اليوم السابق

قد تكون الحرب في قطاع غزة انتهت فعلاً، وانتهت لمّا قررت أميركا أنها انتهت، بغض النظر عن النتائج التي لم تحققها إسرائيل، وظلت طوال عامين تردّد أنها لن توقف الحرب من دون تحقيق أهدافها. لكن، في اليوم الأخير من الحرب، بعد أن تجاوزت العامين وأكثر، أصبح معظم أهالي قطاع غزة بلا مأوى، وطلابه بلا مقاعد دراسة، لا في المدارس، ولا في الجامعات. ومعظم جرحاه ومرضاه بلا مستشفيات ومراكز صحية، بعد أن دمّرت الحرب كل شيء فعلياً لا مجازياً.
التدمير ممتد من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وآثاره ستمتد طويلاً ريثما تبدأ عملية إعادة الإعمار، وتنتهي، هذا إن تم تجاوز كل المطبّات والموانع التي قد تعيق أو تمنع الإعمار. والمرجّح أنّ الإعمار لن يبدأ في القريب العاجل، وسيبقى هذا الملف على ارتباط بالتذبذب والابتزاز السياسي بين جميع الأطراف، لأهداف عدة، منها عقود الإعمار والاستثمار للمكان.
ووفق المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جاكو سيليرز، فإن دولاً، من بينها الولايات المتحدة وكندا ودول عربية وأوروبية، أعطت مؤشرات واعدة على استعدادها للمساهمة في تكلفة إعادة إعمار غزة المقدرة بنحو 70 مليار دولار. وأضاف أن الحرب التي استمرت عامين هناك خلّفت ما لا يقل عن 55 مليون طن من الأنقاض، مؤكداً أن تعافي غزة بالكامل قد يستغرق عقوداً.
علماً أنه، وفقاً لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات)، قد تضرّر حوالى 83% من إجمالي المباني في قطاع غزة. هذا وقد أعلنت بريطانيا، على الموقع الرسمي لحكومتها، أنها تعتزم عقد مؤتمر للبحث في إعادة إعمار غزة سيستمر لمدة 3 أيام، يشارك فيه ممثلون عن القطاعات المالية العالمية، بالإضافة إلى ممثلين عن دول عربية وعن السلطة الفلسطينية. وكشف البيان أنّ المؤتمر يُعقد بالتعاون مع السلطة الفلسطينية ومصر.
حياة الناس في غزة ستبقى على كف الموت لسنوات، وستستمر الحرب عليهم بأدوات «ناعمة» تستخدم حقهم في الحياة كالمأكل والمشرب والمسكن والملبس، من أجل الباطل المتعلق بالإخضاع الاجتماعي
إنّ مشروع «ريفييرا غزة»، أو أي مشروع آخر على شاكلته، موضوع على الطاولة، وطموحه موجود في أذهان أصحابه وأصحابهم في الدول التابعة المنفذة لأوامر «الدول العظمى». هذا المشروع الغاية، والجزء من مشروع سياسي اقتصادي أكبر، لا يشي بأن ملف غزة سيغلق قريباً، إنما سيدخل في هدنة مؤقتة مرهونة بتطورات رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية.
وإن كان وقف الحرب والقتل غنيمة بحد ذاته، فالقادم، عطفاً على ما حدث في العامين المنصرمين، وللدقة قبل العامين، يؤكد أن الجميع سيكملون تطهير فلسطين من الفلسطينيين، وسيعملون على تأمين إسرائيل في أمنها وأمانها. وما المشاريع المخططة في غزة وفي الضفة، إلا للأهداف السياسية والعسكرية والديموغرافية المعروفة جداً، وأيضاً لأسباب اقتصادية، من أجل أن تعوّض إسرائيل خسائرها الاقتصادية في الحرب من جانب، ومن أجل مهمّتها الجديدة في حماية المصالح الأجنبية المستجدة في المنطقة، وضبط سلوك الجيران إن جرّبوا أن ينهضوا.
حياة الناس في غزة ستبقى على كف الموت لسنوات، وستستمر الحرب عليهم بأدوات «ناعمة» تستخدم حقهم في الحياة كالمأكل والمشرب والمسكن والملبس، من أجل الباطل المتعلق بالإخضاع الاجتماعي، والإجبار على هذا الخضوع وصولاً إلى اللحظة التي سيتخذ فيها معظم الشباب قرارهم بالمغادرة نحو احتمال جديد للنجاة.
كل ما سبق متعلّق بسؤال رئيسي: هل سيستمر وقف إطلاق النار طويلاً؟ عوامل عودة «النار» موجودة بقوة، ليس أولها ولا آخرها موضوع الجثث الذي بدأت ألسنة المسؤولين في إسرائيل تتحدّث فيه، ولن تكون النهاية مع تسليم السلاح. وفرضاً لو سلمت «حماس» وباقي الفصائل الفلسطينية سلاحها، وتعهّدت بعدم الرجوع إليه، وذهبت أبعد من ذلك، هل ستكتفي إسرائيل بذلك، أم سيكون اليوم السابق لوقف إطلاق النار، هو اليوم التالي؟
* كاتب فلسطيني
