ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الاستسلام المستحيل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الأربعاء 8 تشرين اول 2025
الخط


في لحظات الانهيارات الكبرى، تطرح المجتمعات المأزومة على نفسها سؤالاً وجودياً: هل بقي من خيار آخر غير الانصياع لما تريده القوى المهيمنة؟ هذا هو السؤال الذي يواجهه لبنان، ومعه المشرق العربي كلّه، في ظلّ ما يجري في غزة، وتحت الضغوط الأمريكية المتواصلة لفرض التطبيع مع الكيان الصهيوني باعتباره السبيل الوحيد إلى «السلام» و«الاستقرار».

لكن الحقيقة، أنّ ما يُعرض علينا كضرورة تاريخية أو كقدر محتوم ليس سوى بناء إيديولوجي (لوفيفر). إنّ مقولة أنّ كل الطرق انسدّت ولم يبقَ سوى الاستسلام، ليست إلا جزءاً من خطاب القوة، خطاب يُراد له أن يُخضع الوعي ويُفرغ الحاضر من أي بديل محتمل. هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسفية ديالكتيكية ترى في تفاصيل اليومي المبتذل وفي السياسي المفروض إمكانات التغيير التي لم تُستنفد بعد.

إنّ الحياة اليومية ليست مجرد تفاصيل هامشية أو «صغائر»، بل هي الميدان الذي تُختبر فيه علاقات السلطة، إذ يتقاطع الاقتصاد والسياسة والإيديولوجيا في نسيج معيش. فالتطبيع، على سبيل المثال، لا يُفرض عبر القرارات الرسمية وحدها، بل يتسرّب إلى الإعلام والتعليم وأنماط الاستهلاك، وحتى في اللغة التي تُستعمل لوصف الآخر.

الهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية لا تكتفي بإملاء الشروط من فوق، بل تعمل على إعادة تشكيل الوعي بحيث يصبح التخلّي عن الحقوق الوطنية و القومية أمراً بديهياً، بل يصبح شرطاً للبقاء. وما يهمّنا أنّ هذه «البديهيّات» ليست محايدة، بل مشحونة إيديولوجيّاً. حين يُقال لنا إنّ «الواقعية» السياسية تقتضي الاستسلام، فهذا ليس وصفاً للوضع بل محاولة لتحويل إيديولوجيا القوة إلى «قانون طبيعي».

إنّ ما يُعرض اليوم في لبنان والعالم العربي تحت شعار «السلام الإقليمي» ليس سوى إعادة إنتاج لأنظمة الاستبداد. فالولايات المتحدّة لا تريد ديمقراطيات حقيقية في المنطقة، لأنها تعرف أنّ أي ديمقراطية حقيقية ستفرز قوى شعبية رافضة للتطبيع، داعمة للمقاومة، ومطالبة بالعدالة الاجتماعية.

ما يجري هو تثبيت لأنظمة الخليج الاستبدادية وإدامة سلطتها عبر التحالف مع «إسرائيل»، وتحويلها إلى رأس الحربة في مشروع إعادة هندسة المشرق: تفكيك الكيانات الوطنية، إطلاق الحروب الطائفية، وتمزيق المجتمعات، بحيث يظهر الكيان الصهيوني بوصفه الدولة الأكثر «تماسكاً» وسط فسيفساء من «القبائل المتناحرة».

الحداثة العربية، كما عُرفت في المنطقة، لم تكن حداثة تحرّرية، بل غالباً ما جاءت مشوّهة، تابعة، ومقموعة. وقد علّمنا لوفيفر أنّ الحداثة ليست معطى ناجزاً بل مشروع مفتوح، يتطلّب تلازم الحرّية والعدالة، الدولة الوطنية والفضاء العمومي. أمّا التطبيع اليوم فيُقدَّم كـ«حداثة جديدة» ـ انفتاح، تسامح، استثمارات، تكنولوجيا ـ لكنه في الحقيقة إعادة إنتاج لتبعيّة قديمة بأدوات جديدة.

القبول بهذه الحداثة المفرغة يعني الاستسلام لزمن ميت، حيث تغدو الحياة اليومية مجرّد استهلاك بلا أفق، والسياسة مجرّد إدارة أزمات تحت إشراف الخارج.

لا يمكن فهم الخطاب المهيمن اليوم إلا باستدعاء أطروحة «نهاية التاريخ». ألكسندر كوجيف، في قراءته الشهيرة لـ«فينومينولوجيا الروح» لهيغل، أعلن أنّ التاريخ الفعلي قد انتهى مع انتصار مبدأ الاعتراف المتبادل في الدولة الليبرالية الحديثة. فالصراع من أجل الاعتراف، الذي حرّك التاريخ منذ جدل العبد والسيد، وجد حلّه النهائي في الدولة البورجوازية الديمقراطية، حيث تتحقّق حرّية الإنسان وكرامته ضمن إطار قانوني شامل.

غير أنّ كوجيف لم يُبدِ نشوة كاملة بهذه «النهاية»، بل رأى أنها تنطوي على فراغ وجودي: فالإنسان بعد نهاية التاريخ يعيش كـ«حيوان مثقّف»، بلا بطولة ولا مغامرة كبرى، مكتفياً بالاستهلاك المرفّه. هذه الملاحظة الجوهرية ألهمت فرانسيس فوكوياما، الذي استعادها وأطلقها عام 1989، معتبراً أنّ انتصار الليبرالية الغربية بعد الحرب الباردة يمثّل اكتمالاً لمسار التاريخ البشري.

فوكوياما، صاغ خطابه في لحظة انتشاء غربي بانهيار الاتحاد السوفييتي، فجعل من الديمقراطية الليبرالية والسوق الحرّة النموذج النهائي الذي لا بديل له. وفي السياق العربي، استُعملت هذه الأطروحة لتبرير إقفال كل أفق آخر: فإذا كانت الديمقراطية الليبرالية هي نهاية التاريخ، فإنّ «السلام الإسرائيلي ـ العربي» هو جزء طبيعي من هذا المسار.

ما تعرضه أميركا في لبنان والعالم العربي
تحت شعار «السلام الإقليمي»، هو تثبيت
لأنظمة الاستبداد، لأنّ واشنطن لا تريد ديمقراطيات حقيقية في المنطقة، كونها ستفرز قوى شعبية رافضة للتطبيع، داعمة للمقاومة، ومطالبة بالعدالة الاجتماعية


لكنّ المفارقة أنّ التجربة التاريخية منذ التسعينيات أثبتت العكس: لم يتحقّق السلام العالمي، بل انفجرت حروب جديدة من العراق إلى أفغانستان، وصولاً إلى غزة. كما أنّ الليبرالية الغربية نفسها دخلت أزمات بنيوية من الشعبويات الصاعدة إلى الانقسامات الاجتماعية الحادّة. من هنا، يصبح نقد هذه الأطروحة ضرورياً، إذ يتّضح أن القول بـ«انسداد البدائل» ليس سوى نسخة محلّية من «نهاية التاريخ». وكما أشار مفكّرون كثر من دريدا إلى شانتال موف، فالتاريخ لا ينتهي، بل يبقى مفتوحاً على إمكانات جديدة.

لوفيفر يصرّ على أنّ المقاومة لا تنطلق من القمم العالية، بل من تفاصيل الحياة اليومية. فالبديل عن الاستسلام يتجلّى في التضامن الشعبي مع غزة، في رفض التطبيع الثقافي والفنّي، في التمسّك باللغة والذاكرة، وفي إعادة إحياء الفضاء العمومي للنقاش. هذه الأفعال الصغيرة قد تبدو متواضعة، لكنها في منطق الديالكتيك تحمل شرارة التغيير. إنّ الادّعاء بأنّ «الطرق انسدّت» يعني شطب قدرة الناس على الإبداع السياسي، فيما يعلّمنا التاريخ أنّ التحولات الكبرى كثيراً ما انطلقت من هوامش صغيرة رفضت الانصياع للمفروض.

قد يُقال إنّ هذا الكلام يخصّ اليسار الماركسي وحده، لكن حتى مفكرين ليبراليين محافظين كـريمون آرون، رأوا خطورة الاستسلام لفكرة الحتمية التاريخية. آرون، في نقده لفوكوياما، اعتبر أنّ التاريخ لا يعرف «نهايات» بل أزمات متكرّرة، وأنّ المجتمعات الحرّة لا تضمن بقاءها إلا إذا واجهت تحدّياتها بشجاعة بدلاً من الركون إلى وهم الاستقرار الدائم.

ومايكل أوكشوت، ذهب إلى أنّ «السياسة ليست هندسة للمستقبل، بل فنّ التصرّف في الحاضر»، أي أنّ جوهرها لا يكمن في التسليم بما يُسمّى واقعية دولية ولا في الانصياع لقوى غاشمة، بل في صون الحرية والكرامة. وقد نبّه ألكسيس دو توكفيل، إلى خطر «الاستبداد الناعم» الذي يحوّل الشعوب إلى أفراد منعزلين يلهثون وراء أمنهم ورفاههم، تاركين للسلطة أن تدير شؤونهم مقابل موت المشاركة العامة.

أمّا راينهولد نيبور، فقد شدّد على أنّ السياسة لا تستقيم إذا اقتصرت على حسابات القوة، إذ تحتاج إلى ميزان يربط المصالح بالعدالة، محذّراً من أنّ القوة العارية تنقلب على أصحابها وتفضي إلى الفوضى. في حين رأى آيزايا برلين، أنّ الحرية هي القدرة على الاختيار بين قيم متعارضة، وأنّ الادّعاء بأنّ الاستسلام هو «الحلّ الواقعي» ليس سوى إنكار لجوهر الحرية.

وروجيه سكراتون، في نقده للعولمة، أبرز أنّ الإنسان لا يُختزل في فرد اقتصادي معولم، بل يجد كرامته في جذوره وولائه لـ«البيت» ـ أي الأرض والهوّية والتاريخ. فالاستسلام هنا خيانة مزدوجة: للتاريخ وللمستقبل، بينما المقاومة ـ حتى بأبسط صورها ـ فعل أخلاقي يصون المعنى الإنساني.

رفض الاستسلام لا يعني إنكار الوقائع الصعبة ولا التغافل عن موازين القوى القاسية، بل هو فعل نقدي يفتح الأفق على إمكانات متعدّدة. إنّ كل مشروع تحرّري يحتاج إلى أرضية بدائل ملموسة، حتى لا يبقى النقد مجرّد إنكار سلبي. ومن هنا يمكن رسم ملامح أربعة مسارات مترابطة:

1. بناء مشروع مقاوم متعدّد الأبعاد:

لم تعُد المقاومة تُختَزل في بُعدها العسكري، وإن كان هذا البُعد يظلّ ضرورياً في مواجهة الاحتلال والهيمنة. إنما المطلوب صياغة مشروع مركّب يزاوج بين البُعد الثقافي (إعادة إنتاج خطاب يواجه الأدلجة التطبيعية)، والبُعد الاقتصادي (تحصين المجتمعات عبر تعزيز الاكتفاء الذاتي وشبكات التبادل مع الجنوب العالمي)، والبُعد الاجتماعي (دعم الفئات المهمّشة، وتجذير قيم العدالة). بهذا المعنى تصبح المقاومة مشروع مجتمع كامل يربط الحرية الوطنية بالعدالة الاجتماعية، ويجعل الاستقلال السياسي ذا مضمون ملموس في حياة الناس اليومية.

2. إحياء المجال العمومي العربي والعالمي:

البديل لا يمكن أن ينحصر داخل حدود الدولة القُطرية؛ إذ إنّ التّفتيت أحد أدوات الهيمنة. لذا فإنّ استعادة المجال العمومي العربي شرط لبناء تضامن يتجاوز الانقسامات الضيّقة. هذا المجال يتّخذ أشكالاً متعدّدة: حركات فكرية ونقابية، فضاءات إعلامية وفنّية بديلة، شبكات تواصل عابرة للحدود. كما يتقاطع مع فضاء عالمي أوسع للجنوب، حيث تُبنى جسور نقدية وتضامنية مع شعوب تعاني من أنماط مشابهة من السيطرة. بذلك يُعاد وصل المحلّي بالعالمي، وتتحوّل المقاومة من فعل منعزل إلى دينامية كونية.

