهما قوّتيهما الذاتية.

دأب كثيرون، ولسنوات، على الحديث عن مناعة حركات المقاومة عن أثر الاغتيالات لأنها «تمأسست». يقوم الخطأ في هذا التقدير على جانبين: (1) أنّ دور القائد في مؤسّسة المقاومة دور بذاته ينبع من خصوصية هذه المؤسّسة، فلا يشبه باقي المؤسّسات، تحديداً الغربية الاستعمارية. (2) والآخر، أن تضخّم كاريزما القيادة والتعويل عليها يضعف حتى من استجابة المؤسّسة وتماسك الأيديولوجيا في حالة فقدانهم، ما يؤدّي إلى نجاح السياسة الاستعمارية في خلق الصدمة والانهيار.

نصل هنا إلى بيت القصيد؛ أنّ معضلة التضخّم للقائد المقاوم الزاهد تمثّل إنهاكاً كبيراً له. فهو ينوب عن عمل المؤسّسة، من جهة، والرافعة الأيديولوجية من جهة أخرى. حيث يتحوّل الأخيران، خصوصاً الأذرع الإعلامية والثقافية، إلى لعب دور أقرب منه إلى مؤسّسات الحكم منه إلى مؤسّسات المقاومة. وتتحوّل العلاقة، بدلاً من ثلاثية تتشارك حمل الأعباء، إلى عملية تبجيل وتبرير منظّمة، ورمي كلّ الأعباء الفكرية والصيانة الأيديولوجية على القائد، في إنهاء كامل للعلاقة الطليعيّة بين ثوريّة مؤسّسة المقاومة وقيادتها والجماهير.

ليس من الصعب المحاججة بأن السيد نصرالله وجد نفسه في هذا الموقع. فقد آل المسار العمري للمؤسّسة، وتتابعُ مشاريع التفكيك والإنهاك الإمبريالي، سواء في الداخل اللبناني أو انفجار المشرق بعد سقوط بغداد، والحرب السورية والتآمر الخليجي، إلى وضعٍ، أنهك كذلك الأيديولوجيا. بينما لعبت الأذرع الثقافية والفكرية والإعلامية لـمفهوم «المحور» دوراً سلبياً وكارثياً، وهو ما كان جلياً وصائباً لدى السيّد بأنه لا يملك الثقة بها والاستماع إليها فهي عبء لا أكثر.

أدّى اختلال التوازن في ثلاثية مؤسّسة المقاومة إلى فقدان القدرة على ممارسة إحدى بديهيات آليات القراءة السياسية لأي حركة اجتماعية، وهو وجود تدافع بين التصوّرات والافتراضات المختلفة عن صانعي القرار، لا في أن يصبّ الجهد الفكري في محاولة مستميتة للتمسّك بافتراض واحد وإسباغ العقلنة عليه.

كانت الكاريزما من التضخّم المتعب لها، والأيديولوجيا من الإنهاك، حيث طغت أولوية امتداد الصراعات الأهلية في المشرق واعتباراتها واستقطاباتها الهوياتية، ما حوّل هذه الآلية إلى تهديد مفترض لمكانة الكاريزما. حتى أمسى النطق الصريح بالأيديولوجيا وأدبيّاتها موضعَ ريبة وجدل، إذ تَقوَّضَ دورُ الأيديولوجيا كعقد إيماني مشترك وحاكم، قائم بذاته، إلى وضع مشروط، يقع على القائد وخطابه وزر إعادة تذخيره وصيانته في كل مرّة، في فقدانٍ تام لسند ثقافي وازن في المجال العام.

يقع خذلان السيّد في تركه وحيداً يحمل كل هذه الأعباء بشكل خارق يفوق مقدرة أي بشري، ما أدّى إلى نجاح العدوّ في صنع حزمة افتراضات محيطة بتصوّرات الحرب. إنّ ما يفتك بالفؤاد كيف خذل، ولعام كامل من حرب الإسناد، في أن تتكوّن حزمة أصوات تؤدّي إلى تدافع صحّي بين الافتراضات. كيف حصل هذا الانفصال المهول المقطوع في القراءة بين كتلة تفاجأت بالاغتيال والحرب، وبين كتلة فينا كانت تراه مآلاً قادماً، أقلاً منذ «عملية الأربعين» (والتسمية بدورها دلالة أخرى على التحوّل الأيديولوجي) ــــــ يومها أرسلت لصديق أنني سأبيكه وأقرأ الفاتحة منذ ذلك اليوم.

هنا تقع العبرة والتعلّم من الدور الثقافي والسياسي أمام موقع الشخصية الكاريزماتية للقائد، والمسؤولية والحبّ الصادق تجاهها. فالخذلان الأوّل في حرب الإسناد. والثاني ـــــ والذي يجب تجنّبه بعد عام كامل من ذلك العام ــــــ يمرّ من دون مراجعة ومع تدهور إعلامي وأيديولوجي وفكري يستمرّ ويسوء.

لا يجوز السماح بتحويل شخصية السيد نصرالله إلى موروث وقائد محلّي محاصر بالموسيقى الحزينة وألحان اللطميات. السماح بذلك خذلانٌ لتاريخه ولشخصيته كقائد عربي إسلامي كبير، والأهمّ أنه لا يسهم في غاية الانتقام له من الوغد نتنياهو ومن الصهيونية. خصوصاً أنّ السيّد الشهيد، وفي آخر خطاب له، وضع لنا المسار والتشخيص، وقدّم لأجلهما دمه، في أطروحة فحواها:

أوّلاً، أنّ وحدة الجبهات ونقض الحدود أصل، يجب ترميمه، إن لم يكن عملياتياً الآن وهذا تقدير العسكر، فعلينا البدء فكرياً وأيديولوجياً في إعادة التذخير له، وهذا دور كل فاعل في المجال العامّ.

ثانياً، أنّ الوجود الصهيوني داخل القُطر اللبناني «فرصة تاريخية» للتنكيل بالصهيونية، وهي فرصة مستمرّة في مسار حرب طويلة كبيرة مع هذا الكيان.

ثالثاً، أنّ قيادة العدوّ، النرجسية الشخصانية، تقودهم إلى الهاوية، وهذه حتماً مآل غطرسة الوغد نتنياهو.
رابعاً، أنه إذا ما تداركنا الوضع وحرصنا على صيانة حقيقة كونه قائداً ثورياً من عليائه لا موروثاً يُبكى، وتبنّينا تشخيصه، فيكون النصر في إتمام طريق القدس، ولا معيار للنصر غير ذلك، كما قال هو: «أفقه واضح يراه الصابرون والمجاهدون».

* كاتب عربي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك