ضدّ متحف «السابع من أكتوبر»

عبقرية هي فكرة الأرض التي تبتلع دبابات العدو وجيوشه بالعمل المشهدي التركيبي «الهاوية»، في متحف المقاومة في مليتا. ذاكرة الإنسان هنا لا تشكّلها فقط المصائب والكرب، بل الرغبة في استذكار مَن يصنع المجد والعزة أيضاً. لكن هناك فرقاً كبيراً بين التاريخ الموجود داخل المتحف، والمتحف كشيء موجود داخل التاريخ، هنا يصبح المتحف محض صورة فوتوغرافية، داخل حركة التاريخ المستمرّة.
ليست المشكلة أنّ المتاحف مسيّسة بطبيعتها وأنها مسار قسري خطي (linear) مصمّم لتمريرك عبر التجسيد المادي لنفق سردية غير موضوعية، المشكلة هنا أنّ كل المتاحف، وإن لم تكن مسيّسة، فهي قابلة للتّسيس. مشهد نوري المالكي، في متحف مليتا -المزعج للعين والعقل معاً، كما يقول أسعد أبو خليل- وإن لم يكن جزءاً من ذاكرة المتحف الجماعية من الأصل إلا أنه أصبح جزءاً من تاريخه شئنا أم أبينا. المالكي، أراد أن يرسم لنفسه صورة المنخرط بالمعركة الصحيحة (هذا غير دقيق، بالأحرى الحزب هو الذي انخرط بالمعركة الخاطئة)، وأمّا فريق الاعتدال العربي فقد تذكّر أن يستنكر المالكي، ليس وهو فوق ظهر الدبابة الأميركية الغازية، بل وهو على أنقاض الدبابة الإسرائيلية المهزومة.
لهذا السبب أنا ضدّ المتحف. إذا كان لديك متحف، فخصومك لديهم مئة متحف، كلّهم مخصّصون لبناء سردية تاريخية «بريئة»، لها عالمها الخاص، تعزّز من الفوقية النرجسية (في حال الانتصار) والجرح النرجسي (في حال الهزيمة أو تقمّص دور الضحية) في فكر الجماعة.
عندما وجدت منشوراً عن إحياء الذكرى الخمسين لانطلاقة «المقاومة اللبنانية» في «متحف الاستقلال»، حاولت أن أحسب إن كان قد مرّ خمسون عاماً على عام 1982، قبل أن قرأت تفاصيل المنشور واكتشفت أنّ هذه «المقاومة» بدأت عام 1975، بقيادة «الكتائب»، بل إنّ إدارة المتحف قد نظّمت وقفة وصلاة على ضحايا اليمين اللبناني بعد سقوط نظام الأسد، حيث أكّد الحاضرون أنّ نظام الطاغية رحل وبقي حزب الكتائب «المقاوم لكلّ محتلّ» (لكلّ محتلّ؟).
أشدّد على خطورة فكرة المتحف بالذات لأنّ الفلسطينيين أبناء «المختبر الحي» للقانون الدولي، يرزحون تحت احتلال يستخدم المتحف لإنكار الواقع كل يوم. يقول جدعون ليفي، أنّ الجانب التوتاليتاري، من الاحتلال لا يكمن بأن يجعل نفسه ضحيّة فحسب بل الضحية الوحيدة بالسياق. ينتج عن تلك الأيديولوجيا الشمولية عتهٌ واسع النطاق قائم على الجمع المستحيل بين الانهيار الأخلاقي والفوقية الأخلاقية لدرجة أنه منذ سنوات وهنالك مركز بحثي لدراسات الإبادة الجماعية في جامعة مستوطنة أريئيل، في الضفة الغربية!
«المتحف»، إذا كنا سنتحدّث من وجهة نظر ماركسية، هو نقيض «المصنع». هو ليس مكاناً لصناعة المستقبل كواقع مادي، بل هو مكان للبقاء بالماضي، بل في نسخة ميتافيزيقية منه، يختلط فيها الواقع بالخيال
تصبح وظيفة المتحف هنا ليس فقط الاستذكار المؤبّد «للذّات كضحيّة الجريمة» بل خلق حال من فقدان الذاكرة الجمعي بشأن «الذات المرتكبة للجريمة». هذه الأهمية لـ«المتحف» بالفكر الصهيوني تضاعفت في زمن ما بعد السابع من أكتوبر. في أثناء بضعة أيام بعد العملية، تشكّل جيش من المصورين، المؤرّخين، عالمي الآثار، والمؤرشفين الإسرائيليين، من أجل البدء في عملية جمع الآثار والمقتنيات التي ستكون جزءاً من متحف مستقبلي موحّد أو مجموعة من المتاحف والنصب التذكارية في منطقة مستوطنات الغلاف؛ وريثما يتمّ إنجاز هذا المشروع على الأرض تمّ بالفعل تجهيز البديل المؤقّت بإقامة العديد من المعارض الخاصة بالعملية، من معارض في متحف الشعب اليهودي في تل أبيب، وعدد من متاحف الهولوكوست، بالعواصم الغربية، إلى «معرض حفلة نوفا» الذي تنقّل بين عدد من المدن الأميركية.
المخيف هنا هو الطريقة الأوتوماتيكية التي تشكّل فيها هذا الجيش من الخبراء، سواء على المستوى الرسمي أو التطوّعي الأيديولوجي. هذه ثقافة جاهزة للمصيبة والكارثة، ليس من أجل إيجاد حلول حقيقية لها بل لتأجيجها وجعلها جزءاً من الجرح النرجسي للهوّية الجماعية. ورغم أنّ فريق التطبيع العربي يدّعي أنّ الإسرائيليين يحبّون الحياة، إلا أنّ عقلية «متحف الضحية» تعبّر عن ثقافة موت عدمية بامتياز. إذ يقول المفكر السوري فادي أبو ديب، إنّ ثقافة الموت تأتي في سياق تعلّق الجماعة بالماضي وخوفها المستمرّ من المستقبل.
لعقود، بقي مفهوم «الضحية الإسرائيلية»، داخل جدران متحفه ولم يدخل حياتنا اليومية تحت الاحتلال. قبل سنوات، بعد أن زرت معرضاً فنّياً مموّلاً أوروبياً عن العنف ضدّ المرأة بمتحف خليل السكاكيني، جزمت أنه بعد اتفاق أوسلو، كان لدى الاتحاد الأوروبي خياران: أن يعمل مشاريع توعوية في فلسطين عن الضحية اليهودية، أو أن يعمل هذه المشاريع لأجل الضحية المرأة. ربما الأوروبي، اختار الثانية بسبب حساسية الأولى، وهكذا لثلاثة عقود بات الاتحاد يرسل الوعظ الأخلاقي النسوي إلى فلسطين، بينما يرسل السلاح إلى إسرائيل.
أمّا اليوم، بعد سنتين من السابع من أكتوبر، تضخّمت مرتبة الضحية الإسرائيلية، لدرجة أنها قد تقتحم المنهاج الدراسي الفلسطيني كجزء من مقترحات «إصلاح» السلطة الفلسطينية.
لنكن واضحين هنا، الفلسطيني ليس هدفه أن يكون ضحية بل أن يتوقّف عن كونه كذلك، نحن لا نملك ترف المرارة على الماضي لدرجة أنّ أغلبنا خارج لبنان لا يعرف من اقتحم صبرا وشاتيلا، ولا يعرف من هو أصلاً إيلي حبيقة (بعكس كميل شمعون الذي يبدو أنه يفكر بالدامور طوال الوقت). أنا لا أتحدّث بطريقة أخلاقاوية عن الجرائم القديمة والمتقادمة، بل بطريقة عملية وعقلانية عن الجريمة المستمرّة؛ ماذا سيحدث عندما ندرج فصول الإبادة في غزة بالمنهاج الفلسطيني الجديد؟ هل سيعتبر ذلك معادياً للسامية؟
«المتحف»، إذا كنا سنتحدّث من وجهة نظر ماركسية، هو نقيض «المصنع». هو ليس مكاناً لصناعة المستقبل كواقع مادي، بل هو مكان للبقاء بالماضي، بل في نسخة ميتافيزيقية منه، يختلط فيها الواقع بالخيال. ومَن لا يملك أن يبني شيئاً للناس، فهو على الأغلب سيقترح بناء متحف (بعد أسبوع من سقوط نظام الأسد، اقترح الشرع تحويل سجن صيدنايا إلى متحف). وهنا نذكّر بالراحل زياد الرحباني، عندما قال إنّ الوطن لن ينتهي عند المتحف بل سينتهي في داخله؛ فلربما «أوطان» سايكس-بيكو، لا تستحقّ الوجود إلا بالمتاحف.
* كاتب فلسطيني
