ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الدولة ليست حبيبتي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الثلاثاء 14 تشرين اول 2025
الخط


في عالمٍ يزداد فيه الخضوع للدولة حتى العَمى، يغدو من الضروري رفع الصوت ضدّ صنمية الدولة، أي ضدّ ذلك الإيمان الأعمى بقداسة المؤسسات، وبعصمة الأنظمة، وبأنّ «القانون» هو الحقيقة النهائية.
لقد تحوّلت الدولة الحديثة من وسيلة لتنظيم الشأن العام إلى موضوع عبادة سياسية. تُرفع أعلامها كما تُرفع الصلوات، وتُكرَّس رموزها كما تُكرَّس الأوثان، ويُقدَّس خطابها وكأنّه وحيٌ لا يُناقش.

حين كتب توماس هوبز في القرن السابع عشر كتابه الشهير «الليفياثان»، رسم صورة مهيبة للدولة كـ«وحشٍ مقدّس» يضمّ في جسده جميع الأفراد، ويحميهم من الفوضى بشرط أن يخضعوا له خضوعًا تامًّا. يومها، كانت تلك الصيغة التأسيسية لما يمكن تسميته بـ«لاهوت الدولة»، على قاعدة تقول إن الخوف من الفوضى يجعل الناس يسلّمون سيادتهم إلى كيانٍ فوقيٍّ باسم «الأمان»، ثمّ نسوا أنّهم هم من صنعوه... وهكذا، ما إن وُلدت الدولة الحديثة، حتى بدأت عبادة السيادة تحلّ محلّ عبادة الإله.

اليوم، بعد قرون من التنوير والعقل والعلم، ما نزال نركع أمام تماثيل جديدة: الوزارات، الأجهزة الأمنية، المصارف المركزية، البرلمانات التي لا تمثّل أحدًا. حيث يُطلب من المواطن أن يؤمن، لا أن يفكّر؛ أن يطيع، لا أن يشارك؛ أن يذوب في «المصلحة العامة» التي تحدّدها الدولة نفسها. حتى وصلنا إلى لحظة أصبحت فيها الدولة ديانة مدنية لها عقائدها وشعائرها وطقوسها اليومية.

المفارقة أن هذه الصنمية لا تزدهر في الأنظمة الاستبدادية فحسب، بل تتجذّر أكثر في الديمقراطيات الحديثة. لأن النظام البرلماني الذي يُفترض أن يعبّر عن إرادة الناس تحوّل إلى مسرحٍ لإعادة إنتاج السلطة نفسها، دورةً بعد دورة. وكلّ أربع سنوات، تُقام طقوس انتخابية أشبه بالقدّاس السياسي الكبير، حيث يُستدعى الشعب ليبارك من جديد سلطةً لم تتغيّر. وفي كلّ مرّة يُقال له: «لقد اخترتَ»، فيما لم يُتح له سوى أن يختار بين نسختين من النظام نفسه.

تُمارس صنمية الدولة هنا بأدوات ناعمة: الإعلام، الدعاية الوطنية، لغة القانون، ومفردات «المواطنة الصالحة».
إنها عبودية مقنّعة بقناع المشاركة. المواطن الصالح هو الذي يطيع النظام باسم الحرية، ويؤمن بالمؤسسات حتى لو خانته، ويدافع عن الدولة حتى لو سلبته خبزه وكرامته.

بعد قرون من التنوير والعلم، ما نزال نركع أمام الوزارات والأجهزة الأمنية والمصارف، وحتى أمام برلمانات لا تمثّل أحدًا. وعندما يُطلب من المواطن أن يؤمن، لا أن يفكّر؛ أن يطيع، لا أن يشارك؛ فهي دعوة له لأن يذوب في «المصلحة العامة» التي تحدّدها الدولة نفسها


أخطر ما تنتجه صنمية الدولة هو تآكل السياسة نفسها. إذ حين تُقدَّم الدولة كحقيقة مطلقة، تتحوّل السياسة إلى إدارة تقنية، وإلى حسابٍ رقميٍّ بلا روح. وحينها تصبح القوانين بديلاً من العدالة، والإجراءات بديلاً من الأخلاق، والنظام بديلاً من المعنى. وهكذا تتحوّل الدولة إلى آلةٍ تدور حول نفسها، تُنفق على نفسها، وتبرّر وجودها بذاتها.

لقد حذّر الفيلسوف الفرنسي ألان باديو من هذا المصير حين قال إنّ «الدولة ليست ما يعبّر عن المجتمع، بل ما يختزله إلى أرقام وأسماء وملفّات». فالدولة، في جوهرها، آلة عدٍّ وتمثيل: تُحصي الناس لتتحكّم فيهم، وتحوّل الوجود البشري إلى بيانات قابلة للإدارة.

لكن ما لا تستطيع الدولة تمثيله هو ما يجعل الإنسان إنسانًا: اللامتوقّع، المختلف، الخارج عن الإحصاء. وحين نحيل كلّ شيء إلى منظومة بيروقراطية، نكون قد قتلنا جوهر السياسة — أي إمكان الحدث، إمكان ما لم يُحسب له حساب.

في مواجهة هذا الجمود، يدعو باديو إلى استعادة معنى الحدث السياسي: ذلك الانبثاق الذي يخرق النظام ويكشف إمكانية جديدة للكوني.
الحدث هو ما لا يمكن للدولة أن تستوعبه: ثورة، تمرّد، فكرة، أو حتى موقف أخلاقي يرفض الخضوع للعدّ. وكلّ حدث هو لحظة تذكّرٍ بأنّ الدولة ليست قدراً، بل اختراع بشريّ قابل للنقد والتجاوز.

لقد رأينا هذه اللحظات في كلّ مكان: حين يخرج الناس إلى الشوارع دفاعًا عن كرامتهم، حين ترفض أمّ أن تصمت على مقتل ابنها باسم «هيبة الدولة»، حين يكتب شاعرٌ ضدّ الرقابة، أو حين يفضح صحافيٌّ كذب السلطة.

في تلك اللحظات يتصدّع الصنم، ويستعيد الإنسان مكانه كصاحب سيادة حقيقية. فالسيادة ليست أن تكون للدولة، بل أن تكون للحقيقة وللإنسان. وفي ظلّ صنمية الدولة، تتحوّل الطاعة إلى فضيلة عليا. حيث تُربّى الأجيال على «احترام المؤسسات»، وعلى أن «القانون فوق الجميع»، ولكن يبقى السؤال: من الذي يضع القانون؟ ومن الذي يُحاسب الدولة حين تخون مبادئها؟

إنّ احترام الدولة لا معنى له إن لم يكن مقترنًا بمساءلتها. والقانون الذي لا يُنتِج العدالة ليس قانونًا، بل قيد جديد. فحين نُربّي المواطن على الخوف من الدولة بدلاً من الإيمان بالحق، فإننا نخلق رعايا لا مواطنين. وحين نصمت أمام الظلم باسم «استقرار الدولة»، فإننا نُقايض كرامتنا بوهم الأمان.

الدولة التي تُقدّس نفسها تخلق شعبًا يُقدّس عبوديته. وفي العالم العربي، تبلغ صنمية الدولة أقصى تجلياتها. ومنذ أن وُلدت دول الاستقلال، تحوّلت الأنظمة إلى أوصياء على الأمة، وجعلت من «هيبة الدولة» سلاحًا لتبرير القمع والفساد والفشل.
كلّ انتقاد يُعتبر خيانة، وكلّ احتجاج يُفسَّر كمؤامرة، وكلّ صوتٍ حرّ يُتهم بأنه يهدّد «السلم الأهلي» وصارت الدولة العربية كائناً مقدساً يعيش فوق المجتمع، لا فيه. حيث تحتكر الحقيقة باسم «الوطنية»، وتختزل الناس في رعايا خاضعين. ثم توزّع الامتيازات كالأعطيات، وتخلط بين الولاء للوطن والطاعة للنظام.

وهكذا تتكرّس عبادة جديدة: عبادة الدولة-الزعيم، حيث السلطة تتجسّد في شخصٍ واحدٍ أو في بنيةٍ أبديةٍ لا تتغيّر.
كلّ دولةٍ في أصلها وعدٌ بحماية الإنسان. لكن حين تتحوّل إلى صنمٍ، تنقلب المعادلة: يصبح الإنسان في خدمة الدولة، لا العكس. فتُقام المشاريع لا لتطوير المجتمع بل لتجميل صورة النظام. وتُدار الثقافة لا لتنوير الناس بل لتلميع السلطة. حتى المآسي الإنسانية تُحوَّل إلى مناسباتٍ للبروباغندا الوطنية.

آن الأوان أن نقول بوضوح: الدولة ليست غاية، بل وسيلة. وكلّ وسيلة تفقد غايتها تتحوّل إلى آلة تدمير. وقداسة الوطن ليست في مؤسساته، بل في حريّة أبنائه. كما إن الحفاظ على الدولة لا يعني الصمت على جرائمها، بل تصحيحها ومساءلتها وإجبارها على أن تكون أداةً للحقّ لا للهيمنة. فالسيادة ليست علَمًا أو نشيدًا، بل قدرة المجتمع على إنتاج الحقيقة بنفسه.

حين يقرّر الناس مصيرهم خارج الوصاية، وحين يتكلم الصامتون، ويُرفع الصوت باسم العدالة لا باسم السلطة، تولد السيادة الحقيقية.
أما الدولة التي تخاف من الكلمة، التي تقمع الفنّ والفكر، التي تعتبر النقد خيانة، فهي دولة فقدت شرعيتها مهما رفعت من شعارات السيادة.

نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، لا تُقدّس الدولة بل تُخضعها للمساءلة المستمرة. فالدولة التي لا تُنتقد تموت أخلاقيًّا قبل أن تسقط سياسيًّا.
وكما قال الفيلسوف الإسباني أورتيغا إي غاسِت: «حين تصير الدولة كلّ شيء، يصبح كلّ شيء بلا قيمة».

فالتحرّر لا يبدأ بإسقاط الأنظمة فقط، بل بإسقاط الفكرة التي تجعلنا نهابها. كما إنّ كسر صنمية الدولة هو الخطوة الأولى نحو استعادة السياسة بوصفها شأنًا إنسانيًا لا بيروقراطيًا. لأن السياسة ليست امتيازًا للمحترفين، بل فعل تفكيرٍ ومساءلةٍ ومقاومةٍ يومية.

وحين يدرك المواطن أنّ الدولة ليست إلهاً، بل جهاز يمكن ويجب تفكيكه وإصلاحه، حينها فقط يمكن أن نبدأ حديثًا جادًا عن الحرية.
فالدولة التي تخاف من الحدث، من المفاجأة، من الشعب، من الكلمة، هي دولةٌ تخاف من الحقيقة نفسها. وكل أمّة تؤمن بأنّ خلاصها في عبودية النظام، ستبقى تائهة بين خوفين: خوف من الفوضى، وخوف من الحرية... فلنكسر الصنم، قبل أن يُحطّمنا.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك