عن البراغي التي تريد النيل من المقاومة

إنها أفعال البراغي. البراغي البشرية التي تحرّكها الغرائز والأحقاد، والتي لا تملك من أمر نفسها إلا الإذعان لما يُطلب منها أو يُملى عليها. وإذا كان صحيحاً، بحسب المشهد السياسي المرتسم، أن البراغي أنواع وأحجام وأدوار ووظائف ومناصب ورتب، فإن هذا لا يغير في جوهر الموضوع شيئاً. فالبرغي هو البرغي صغر أم كبر، طال أم قصر، عظم دوره أم ضمر. وكل قول يهدف إلى التمييز بينها لا يعدو أن يكون من أنواع الوهم الخالص.
فالبرغي الصغير كما الأصغر كما البرغي الكبير كما الأكبر مجرد أدوات محدودة الوظيفة في آلة أكبر منها وأعظم. وما الوقائع السياسية والإعلامية والثقافية (وهذه الأخيرة هي الأخطر!) الماثلة أمامنا إلا مرآة ودليل. فـ «زمن البراغي» بات يثقل على البلاد والعباد من مشرق الوطن العربي إلى مغربه.
في تكرار مملّ وعناد طفولي (وطفيلي) أشد مللاً، ولا تصنيف عيادي دقيقاً لهما حتى الساعة، قرر أحد هذه البراغي (يزعم لنفسه صفة غير التقليدي، غافلاً عن أنه، أقله من حيث الدور والوظيفة والأهداف، أحد نتاجات المصنع الأميركي الأكثر تقليدية في العالم، والذي يتفوق في تقليديته على مصانع الغرب والشرق مجتمعة والأدلة على ذلك بلا حصر) معاودة (استكمال) فتح النار على شعب المقاومة، بعد عجزه عن الوصول إلى المقاومة.
وها هو اليوم، ومن بعد محاولات فاشلة عدة لم تكن «قرارات» 5 و7 آب الماضي المشينة أولها ولا آخرها، يكرّر المحاولة، بوهم القدرة على تحقيق ما عجزت عنه الآلة الأم نفسها، يوم أرسلت الأساطيل والبوارج وفتحت المخازن ومعها النار ودفعت بالجيوش وواكبت عدوان البرغي الإسرائيلي وسلّحته بأحدث ما في ترسانتها من أدوات قتل ووسائل إبادة.
بل إن تجاهله التام لمقتضيات الموقع المعزّز ومسؤولياته تجاه الناس، ولا نقول جهله، وإصراره النرجسي على ممارسات الكيدية التي لا طائل منها، يؤكد إخلاصاً يكاد يكون نادراً لوجهة تخلٍّ وارتداد أصيلين عن مزاعم قيمية وقومية ووطنية يدّعي البعض أنها طبعت يفاعته.
إصداره لقرار حل جمعية «رسالات»، وقبلها استمرار عرقلته للإعمار وسكوته على استمرار العدوان والامتناع الصريح عن إدانته، فضلاً عن تصريحاته وبياناته وقراراته ضد شعب المقاومة، مناسبة لقول ما تأخر قوله لمن ارتضى عن وعي مشكوك فيه، أو قلة فطنة مؤكدة، الامتثال الأعمى لإملاءات السفراء والمبعوثين والرسل.
بل إن الأخطار الناجمة عن سلوكيات الاستفزاز والعدوانية المتمادية تجاه المقاومة وشعبها تهدد بإدخال البلد في نفق بالغ الحلكة. وعليه، لم يعد جائزاً ولا ممكناً السكوت عن سياسات خرقاء تستبطن الرغبة المرَضية في إحراق البلد وإغراق أهله في الفتن.
الطريف في حرب هذا البرغي على المقاومة وعلى شعبها العابر للترسيمات السياسية والطائفية اللبنانية، والكاسرة لها، وهو ما ظهر ويظهر جلياً في الاحتضان الشعبي المتزايد للمقاومة في كل المناسبات النضالية التي أقامتها أو تنوي إقامتها، وهذا ما يزيد في غيظه وغيظ أقرانه، ربما يكمن في افتراضه أنه رأس حربة هذه الآلة وترسها المتقدم، في حين أنه، في الواقع الملموس، مجرد برغي صغير في آلة عجزت عن الوصول إلى أهدافها بالحرب الإجرامية، فتسعى إلى تحقيقها عبر سياسات كيدية تقوم على النزق والحماقة وغيرهما من ضروب الذهان النفسي والعصبي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن صفة البرغي الصغير لا تعني الإهانة أبداً، ولا حتى التقليل من شأن من لا شأن له في الواقع المعروف أو الملموس. إنها صفة لطبيعة الدور ومقتضيات الوظيفة التي كُلفوا بها لا كمكافأة لم يحلموا بها، وإنما كاختبار جديد من اختبارات الارتهان والتبعية.
لا وجود لعدم علمي. فالعدم العلمي هو افتراض ذهني ليس إلا. إلا أن العدم الوطني الذي يفترض البعض أنه لا يختلف عن العدم العلمي، ليس كذلك أبداً. فهذا العدم هو حقيقة لا تقبل التشكيك. ولعل المثال الأوضح عن العدم الوطني هو في البراغي التي رفعت بيارق الحرب، وأخذت على عاتقها مهمة المسّ بالمقدس الوطني اللبناني الذي تجسده المقاومة.
يبقى أن يقال إن براغي الدبابة الأميركية الناشطة في لبنان اليوم هي شقيقة البراغي الإسرائيلية. ولا بد لها من أن تلاقي مصير الفشل نفسه. فالبراغي الأميركية التي تصول اليوم في طول البلاد وعرضها، لن تكون أفضل حالاً من تلك البراغي التي جاءت مع نيوجيرسي ثمانينيات القرن الماضي ورحلت معها. والتاريخ يقول إنه لو نجحت براغي عام 1982 لما احتاج الأمر إلى براغي عام 2024 البائسة.
إشارة أخيرة لا بد منها، وهي أن التطور التقني والصناعي لا يعني أن براغي اليوم أكثر كفاءة من براغي الأمس. بل ربما كان العكس هو الصحيح، والعبرة في القادم من الأيام.
