ملامح الخطة الإسرائيلية في المنطقة

يبدو أن خيار نتنياهو الاستراتيجي هو التصعيد المنضبط في كل الاتجاهات، من دون تنازلات، وفرض أقصى إخضاع على دول الطوق. سياسة يسهل وصفها بالكفاءة/النجاعة حتى الآن، لكن يصعب وصفها بالعقلانية، وبالتحديد على المدى الطويل. ومن أبعادها اللااكتراث بنزيف الشرعية الدولية، الدبلوماسي، والاقتصادي والدفاعي أخيراً، الخيار غير العقلاني، بدوره، في ضوء نظرية العلاقات الدولية، ومع، وبعد كل ذلك، الإخفاق في «ردع» أو تحييد إيران. لكنه يركض نحو فرصة استراتيجية عظمى يراها، وينجح برنامجه مرحلياً بفعل عوامل كثيرة، من أهمها عجز الفاعلين الإقليميين الآخرين، وبنية التبعية في المنطقة، وخلل وحساسية توازنات القوى. ويبدو مطمئناً لقدرته على احتواء التداعيات، بمشاركة ترامب، ولقدرة الاقتصاد حتى في حال فرض عقوبات معتبرة، ومع التعرّض لعزلة نسبية.
بغريزة صياد الفرص، ومعه بنية كاملة تتماسّ مع نخبة العالم، يفرض نتنياهو معادلة صفرية نسبياً في دول الطوق، تختلف تنويعاتها، وجوهرها واحد. في صفّه تيار «شعبي» لا عقلاني، ذو غطاء أيديولوجي، يبدو طليعة مسلحة نوعية لهذه النخبة، وأموال لا تنفد، والولايات المتحدة وخطوط إمداد مفتوحة.
ويمثّل واقعياً مخيّلة جمعية كاملة، مسلّحة، وليست فاشية بالتحديد إنما إبادية، والتشابه في المنطق مع «داعش» لافت: ترجمة عملية محض حربية وخارج التاريخ لنص ديني، لشرعنة الاقتلاع والإخضاع أو الإبادة للناس واستباحتهم، والاستعلاء بالوحشية في غياب القيم. كأنّ لحظة 1948 ولحظة الموصل وجهان لعملة واحدة، لكنّ الأولى شهدت تفوّقاً تسليحياً معتبراً للعصابات الصهيونية، وعددياً للمفارقة، والثانية واجهت إجمالاً تنظيمات شعبية عضوية (لا جيوشاً نظامية)، يجري الآن الإعداد لنزع سلاحها بهدف التأمين المطلق لمحيط إسرائيل القريب.
إذا حاولنا عقلنة مسار نتنياهو العملي منذ انطلاق «الطوفان»، قد نلحظ نمطاً للتعاطي مع المعركة باختلاف جبهاتها، ولاستخدام أدوات «الصهيونية العالمية» على تنوّعها. المبدأ العام غموض الهدف الاستراتيجي المحدّد، واتضاح الهدف المرحلي تباعاً، تأمين المحيط، وشمل ردع الحزب وإسقاط الدولة السورية وضرب إيران، ومع هامش حركة إسرائيل الواسع ننتظر فرض انكفاء أو تواطؤ أعمق على الأردن ومصر.
يقود الغموض إيقاع تواتر مخطط للعمليات والفاعلية، باختيار للتوقيتات، اعتماداً على حرية الحركة وتنوّع الشركاء والأدوات، ومنها التكنولوجيا المتقدّمة. ويكشف الإيقاع (العملياتي) تباعاً ملامح «الهدف» - المعادلة شِبه الصفرية مع دول الطوق: تحقيق هيمنة كاملة على المنطقة، وتصفية البيئة الاجتماعية الحاضنة للمقاومة، وفرض حزمة شروط ضامنة في كل الاتجاهات لا لمستقبل الكيان وحسب، لكن لهيمنته، وتجريف ممكنات نشوء قوة (أو منطق) معادييْن.
في هذا السياق، يُنتظر توقيع «كامب ديفيد السورية»، وتثور التساؤلات عن مستقبل لبنان وسيناء. ويترقب نتنياهو السيطرة على غزة، ثمرةً ناضجة لمجمل استجابته لـ«الطوفان»، مضطراً إلى بلوَرة مثل هذا المكسب بالحد الأدنى. ومعه حرّية حركة شبه كاملة، وأفكار عامة، مثل خطة توني بلير: هيئة دولية مؤقّتة لإدارة القطاع، ولجنة تنفيذية بشراكة طرف محلي، وقوة شرطة مدنية من غير الحزبيين وأخرى متعددة الجنسيات للحدود.
والتجربة الإسرائيلية الناشئة في «لحدنة» القطاع: مجموعة ياسر أبو شباب، المرتكزة حالياً مع جيش الاحتلال في رفح المغلقة، وتكاثر مجموعات الارتزاق بالسلاح لصالحه، وبعضها يعمل في حماية وسرقة المساعدات. وفي الخلفية بحث، أميركي وعربي أولاً، عن «إدارة مدنية» فلسطينية مناسبة صهيونياً تتولّى مسؤولية الإدارة المحلية المباشرة، وتأتي مرتبطة بشرط بلير «إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية».
المشهد المأمول إسرائيلياً يحقّق نموذج مراقبة وسيطرة لا يستلزم إعادة احتلال كامل القطاع، لكن يعيد تشكيله أمنياً واستراتيجياً، أولاً بإعادة احتلال أقصى شماله (محافظة الشمال) وإنهاء الوجود الفلسطيني وسيطرة المقاومة فيه إجمالاً، وقوفاً عند أطراف مدينة غزة بالحد الأدنى، ثم تقسيم القطاع رأسياً إلى ثلاث مناطق سيطرة جوية ومراقبة، وعمليات منخفضة الوتيرة. مع احتلال «هامش» في أقصى الشرق بطول القطاع، وتثبيت احتلال أقصى غرب رفح، الشريط الحدودي بعمق بضعة كيلومترات داخل غزة. ويبدو - حتى اللحظة - أن التوغل شمال القطاع، المعروف بعملية إعادة احتلال غزة، لا يتضمن توسيع ذراع السيطرة المتوغل في الوسط، بين خان يونس ودير البلح، ويتّبع نفس منطق التوغل البطيء «الديناميكي» / المرن كسابقه.
ولأن الهدف أقرب إلى إحكام السيطرة، في حضور تكنولوجيا فائقة، وضرب التراكم الذي حقّقته المقاومة، تحرص الأخيرة حتى اللحظة على إطلاق النار، من الشمال وغيره، لكن تظل معضلة الإمداد والإعاشة من دون حل، ما يمكّن الاحتلال من ضرب القدرة على إعادة إنتاج المجتمع نفسه هناك، وتقزيمه إلى أقصى حد ممكن، على شاكلة «عدّ السعرات الحرارية» الممرّرة لغزة.
ويدرك نتنياهو وإدارته أن سيناريو التهجير القسري المهندَس، على النحو الذي يتمنّاه اليمين المتطرف، يفتقد طريقة حقيقية للتنفيذ، ويتطلب عملاً تنظيمياً وإدارياً ضخماً، يصطدم بعوائق لا تُحصى وأصلبها قرار أغلب الغزاويين بالبقاء، أو المبادرة للاصطدام بمصر من دون مكسب مضمون متوقّع. لكنه قتل حوالي 10% من السكان بالفعل، ويأمل أن تفرز الحرب شروطاً مناسبة للتهجير الطوعي، والأهم: للهندسة الاجتماعية للقطاع في سبيل تجفيف منابع المقاومة مستقبلاً.
إذا وصفنا التفاوض المتقطّع، غير المباشر، بعملية مساومة تخوضها أطراف قراراتها «عقلانية»، بميزان المكاسب والخسائر، يساوم نتنياهو على تنفيذ «وقف إطلاق نار» من جانبه، لكنه عملياً يحصّل الحد المرحلي الأقصى للإنجاز والكسب، ببعد استراتيجي، في مقابل فراغ عربي واسع وضوء أخضر أميركي، ويُعدّ خياره التصعيدي هو الأكثر عقلانية من هذه الزاوية. وإن كان وهو يعيد تعريف «تأمين مستقبل» الكيان بهذا الشكل، يخفق في تحقيق استقرار بيئته الاستراتيجية، التي يكلّفها مشروع الهيمنة بالوكالة هذا كثيراً، في سعيه، بمنطقه الخاص وفي ضوء الفرصة التاريخية، إلى إثبات جدارة الكيان بالتوكيل الغربي.
الواقع المفروض هنا أنّ أحد أركان الجدارة هو إخضاع حتى الأصدقاء العرب، محور الاعتدال، مع إخضاع وضمان قطع تراكم المقاومة في الجبهات الساخنة، بمساعدة التفوّق التكنولوجي وهدر سيادة الدول، وتحويلها إلى بيئات طاردة بشرياً. بعد انقضاء قواعد الاشتباك القديمة، وإطلاق دائرة مساومة لا تفاوضية جديدة مع إيران، تشمل العراق ولبنان، وتترقّب توقيتاً أو فرصة لتوجيه ضربة جديدة.
* كاتب مصري
