كيف قضت حرب غزّة على الحزب الديمقراطي؟

هجوم الرئيس دونالد ترامب على الجامعة (باعتبارها العدو) لم يكن ليَكتسب هذه الفعالية التدميرية لولا أنه بَنى على «إنجازات» سلفه الرئيس الديمقراطي جو بايدن في هذا المجال. بايدن هو الذي وَضَع الأسس القانونية والسياسية التي تَنزع الشرعية عن الحرمة المفترَضة للجامعات حين هاجمتْ شرطته التظاهرات الطالبيّة الداعمة لحقوق الفلسطينيين الأساسية. وفعلياً كل خطاب ترامب اليوم إزاء الجامعات هو مجرد تكبير لنفس خطاب بايدن حول تجذّر معاداة السامية في الجامعات.
وحتى بعد اغتيال تشارلي كيرك، وإمكانية إضافة موضوع «مظلومية» اليمين في الجامعات، لا تزال ثيمة معاداة السامية هي الأكثر تفضيلاً بالنسبة إلى ترامب في إخضاع الجامعات. خطاب الإدارة الديمقراطية خلال فترة التظاهرات الطالبيّة كان أن الولايات المتحدة سَمحتْ لمدة طويلة لمعاداة السامية أن تَزدهر في الجامعات وهذا كان خطأ يجب اليوم تصحيحه، لقد رَكّزنا كثيراً على عضلة النقد، لكن اليوم علينا أن نركِّز على عضلة الحوار (الغارديان) وأنه يجب إعادة تأهيل الطلاب ليكتسبوا مهارة الاستماع التي تبيّن بعد حرب غزة أنها غير موجودة في الجامعات (واشنطن بوست).
كل ما راكمته الجامعات من إبستيمولوجيات نقدية تمّ تهشيمها في لحظة من أجل التغطية على الإبادة غير مدركين للأثمان التي سيدفعونها بعد أشهر قليلة. طبعاً كانت معنويات الحزب الديمقراطي في حينها في أوجها، وكانوا يهاجمون الجامعات بلغة تلقينية واثقة بأنهم منتصرون في معركتهم السياسية خارج الولايات المتحدة وداخلها وأنه لن يكون هناك ترامب مرة أخرى (كان الاعتقاد السائد أن الدعاوى القضائية بحق ترامب إنْ لم تزجّ به في السجن، فعلى الأقل ستمنعه من دخول السياسة مجدداً).
هنا بَدأت الأزمة الهيكلية. بالنسبة إلى الديمقراطيين، على الأقل منذ عام 2016 ثم مع أزمة فيروس كورونا، فإن الجامعة كانت تمثّل القطعة المركزية في مؤسسة الحزب: كلما ازدادت شرعية الجامعة السياسية والمجتمعية ازداد الحزب الديمقراطي شرعيةً وقوةً (والعكس بالعكس في حالة ترامب). إحدى المُحاجَّات المركزية في خطاب الحزب الديمقراطي كانت أننا إلى جانب الخبراء، إلى جانب ما يقوله الأكاديميون المتخصّصون، بعكس المعلومات المضلّلة التي ينشرها ترامب.
كانت تلك الفترة التي «اكتشف» فيها الأميركيون أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي هي مرتع للأخبار المزيّفة (بعدما كانت حتى عام 2016 هي الأمل في عالم ديمقراطي) وأنه يجب أن نَعتمد على ما يقوله الأكاديميون لمحاربة الأخبار المزيّفة. ورغم هذا «الاكتشاف» إلا أن السيليكون فالي بقيتْ إلى جانب الحزب الديمقراطي إلى حد بعيد حتى نهاية العام الماضي 2024 حين أصبحت السيليكون فالي الحليف الأساس لترامب أكثر من وول ستريت (سنتحدّث في المقال المقبل عن تبعات هذا التحوّل في الولاء السياسي لـ«برجوازية الداتا» والمكان الضبابي لوول ستريت في فريق ترامب).
الفكرة أنه خلال ولاية ترامب الأولى، وإزاء الفضاء الإشكالي الذي شكّلتْه وسائل التواصل الاجتماعي، احتمى الديمقراطيون في مؤسسة الجامعة، وحملاتهم الإلكترونية على هذه المنصات كانت من قبيل أنا أثق بالعلم والدفاع عن الإبستيمولوجيات النقدية التي هاجموها لاحقاً. قيل لنا إن الجامعة هي معقل المقاومة ضد الفاشية.
إضافة إلى كون الجامعة هي مؤسسة الخبراء الذين أعلى الحزب الديمقراطي من شأنهم في مواجهة ظاهرة إنفلونسر مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرتْ في أوساط اليمين، فإنها كانت أيضاً مؤسسة الشبان والشابات الذين اعتَبرهم الديمقراطيون ركيزتهم العمرية في أي انتخابات.
مرّت الأشهر وإدارة بايدن تقوّض حراك الطلاب دون أن تَدري أنها بهذه العملية كانت تقوّض شرعية المؤسسة المرجعية للحزب الديمقراطي كما تشكّلتْ بعد عام 2016
إذا كنا نتذكّر، منذ النتائج الصادمة لتصويت البريكست منتصف عام 2016 وصدمة انتخاب ترامب بعد أشهر قليلة كان هناك خطاب إيجست (متحيّز ضد الكبار في السن) صلف في أوساط الديمقراطيين والأكاديميين بأن صغار السن يَنتخبون التقدميين وكبار السن متخلّفون يَنتخبون الفاشيين، إمّا لأنهم يَنتمون إلى الماضي والعالم بطبيعته المفترَضة هو في حالٍ من التقدّم وإمّا لأنهم يحنّون إلى العصر الصناعي حين كانت الوظائف أوضح وأكثر ثباتاً ونواة الأسرة البطريركية متينة.
فقط خلال السنوات القليلة الماضية بَدأت الأرقام تُظهِر بوضوح خواء هذا الادّعاء (تماماً كما بات من الصعب إخفاء الأرقام الآتية من غزة) وأن هناك في المجال الافتراضي «مانو-سفير» يَجتذب شرائح واسعة من الذكور الصغار السن، بالتالي لا قيمة للخطابات الإيجست. خيار العنصر الشبابي الجامعي في الحزب الديمقراطي كان واضحاً إلى جانب وقف الإبادة في غزة، ومهاجمة خيم الاعتصام التي أقاموها لم تغرِّب الشباب الجامعي عن الحزب الديمقراطي فحسب، بل أفقدتهم الثقة بمؤسسة الجامعة كمساحة مختلفة.
يمكننا القول إنّ مَنْ قاد انقلاب الديمقراطيين على الجامعة هم «طبقة الإداريين المحترفين» (PMC) الذين يوالون الحزب الديمقراطي إلى حد كبير، ولكنهم بانشباكهم بمدرسة البزنس (التي تشكّل جامعة معادية داخل الجامعة)، سَهّلوا للحزب الديمقراطي أن يتوهّم أن الهجوم على الطلاب المتظاهرين من أجل غزة في الجامعات لن تتمّ رؤيته على حقيقته: أنه هجوم على مثال الجامعة التي شَكّلتْ ملجأ الحزب الديمقراطي خلال ولاية ترامب الأولى.
الجو منتصف العام الماضي كان أن التظاهرات الطالبيّة من أجل غزة هي «الجانب الصحيح من التاريخ»، وأنها شبيهة بالتظاهرات الطالبية في سبعينيات القرن الماضي وسيكون لها نفس الأثر العميق في مستقبل الولايات المتحدة والعالم، انتصارها حتمي. مرّت الأشهر وإدارة بايدن تقوّض حراك الطلاب دون أن تَدري أنها بهذه العملية كانت تقوّض شرعية المؤسسة المرجعية للحزب الديمقراطي كما تشكّلتْ بعد عام 2016. لم تَنتصر الحركة الطالبية كما كان «يُفترَض».
يمكن إرجاع استعصاء الجامعة الأميركية على تطويع الإدارة الديمقراطية جزئياً إلى جهود الأكاديميين الفلسطينيين في تلك الجامعات خلال العقود الماضية، إدوارد سعيد وغيره. فشل الديمقراطيين الذريع في انتخابات 2024 هو انتقام إدوارد سعيد منهم (انتقام الفلسطينيين، انتقام قسم الأدب ومنهجياته، انتقام النظرية الفرنسية وإبستيمولوجيات المقاومة،...).
اليوم خلال المقابلات التلفزيونية التي تُجرى معهم، تتنهّد كامالا هاريس ويتنهّد بيرني ساندرز قائلين إن «النظام مكسور»؛ إذا كان الديمقراطيون يقفون مذهولين غير قادرين على ردّ الفعل بعكس الحالة خلال في ولاية ترامب الأولى (كان الديمقراطيون حينها أكثر حيوية، كانت تلك فترة التظاهرات الأكثر تنظيماً وإثارة للنقاش، وأغنية بيلا تشاو، و«أنا لا أستطيع التنفّس»...)، فليس ذلك بسبب «الصدمة» أو المراجعة (ليس هناك دليل على أن هناك مراجعات جدية حتى الآن)، بل لأنهم خلال ولاية بايدن وبسبب حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة دَمّروا المؤسسة التي شَكّلتْ يوماً ملجأهم المؤسساتي. وإذا كانت مؤسسة الجامعة الأميركية اليوم تبدو غير قادرة على مقاومة ترامب، فذلك تحديداً بسبب ما أَقدمتْ عليه إدارة الرئيس بايدن.
باختصار، إلى ما قبل حرب الإبادة في قطاع غزة، كانت استراتيجية الديمقراطيين لمواجهة ترامب متمركزة حول قدسية الجامعة، جامعة الخبراء والشباب وطبقة الإداريين المحترفين، وبهجومهم على الرمزية التاريخية، الأميركية بالذات، للجامعة، أطروحة أن «الطلاب الجامعيين دائماً على الجانب الصحيح من التاريخ»، فإن الديمقراطيين ضَربوا المؤسسة المركزية في عمارتهم السياسية، وخاضوا الانتخابات من دون مؤسسة مرجعية، لا وسائل التواصل الاجتماعي ملائمة لخطابهم ولا الجامعة احتفظت بقدسيتها التاريخية ولا هم أَوجدوا مؤسسة ثالثة.
ربما بعد هجومهم على الجامعة «التي ربّت الحساسية السياسية لدى الطلاب بدل أن تربّي فيهم حسّ الحوار البنّاء»، ظنّ الديمقراطيون أن وسائل الإعلام التقليدية ستكون مؤسستهم، «الطريق الثالث». كان ذلك رهاناً مجازفاً ويفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، إذْ إن أزمة وسائل الإعلام التقليدية هي من العمق بحيث تَجعل أزمة الحزب الديمقراطي تبدو بسيطة.
السؤال الآن هو عمّا إذا كانت النظرية السياسية والتاريخية للجامعة الأميركية ستتعافى، ليس من هجمات ترامب، بل مما تسبّب به الديمقراطيون من أجل إسكات صوت غزة؟
* باحث
