من شينجيانغ إلى بيروت وغزّة: الحقيقة لا يمكن إخفاؤها

تعدّدت الروايات عن منطقة شينجيانغ الذاتية الحكم لقومية الإيغور، إلا أن معظمها كان مجرد ادّعاءات وافتراءات تهدف إلى التضليل والتشويه. فمعظم من تناول هذا الموضوع لم يزر شينجيانغ ولم يشهد عن كثب واقع الحياة فيها. أما الكتابات التي تمّت استناداً إلى زيارات ميدانية، وهي قليلة، فقد اختلفت في معالجتها للموضوع، وكانت في معظمها مناقضة لما رُوّج له عن المنطقة.
كنت من بين القلة الذين أتيحت لهم الفرصة لزيارة شينجيانغ، حيث زرتها ست مرات في السنوات الأربع الماضية. ومن خلال هذا المقال، الذي يُكتب بمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس منطقة الحكم الذاتي في شينجيانغ، أودّ تسليط الضوء على ثلاثة محاور رئيسية تتبادر إلى الذهن مباشرة عند الحديث عن شينجيانغ، التي تُعدّ من أكثر المناطق تعرّضاً للتشويه والتضليل على مستوى العالم.
حقوق الإنسان ضد "البيجر"
في 23 أيلول/سبتمبر 2024، كنت في زيارتي السادسة لشينجيانغ. في ذلك المساء، دعتني صديقتي من أورومتشي (Urumqi) إلى العشاء، زميلة من أيام الدراسة معاً في ووهان، وأصبح لدينا تقليد خاص بلقاء كلّما زرت شينجيانغ. كنت قد عدت للتوّ من لبنان إلى الصين، وكان الوضع هناك متوتراً للغاية، حيث كانت إسرائيل قد نفّذت للتوّ عملية تفجير "البيجر"، والتي أسفرت عن جرح أكثر من 3500 لبناني. وقد صنّف العديد من الخبراء القانونيين، ومنهم تابعون للأمم المتحدة، هذه العملية على أنها جريمة حرب، بينما اعتبرها الكثيرون حول العالم، وأنا منهم، إحدى أبشع عمليات إرهاب الدولة.
كنت أحدّث صديقتي عن الأوضاع في لبنان وعن هذه العملية بالتحديد، وأعيد نقاشاً قديماً ودائماً معها حول اتّباع الغرب الاستعماري معايير مزدوجة، وأنه لا يهتم أبداً بمصالح شعوبنا، بل كل ما يشغله هو تنفيذ مخططاته حتى لو أدّى ذلك إلى تدمير دولنا وإبادة شعوبنا. دائماً ما كان يقود هذا النقاش إلى إجراء مقارنة حول ما يقوله الغرب ويفعله في شينجيانغ وعالمنا العربي.
وأعطيتها مثالاً عن تعامل الغرب مع عملية "البيجر" التي أدّت إلى اقتلاع أعين أطفال وبتر أطرافهم، حيث وصفت الصحافة الغربية العملية بأنها "مذهلة من حيث التقنية والتأثير"، دون أن تبدي أي تعاطف مع اللبنانيين، بل وكرّرت الرواية الإسرائيلية كتبرير لهذه العملية. هذا الإعلام الذي يسوّق دائماً لنفسه بأنه موضوعي ومحايد وعلمي، سقط في لبنان كما سقط ويسقط كل يوم في غزة التي تتعرّض للإبادة الجماعية.
قلت لها: "هم لا يرون كل هذه المجازر والإبادة التي تحدث منذ سنتين، والتي يتم نقلها على الهواء مباشرة. بل يبرّرونها، بل ويحتفلون ببعضها. وفي الوقت ذاته، يقودون حملة عالمية زائفة، بلا أي دلائل، تدّعي أن الصين تنتهك حقوق الإنسان في شينجيانغ، مطالبين بفرض عقوبات عليها. هذا بينما لم يستدعوا أي سفير إسرائيلي منذ سنتين".
بينما نحن نتناقش، لاحظت أن العديد من الرسائل وصلت إلى هاتفي. نظرت إليها فوجدت أن هناك أخباراً تفيد بحدوث هجوم إسرائيلي واسع على مئات القرى والمدن في لبنان، ما أدّى إلى نزوح أكثر من مليون شخص من مناطقهم، وأسفرت الغارات التي تجاوز عددها 1200 غارة عن استشهاد أكثر من 500 لبناني في ذلك اليوم المشؤوم. وكان هذا اليوم بداية حرب تدميرية على لبنان استمرت لأكثر من 60 يوماً.
كنت أتابع الأخبار بينما بدأ التوتر يظهر على وجهي. سألتني صديقتي عن الأمر، فشرحت لها. قلت: "انظري إلى هذا الخبر، المتحدّث باسم البيت الأبيض يقول، إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس. هل هناك أوقح وأكثر إجرامية من هذا التصريح؟".
أروي هذا اللقاء لأسباب عدة: أولاً، لأن الصدفة جعلتني أقرّر كتابة مقال عن شينجيانغ في نفس اليوم الذي كنت فيه العام الماضي هناك، وهو اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الحرب على لبنان التي يتذكّر أهوالها اللبنانيون اليوم، وأنا منهم.
ثانياً، لأنه فعلاً لا يمكن إخفاء الحقيقة. فكل ما تدّعيه الولايات المتحدة من الدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة دفاعها عن "المسلمين في شينجيانغ"، جاءت أحداث العامين الماضيين لتكشف لكل البشر، أن الولايات المتحدة لا تدافع سوى عن هيمنتها على العالم. وهذا الأمر مكشوف وواضح للجميع، لكن بعضنا ينسى وينجرّ وراء الدعاية الغربية الاستعمارية.
ثالثاً، لأن الولايات المتحدة لطالما ادّعت وجود "تطهير عرقي" و"إبادة للإيغور" في شينجيانغ دون تقديم أي دليل على هذه الادّعاءات، بينما الدليل الحقيقي على كذب هذه الادّعاءات يتجسّد في غزة التي تتعرّض فعلاً للإبادة المدعومة، بل التي تقودها الولايات المتحدة. كما أنه في غزة تعمل الولايات المتحدة علناً على تنفيذ تطهير عرقي، حيث يصرّ رئيسها دونالد ترامب على أن الحل الوحيد أمام أهل غزة هو الموت بالقنابل الإسرائيلية التي تحصل عليها من بلاده، أو الخروج من غزة إلى أي مكان آخر. وهذا ما صنّفه آلاف المختصين حول العالم بأنه دعوة للتطهير العرقي.
حقوق الإنسان في شينجيانغ: التجربة النموذجية في عالم إمبريالي
إن مجرّد إثبات أن الولايات المتحدة تقود حملة مفتعلة ضد الصين في مجال حقوق الإنسان لا يكفي لتأكيد أن حقوق الإنسان في شينجيانغ مصونة. لذا، يجب علينا أن نعرض بعض الحقائق المتعلقة بحقوق الإنسان في هذه المنطقة. هنا، لن أستخدم المعايير الغربية التقليدية لحقوق الإنسان مثل الحق في التصويت أو الحق في التعبير، بل سأتحدث عن الحقوق التي يحرمنا منها الغرب الإمبريالي في دول الجنوب، وفي مقدّمتها الحق في الحياة، ثم الحق في حياة كريمة.
في نظرة سريعة إلى الواقع الاقتصادي لشينجيانغ، نجد أنها شهدت تطوراً اقتصادياً هائلاً على مدار العقود الماضية، وذلك بفضل السياسات الحكومية الاستراتيجية التي ركّزت على تطوير البنية التحتية، الصناعة، والتجارة.
كانت شينجيانغ في العصور القديمة بوابة الصين إلى الغرب عبر طريق الحرير القديم، ولا تزال تلعب هذا الدور الهام في العصر الحديث، خصوصاً في ظل مبادرة الحزام والطريق. في التسعينيات، كانت شينجيانغ، التي تقع في أقصى غرب الصين، منطقة متخلّفة نسبياً مقارنة بالمناطق الساحلية في الصين، حيث كان اقتصادها يعتمد على الزراعة والنقل عبر الحدود، وكان الناتج المحلي الإجمالي في حدود 5-6 مليارات دولار أميركي.
مع بداية الألفية الجديدة، استفادت شينجيانغ من الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها الصين، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 30 مليار دولار أميركي، ما يعكس تحوّلاً ملحوظاً نحو تطوير الصناعة والتجارة، إلى جانب تنفيذ مشروعات كبيرة في مجالات الطاقة المتجدّدة والنفط. بحلول عام 2010، ساهم الانفتاح على السوق العالمية والمشاركة الفعّالة في مبادرة الحزام والطريق في تعزيز دور شينجيانغ كمحور رئيسي لربط الصين بأوروبا وآسيا الوسطى، حيث وصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 100 مليار دولار أميركي.
بحلول عام 2020، استمرت شينجيانغ في تحقيق تقدّم اقتصادي كبير، مع زيادة الاستثمارات الحكومية في مشروعات ضخمة للبنية التحتية مثل الطرق السريعة، السكك الحديدية، والأنفاق، ليصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 200 مليار دولار أميركي. في السنوات الأخيرة، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي لشينجيانغ 260 مليار دولار أميركي، مع استمرار النمو في القطاعات الصناعية والتجارية، وخاصة في مجالات الطاقة المتجدّدة والصناعة التحويلية.
لقد انعكس هذا النمو بشكل واضح على تحسين مستوى معيشة السكان. فقد قفز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 376 دولاراً في عام 1990 إلى ما يقارب 9,700 دولار في عام 2023، ما يمثّل زيادة كبيرة في الدخل الفردي والقدرة الشرائية. من جهة أخرى، وبحلول عام 2020، تمكّنت الحكومة الصينية من انتشال كل أبناء شينجيانغ من الفقر المدقع بعد أن كانت الأكثرية الساحقة منهم تعيش تحت خط الفقر في عام 1955.
أما على مستوى البنى التحتية، فشينجيانغ اليوم مُخدمة بالكامل بالطرق السريعة التي وصل طولها إلى أكثر من 11 ألف كيلومتر، تربط كل المدن الرئيسية بعضها ببعض. هذا بالإضافة إلى شبكات السكك الحديدية التي بلغ طولها 9 آلاف كيلومتر، مع وجود قطارات فائقة السرعة. مع العلم أنه في نظرة إلى واقعها قبل 70 عاماً، لم تكن المنطقة تعرف مفهوم الطرق السريعة.
وفي مجال التعليم، حقّقت المنطقة إنجازات بارزة، حيث ارتفع عدد المدارس ليصل إلى 6000 مدرسة، ووصل معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية إلى 99.9%، بعد أن كان منخفضاً جداً في عام 1955. وخلال زيارتي الأولى إلى المنطقة، قمنا بزيارة عدد من المدارس، حيث لاحظت أن الطلاب يدرسون بعض المواد باللغة الإيغورية. وعندما سألت عن ذلك، قيل لي إن تعليم اللغة واستخدامها هما من الحقوق المحفوظة للأقليات القومية في الصين، ومن بينها قومية الإيغور.
أما في قطاع الصحة، فقد شهدت المنطقة تطوراً ملحوظاً، حيث انتشرت المستشفيات على نطاق واسع، ووصل عددها إلى 1800 مستشفى ومؤسسة رعاية صحية، وهو ما انعكس على انخفاض معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة بشكل كبير، حيث بلغ نحو 68% بين عامي 2000 و2020.
في نقاش سابق مع باحث لبناني متخصّص في الاقتصاد السياسي، اعتبر أن أهم معيار لحقوق الإنسان هو العمر المتوقّع عند الولادة. يقول إن المعادلة بالنسبة إليه هي على النحو التالي: إذا لاحظت أن هذا المؤشر يرتفع بشكل مستمر وبنسب مرتفعة، فاعلم أن الناس يحصلون على حقوقهم الأساسية. أما إذا كان يتراجع أو يرتفع بنسب منخفضة، حتى لو شهدت العديد من مظاهر "الديمقراطية الغربية"، فاعلم أن هذا الشعب يفتقد لأهم حق من حقوقه الإنسانية، وهو الحق في الحياة.
هذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في العديد من الدول، ومنها الدول العربية والأفريقية، حيث يشكل تراجع العمر المتوقّع عند الولادة النتيجة المباشرة للحملات الغربية-الإمبريالية المستمرة لفرض النموذج الغربي الذي يدّعون أنه ديمقراطي.
وبالفعل، بدأت أعطي أهمية أكبر لهذا المؤشر، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم اليوم. حيث يفرض الغرب الإمبريالي شروطه ومعاييره على العالم، فيصنّف هذه الدولة "متحضّرة" أو "ديمقراطية" بناءً على معايير تُعتبر في معظمها أدوات للهجوم الأيديولوجي على خصومه.
عند إجراء مراجعة سريعة لهذا المؤشر، نجد أن متوسط العمر المتوقّع عند الولادة في شينجيانغ قد ارتفع من حوالي 30 عاماً في عام 1955، إلى 62.6 عاماً في عام 1990، ليصل إلى 74.4 عاماً في عام 2020، وهي زيادة تتجاوز بكثير تلك المُسجّلة في العديد من الدول النامية، وخاصة الدول المحيطة بالصين مثل باكستان (66.7 عام 2019) وأفغانستان (63.5 عام 2019)، وغيرهما من الدول التي تحدّ الصين من جهة شينجيانغ. كما تظهر بيانات أخرى أن عدد أبناء الأقليات القومية في منطقة شينجيانغ في ازدياد مستمر، فعلى سبيل المثال، بلغ عدد أبناء قومية الإيغور 11.624 مليون نسمة في عام 2020، بينما كان عددهم 8.399 ملايين نسمة في عام 2010، و3.6 ملايين في عام 1953. وهذه هي أعلى نسبة نمو سكاني في الصين.
بين سوريا ويورمتشي
خلال زياراتي إلى شينجيانغ التي توجد فيها 56 مجموعة عرقية، كنت أحاول الربط والمقارنة بينها وبين بلادنا في الشرق الأوسط. فبلادنا أيضاً متنوعة إثنياً ودينياً. لكن، ومنذ أن وقعت تحت سيطرة الاستعمار الغربي، تحوّل هذا التنوع من ميزة إلى نقطة ضعف جعلتها مرتعاً للحروب بالوكالة والأزمات النابعة من أساس ديني أو عرقي. طبعاً هذا عدا الحروب الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة، أي تلك التي ينفّذها الكيان الصهيوني.
وقد يكون هذا الواقع قد تكرّر مئات المرات في أفريقيا وأميركا اللاتينية ودول آسيا التي تعرّضت لاستعمار مشابه يقوم بزرع الفتن والتفرقة بين شعوب تعايشت مكوّناتها المختلفة لآلاف السنين. وأعتقد أنه في عالم اليوم الذي تديره الولايات المتحدة بما يتناسب مع مصالحها، لا يوجد بلد أو منطقة في العالم لا تشهد تشنجاً عرقياً أو دينياً.
ومن هذا المنطلق كان السؤال الأساسي الذي يشغل بالي: كيف تمكّنت الصين من التعاطي مع الأزمة التي شهدها إقليم شينجيانغ؟ وهي الأزمة التي كانت جزءاً من موجة "تطرف ديني" اصطناعية، ضربت معظم دول العالم بعد أن موّلت الولايات المتحدة ودعمت المجموعات التي كان يُطلق عليها لقب "المجاهدين" في أفغانستان بهدف محاربة "السوفيات".
لاحقاً، انتشرت أفكار تنظيم "القاعدة"، وعلى ضفافه، نشطت تنظيمات عديدة، منها تنظيم "الحزب الإسلامي التركستاني"، الذي نقل نشاطه (2012) الإرهابي إلى سوريا بعد أن بدأت الحرب فيها. نحن، أبناء بلاد الشام، نعرف جيداً هذا التنظيم. فهو يُصنّف على أنه من أخطر التنظيمات الإرهابية في سوريا. ومن المعروف أن هذا التنظيم كان له نشاط فاعل في إقليم شينجيانغ، ونفّذ عشرات العمليات الإرهابية كان آخرها في عام 2016.