3. إعادة تعريف الحداثة:

بدلاً من النظر إلى الحداثة كاستيراد جاهز للنموذج الأمريكي–الإسرائيلي، ينبغي إعادة تعريفها كإبداع محلّي يزاوج بين التقدّم العلمي والسيادة الشعبية. فالتكنولوجيا لا تُختزل في كونها أداة للهيمنة، بل يمكن توظيفها لتعزيز الاستقلال (من الطاقة المتجدّدة إلى الأمن الغذائي). والحداثة السياسية لا تعني تكرار النماذج الغربية بحذافيرها، بل بناء أشكال ديمقراطية متجذّرة في السياق المحلّي، تُعيد الاعتبار للفضاء العمومي وتكسر ثنائية «التقليد/الحداثة» الزائفة.

4. مواجهة الطائفية السياسية وبناء المواطنة الجامعة:

أحد أخطر أسلحة التفكيك الغربي هو تحويل الطوائف إلى كيانات سياسية متصارعة. رفض الاستسلام يقتضي رفض هذا المنطق من جذوره، والبحث عن صيغ مواطنة جامعة تُقرّ بالتعدّدية والتنوّع بوصفهما ثروة لا لعنة. المواطنة هنا ليست مجرّد صيغة قانونية بل عقد اجتماعي جديد، يحرّر الأفراد من أسر الهوّيات المغلقة ويمنحهم الحقّ في المشاركة المتكافئة. بهذا فقط يمكن بناء مستقبل مشترك لا تقوم فيه السياسة على مقايضة الهوّيات بل على تعزيز العدالة والمساواة.

خاتمة

الخطاب السائد اليوم هو شكل جديد من الحتمية التاريخية: «النظام العالمي أحادي، إسرائيل قدر لا مفرّ منه، التاريخ انتهى». لكنّ الحتمية لم تكن يوماً سوى وهم إيديولوجي. حتى في أشدّ اللحظات قتامة، بقي التاريخ مفتوحاً على بدائل جديدة. التجارب المقاومة من فيتنام إلى الجزائر وفلسطين، تؤكّد أنّ إرادة الشعوب قادرة على خرق جدار الضرورة.

النقد الفلسفي هنا ليس ترفاً بل شرط لتحرير الخيال السياسي. إذ لا يمكن أن تُبنى مقاومة فعلية ما دام الوعي أسيراً لفكرة أنّ «كل الطرق مسدودة». لوفيفر وكوجيف وآرون وغيرهم، يذكّروننا أنّ التاريخ ليس خطّاً مستقيماً، وأنّ البدائل تولد دائماً من رحم المستحيل.

إذا كان المشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي يُعرض اليوم باعتباره الطريق الوحيد، فإنّ مهمّة الفكر النقدي هي تفكيك هذا الادّعاء وكشف طابعه الإيديولوجي. فالتاريخ لا يسير في اتجاه واحد، بل يبقى مفتوحاً على احتمالات لا تنضب. لبنان، ومعه المشرق العربي، ليس محكوماً بأن يتحوّل إلى فسيفساء طوائف متناحرة تقودها «إسرائيل» كأقوى دولة، بل يستطيع أن يفتح طريقاً آخر إذا استعاد السياسة بمعناها الأصيل: فعلاً جمعياً يربط تفاصيل اليومي بالمصير التاريخي.

بهذا المعنى، فإنّ الاستسلام ليس قدراً بل خيار سياسي وإيديولوجي، فيما المقاومة ـ اليومية والنقدية والخلّاقة ـ هي الطريق الذي يعيد للتاريخ انفتاحه وللحياة معناها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك