دور الشهادة في تعبئة الجماهير الفلسطينية


في 20 تشرين الثاني عام 1935، حاصرت وحدة من شرطة الانتداب البريطاني الشيخ عز الدين القسّام وأتباعه، بينما كانوا يخططون لثورة شاملة على مستوى فلسطين. وقبل أن تبدأ المواجهة المسلحة، أمرهم أحد أفراد الشرطة - وكان يتحدّث العربية - بالاستسلام، مؤكداً أنه لا مفرّ من الموت. فردّ عليه القسّام قائلاً لأتباعه: «موتوا شهداء»، ففعلوا.
بعد مرور ستين عاماً على استشهاد القسّام، استُشهد يحيى عياش، الوجه البارز لكتائب القسّام حينها، على يد الصهاينة. الرجل الذي خطط لعدد لا يُحصى من العمليات الاستشهادية ضد أهداف صهيونية في تسعينيات القرن الماضي، أعاد تعريف مفهوم الشهادة في السياق الفلسطيني.
ففي حين أن القسّام أسهم في تحويل الشهادة إلى إطار ثوري متكامل داخل السياق المحلي، جاء عياش ليمنحها بُعداً عسكرياً استراتيجياً. فلم تعد الشهادة مجرد فعل رمزي يعبّئ الجماهير خلف قضية الشهيد، بل أصبحت بحد ذاتها عملاً هجومياً فعّالاً.
ولا يمكن فهم تطور مفهوم الشهادة في القضية الفلسطينية دون التعمّق في حياة وإرث عز الدين القسّام ويحيى عياش.
ظاهرة القسّام
ولد عز الدين القسّام في سوريا، في منطقة الساحل السوري. وكان شيخاً متخرّجاً من الأزهر، وشارك في مقاومة ثلاثة مشاريع استعمارية: المشروع الفرنسي في سوريا، والبريطاني في فلسطين، والإيطالي في ليبيا. ورغم أنه لم يقاتل فعلياً ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا (1911-1912)، إلا أنه حاول فعل ذلك بتشكيل فرقة من المتطوعين كان من المقرّر إرسالها إلى ليبيا، إلا أن السلطات العثمانية أمرتهم بعد 40 يوماً من الانتظار بالتراجع والعودة. ومع ذلك، نظّم القسّام احتجاجات في بلدته جبلة ضد الغزو الإيطالي، وجمع التبرعات لصالح الجهد الحربي العثماني والليبي.
بعد الحرب العالمية الأولى واحتلال الغرب لأراضي الدولة العثمانية المنهارة، سقط الساحل السوري تحت الاحتلال الفرنسي. فقاد القسّام، إلى جانب وجهاء من أبرز طائفتين في المنطقة، السنّة والعلويين، مقاومة مسلحة ضد الاستعمار الفرنسي. وبعد عام من الكفاح المسلح، اضطر إلى مغادرة البلاد بعدما حكم عليه الفرنسيون بالإعدام، فكانت وجهته التالية مدينة حيفا في فلسطين.
في سنواته الأولى بحيفا، عمل معلّماً في مدرسة إسلامية محلية، وضمّن المناهج رؤى تحررية؛ فكان يُدرّس سيرة شخصيات إسلامية بارزة كصلاح الدين الأيوبي، محرر القدس من الصليبيين، عبر عروض مسرحية. تولّى لاحقاً الإمامة في مسجد الاستقلال، حيث خاطب جمهوراً من الطبقة العاملة، معظمهم من الفلاحين القادمين من القرى المجاورة، بخطاب ثوري مناهض للاستعمار. كما أسّس مدرسة ليلية لمحو الأمية، وجمع التبرعات للعاطلين عن العمل، وأسهم في تأسيس «جمعية العمّال العربية الفلسطينية».
في أعقاب ثورة البراق عام 1929، قرّر القسّام حمل السلاح. وسهّلت عليه علاقاته المجتمعية تجنيد المقاتلين. بدأت عمليات المقاومة التي قادها وأتباعه ضد المستوطنات الصهيونية والمواقع العسكرية، ولكن السلطات البريطانية قمعتها بشدة، ما اضطره للعمل بسرّية. وفي تشرين الثاني 1935، خاض ورفاقه اشتباكاً مسلّحاً مع شرطة الانتداب البريطاني في بلدة يعبد قرب جنين، حيث قاتلوا حتى الرمق الأخير، رافضين الاستسلام رغم الحصار والتفوق العددي البريطاني.
أشعلت أنباء المواجهة البطولية بين الشيخ عز الدين القسّام ورفاقه من جهة، وقوات شرطة الانتداب البريطاني من جهة أخرى، مشاعر الفلسطينيين في كل أنحاء البلاد. فقد تحوّل استشهاده وما خلّفه من إرث فكري ونضالي إلى نقطة تحوّل تاريخية؛ إذ قدّم القسّام للشعب الفلسطيني مساراً بديلاً من ذلك الذي اختاره «ممثّلوهم» آنذاك من النخب الفلسطينية.
كان القسّام واضحاً في خطبه بمسجد الاستقلال، إذ أكّد أن الاستعمار البريطاني لا يقلّ خطورة عن المشروع الصهيوني، فكلاهما متحالفان في مسعى واحد هو إخضاع الفلسطينيين وسلب أرضهم لصالح إقامة مستعمرة يهودية. في المقابل، كانت النخب الفلسطينية ترى في بريطانيا قوةً «محايدة» يمكن كسبها عبر المفاوضات، معتقدة أن الجهد الديبلوماسي كفيل بإقناعها بالتراجع عن دعم المشروع الصهيوني.
كما إن تركيز القسّام على العنف الثوري باعتباره الأداة التي ستحقق للشعب الفلسطيني حقوقه ساعد في كسب تأييد الجماهير. واستشهاده في ميدان القتال ضد الاستعمار منح أفكاره مصداقية شعبية هائلة، وجعل من شخصه رمزاً ملهماً للفلسطينيين. وبعد خمسة أشهر فقط من استشهاده، اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.
تشير حياة عز الدين القسام بعد وفاته إلى الأهمية المركزية للاستشهاد في النضال الفلسطيني. أصبح استشهاده وأتباعه لحظة مفصلية في الوعي الجمعي الفلسطيني، رسّخت فكرة التضحية بالنفس كقيمة مركزية في ثقافة المقاومة. فقد انتشرت خلال الثورة قصص بطولية عن رجال اختاروا الموت طوعاً من أجل القضية. ومن تلك القصص قصة سائق الحافلة الفلسطيني «أبو محمد» الذي أُجبر على نقل جنود بريطانيين، فقرّر أن يقود الحافلة نحو الهاوية ليقتلهم جميعهم.
وفي العدد الأول من مجلة «فلسطيننا» (الناطقة باسم حركة فتح بين 1959 و1965 قبل انطلاقتها الرسمية)، نُشرت حكاية عن مجموعة فدائيين حاولوا اقتحام مستوطنة صهيونية في النقب، لكنها كانت محصّنة بالألغام، فاختار أحدهم أن يُلقي بنفسه على المتفجرات ليفتح الطريق أمام رفاقه.
هكذا، استمر مفهوم الاستشهاد والتضحية بالنفس حتى في الحقبة «العلمانية» مما يُسمّى بـ«الثورة الفلسطينية المعاصرة»، حيث كانت العمليات الفدائية تُعرف باسم «عمليات انتحارية»، وكان هدف المقاتلين أن يقتِلوا ويُقتَلوا في سبيل الوطن.
ومع مرور السنوات، أصبح اسم القسّام مرادفاً للمقاومة ذاتها؛ فبعد النكبة وحتى اليوم، يعتبر كثير من المقاومين والسياسيين الفلسطينيين أن القسّام هو مصدر إلهام دائم. لا يزال إرثه حاضراً بقوة من خلال كتائب عز الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة حماس، التي تفتتح بياناتها الرسمية بشعاره الشهير: «وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد».
طريق عياش
وُلد يحيى عياش بعد ثلاثين عاماً من استشهاد القسّام. كان شاباً متديّناً ومنطوياً ومتعلّماً، أصبح لاحقاً أحد أبرز قادة كتائب القسّام. خلال الانتفاضة الأولى، بدأ مشاركته في المقاومة بإلقاء الحجارة على الآليات العسكرية الإسرائيلية في قريته بالضفة الغربية، شأنه شأن كثير من أبناء جيله. في البداية، عارضت عائلته مشاركته خوفاً من اعتقاله أو إصابته أو استشهاده على يد قوات الاحتلال، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة التي غيّرت مجرى حياته حين قال له والده: «الحجارة لن تحرّر فلسطين، وأمثالك من المتعلمين لا يمكن أن يكتفوا برمي الحجارة».
تأثّر عياش بهذه الكلمات بعمق، وبدأ يبحث عن وسائل أكثر فاعلية للمقاومة. وأثناء دراسته هندسة الكهرباء في جامعة بيرزيت، بدأ بإجراء أبحاث حول تصنيع المتفجرات محلياً، وتواصل مع خلية تابعة لكتائب القسّام. ومع الوقت، انضمّ إليها وأسهم بخبراته التقنية في تطوير عبوات ناسفة فعّالة.
وخلال فترة وجيزة، أصبح صانع المتفجرات الأول في كتائب القسّام، وصاحب الاسم الحركي «المهندس»، إذ طوّر أجهزة تفجير مبتكرة وخطط لسلسلة من العمليات الاستشهادية التي استهدفت مواقع عسكرية ومستوطنات صهيونية خلال تسعينيات القرن الماضي. لم يكن عياش رمزاً لأنه صمّم تلك العمليات فحسب، بل لأنه مثّل طريقاً جديداً في الوعي الفلسطيني والعربي: طريقاً يرفض الانخراط في مسار الاستسلام الذي اتبعه قادة منظمة التحرير وبعض الأنظمة العربية بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.
بعد أربع سنوات من المطاردة المكثفة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية المتعاونة معه، استُشهد عياش في كانون الثاني 1996، عندما فجّرت المخابرات الإسرائيلية هاتفاً محمولاً كان يستخدمه في مخبئه بقطاع غزة.
شارك أكثر من 100 ألف فلسطيني في جنازته بمدينة غزة، في مشهد جسّد حجم الدعم الشعبي لخيار حماس بالمقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني، رغم ما كان يُروّج له من «عملية سلام». وقد أدهش هذا الحضور الكثيف زوجته، التي لم تتوقع أن يحظى رجل من الضفة الغربية بمثل هذا التعاطف في غزة.
أدخل يحيى عياش إلى النضال الفلسطيني تكتيكاً عسكرياً جديداً تمثّل في العمليات الاستشهادية. وقد أصبحت هذه العمليات ظاهرة مركزية ضمن مسار المقاومة الفلسطينية، وامتدت فاعليتها لما يقارب عقدين من الزمن، تزامناً مع مرحلتَي الاستسلام/المفاوضات والانتفاضة الثانية التي طغى عليها الطابع العسكري.
وبعد اغتيال «المهندس»، شكّلت كتائب القسّام رداً نوعياً تمثّل في سلسلة عمليات أُطلق عليها اسم «عمليات الثأر المقدّس». لم تكن هذه العمليات مجرد انتقام، بل مثلت تحولاً استراتيجياً في مفهوم الردّ على الاغتيالات الصهيونية لقادة المقاومة الفلسطينية. وقد أرست تلك العمليات سابقة ستتبعها سائر الفصائل الفلسطينية حتى نهاية الانتفاضة الثانية: فكلما اغتالت إسرائيل قائداً فلسطينياً بارزاً، جاء الردّ من خلال عملية استشهادية ضد أهداف صهيونية.
أظهر إرث عياش كيف أن الشهادة تُعدّ رمزاً موحِّداً ومحفزاً لفعل جماهيري، يعزّز من صمود المقاومة الفلسطينية عبر الأجيال. لقد جسّد لحظة اندمج فيها مفهوم الشهادة بالتضحية الذاتية مع ضرورات الحفاظ على الذات الجمعية، سواء عبر الردع أو الانتقام أو توجيه رسالة صمود. ويمكن سماع صداه في هتاف الجماهير خلال تشييع شهداء الانتفاضتين: «الثأر، الثأر يا كتائب القسّام!».
جدير بالذكر أن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد مؤسسي حركة حماس، والذي استُشهد هو الآخر عام 2004 إثر غارة صهيونية أثناء ترؤسه المكتب السياسي للحركة، كتب قصيدة رثاء في عياش حملت معاني قوية. يقول في مطلعها: «عياش حيٌ لا تقل عياش ماتْ. أوهل يجف النيل أو نهر الفرات؟».
تحمل هذه الأبيات رسالة واضحة: الشهادة لا تُنهي حياة الإنسان، بل تخلّد ذكراه وتُحيي أثره في نفوس الآخرين. وهذا ما ينطبق تماماً على يحيى عياش. فلم تتوقف العمليات الاستشهادية بموته، بل وبعد مرور 25 عاماً على استشهاده، أطلقت كتائب القسّام صاروخاً بعيد المدى نحو مطار رامون، وسمّته «عياش 250»، تخليداً لذكرى «المهندس الأول» لديها.
في بيت آخر من القصيدة، يقول الرنتيسي:
«هذي الألوف أبا البراء تعاهدت... أن لا نجونا إن نجت عُصبُ الجناةْ
وتآلفت منها القلوب فكلها... يحيى فويلٌ للصهاينة الغزاةْ».
هذه الأبيات تُجسّد كيف أصبح استشهاد عياش مصدر إلهام للآلاف، يدفعهم إلى مواصلة طريقه، والثأر له، والمضي قدماً في النضال ضد الاستعمار الصهيوني. لكن هذا لا ينطبق على عياش وحده، ولا على القسّام فقط، بل ينطبق على كل فلسطيني استُشهد على يد الاحتلال، منذ إقامة أول مستعمرة صهيونية على أرض فلسطين، وحتى يومنا هذا.
* باحث فلسطيني