عند وصولي إلى شينجيانغ كانت كل هذه المعلومات في بالي. ولأنني من الشرق الأوسط، كنت أعتقد أن النموذج الصيني في مواجهة الإرهاب لن يكون مختلفاً عن "النموذج الأميركي" إن صحّ التعبير. لذا، كنت أعتقد أنني سأرى مدناً مدمّرة، وحضوراً عسكرياً كثيفاً. باختصار، كنت أعتقد أنني سأرى مدناً تشبه الرقة في سوريا التي دمّرتها الولايات المتحدة بشكل كامل بحجة القضاء على الإرهاب، أو مدينة الفلوجة في العراق التي دُمّرت للأسباب عينها...
إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً! فمدينة أورومتشي مثلاً توسّعت كثيراً خلال السنوات الماضية. وهذا ما تشير إليه كل البيانات العمرانية، وهذا أيضاً ما لاحظته بنفسي، فمطار المدينة يخضع لعملية توسعة ضخمة. أمّا أطراف المدينة التي كانت أشبه بالصحراء، فقد عُمِّرت بمئات المباني الجديدة.
العمل القسري vs التكنولوجيا
بناءً على ما سبق، من اللافت أن الصين تمكّنت من مواجهة موجة الإرهاب والقضاء عليها دون الحاجة إلى تدمير المدن أو تهجير الأهالي في شينجيانغ. لا بل إن الإقليم يشهد نمواً اقتصادياً وسكانياً مستمراً كما ذكرنا سابقاً. فكيف تمكّنت الصين من القيام بذلك؟
طبعاً الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى بحث طويل. وهنا سأكتفي بإجابة عامة، ولكن لا شك أن الأمر يحتاج إلى التوسّع أكثر.
الهدف الأميركي لم يكن يوماً حماية الناس ومحاربة الإرهاب، بل كانت الولايات المتحدة تلجأ إلى الحروب والتدمير كجزء من نموذجها لتثبيت هيمنتها على العالم. ومن هنا، فإن أي دولة تتّبع هذا النموذج لن تتمكن من وضع حد للتطرف والإرهاب، بل سيسهم هذا النموذج في تعزيزه وتقويته، بل واستغلاله لاحقاً لتحقيق أهداف خاصة. وهناك العديد من الأدلة على ذلك. مثلاً، دمّرت الولايات المتحدة العديد من المدن السورية بحجة محاربة الإرهاب، وها نحن نراها اليوم تدعم وتحمي الإرهابيين أنفسهم الذين كانت تدّعي مواجهتهم بعدما ساعدتهم بالوصول إلى الحكم في سوريا. هذا عدا الأدلة والتصريحات الرسمية الأميركية التي تؤكد أن واشنطن هي المؤسّس الحقيقي لمعظم التنظيمات الإرهابية.
في المقابل، يتبنّى النموذج الصيني نهجاً اشتراكياً يضع مصلحة الإنسان أولاً ويعالج الأسباب الجذرية للمشاكل بدلاً من التركيز على النتائج. فالإرهاب والتطرف هما نتيجة، لا سبب، وإن اعتبرناهما سبباً في حد ذاتيهما، سنصل إلى استنتاج خاطئ مفاده أن كل مسلم صيني هو إرهابي، وهو بالطبع أمر غير صحيح. وعليه، فإن معالجة الأسباب في النموذج الصيني تقوم على جانبين أساسيين: الأول هو الجهل، والثاني هو الفقر.
بمعنى آخر، فإن نشر التعليم على نطاق واسع وتوفير فرص العمل للشباب هما من الخطوات الجوهرية. فالجهل والفقر يشكلان بيئة خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة وانتشار أفكارها الإرهابية. من ناحية أخرى، ترافق هذا مع عمل أمني (لا عسكري-حربي) مكثّف للقضاء على المجموعات الإرهابية النشطة في المنطقة. من خلال هذه الإجراءات الشاملة، تمكّنت الصين من القضاء على الجماعات الإرهابية، حيث لم تُسجل أي عملية إرهابية منذ عام 2016. كما أن هذا النهج نجح في حرمان هذه التنظيمات وداعميها من إيجاد أرض خصبة للتوسع والنمو.
هذا الأسلوب الذي يعتمد على محاربة الجهل والفقر دفع بالولايات المتحدة إلى الادّعاء بأن "الصين تبني معسكرات اعتقال وتفرض العمل القسري في شينجيانغ". وتحت هذه الذريعة تفرض الولايات المتحدة عقوبات على العديد من القطاعات الاقتصادية في المنطقة من بينها زراعة القطن. ولكن هل هناك فعلاً "معسكرات اعتقال" و"عمل قسري" في شينجيانغ؟
هنا سأعرض بعض النقاط التي تكشف زيف هذا الادّعاء:
ما تروّج له الولايات المتحدة على أنه "معسكرات اعتقال"، ليس في الواقع سوى مراكز إعادة تأهيل مهني تهدف إلى تمكين الشباب من رفع مستواهم العلمي والثقافي واكتساب المهارات المهنية اللازمة لبدء مشاريعهم الاقتصادية الخاصة.
وهذا التشويه المتعمّد الذي تقوده الولايات المتحدة يهدف الى هدفين: الأول، تشويه صورة الصين ومحاولة زعزعة استقرارها الداخلي، وكذلك ضرب صورتها أمام شعوب العالم وخاصة المسلمة منها، وكل هذا بهدف ضرب تطوّرها وتقدّمها. أمّا الهدف الثاني، فهو تشويه النموذج الذي تستخدمه الصين في محاربة الإرهاب، فليس في مصلحة الولايات المتحدة أن يظهر نموذج سلمي وفعّال لمعالجة قضايا الإرهاب.
النقطة الثانية تتعلق بنظرة إلى الواقع: هل من الممكن أن يتحقق كل هذا النمو الاقتصادي الذي عرضناه سابقاً في ظل وجود "عمل قسري"؟
بالطبع لا. لكن الولايات المتحدة تقف أمام مرآتها مرة أخرى، لتجد انعكاس صورتها التي تدّعي أنها صورة الآخرين. ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، مارست الولايات المتحدة كلّ أنواع العمل القسري، خاصة في زراعة القطن.
أما في الصين، فإن التكنولوجيا هي التي تقود الاقتصاد. ومع التطور التكنولوجي، وانعكاسه على وسائل الإنتاج، أصبح العمل البشري ثانوياً، بل إن استخدام العمل البشري في قطاعات مثل زراعة وقطف القطن أصبح غير مُجدٍ اقتصادياً مقارنة بالآلات الحديثة. وبالتالي، إذا كان العمل القسري فعلاً قائماً، لما شهدنا هذا النمو الاقتصادي الكبير، بل كانت شينجيانغ ستكون متخلّفة اقتصادياً مقارنةً ببقية المناطق والدول، خاصة في مجال زراعة القطن. فشينجيانغ هي الأولى في الصين في إنتاج القطن، والمرتبة الثانية عالمياً، حيث تنتج وحدها أكثر مما تنتجه الولايات المتحدة بالكامل. فهل من المعقول أن تكون هذه القدرة الإنتاجية قائمة على "العمل القسري"؟ أم أن الحقيقة تكمن في مكان آخر تماماً؟
غزة مقياس الحق!
تحتفل الصين بالذكرى السبعين لتأسيس منطقة شينجيانغ الذاتية الحكم لقومية الإيغور، وقد حقّقت هذه المنطقة العديد من الإنجازات التي كانت حلماً لأهلها، وتحوّلت إلى نموذج يطمح إليه العديد من دول الجنوب، وفي مقدّمتها الدول العربية.
وفي الختام، يجب أن ندرك أن الحملة الغربية ضد الصين ليست دفاعاً عن حقوق الإنسان، بل هي محاولات واضحة من الغرب الإمبريالي لزعزعة استقرار الصين كدولة صاعدة ومنافسة. لقد تمكّنت الصين من معالجة مشاكل شينجيانغ بشكل سلمي، مع تقديم حلول اقتصادية واجتماعية ملموسة.
لذا، عندما نتحدّث عن شينجيانغ، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن التقارير التي تزعم وجود انتهاكات حقوقية هناك لا تعكس الواقع الفعلي، بل هي جزء من حملة تشويه مستمرة. فمن يصمت عن الحق في غزة ولبنان فلا يمكنه أن ينطق به في شينجيانغ.
