واشنطن تخلع الأقنعة!

كالعادة، في تعامله المباشر والشخصاني والمرتجل والعابث، مع كل حدث أو موقف، كبُر أم صغُر، سارع الرئيس ترامب إلى التعامل على هذا النحو مع حرب غزة. بطريقته الاستعراضية، أعلن وكرَّر أنه سيأتي فوراً إلى المنطقة. طريقته تلك، كانت الوجه العلني لما جرى ويجري طبخه في الغرف المغلقة والأجهزة الاستخبارية، بشأن تحويل مسألة غزّة إلى قمة جبل جليد في صفقة كاملة تجري محاولة فرضها على فلسطين وكل المنطقة: بالإرهاب والإبادة والتهديد والخداع والتواطؤ.
رغم كل ما حدث، واصل ترامب رؤية المشهد الدامي في غزة وفي الضفة الغربية، بعين واحدة هي العين الإسرائيلية. كرر اختصاره للأزمة بعملية احتجاز 20 أسيراً إسرائيلياً وبتبني مجمل الأهداف الإسرائيلية، بما فيها تلك التي عجزت حكومة العدو عن تحقيقها بعد سنتين من الإبادة. وهو في مجرى اندفاعه «العفوي»، لم يتردد في أكثر من خطاب وتعليق وتهديد، بنزع قناع «الوسيط» الشكلي، والتصرف على أنه الطرف المحوري والأساسي في العدوان على الشعب الفلسطيني، وفي حرب غزة خصوصاً. في السياق، أعلن، في الكنيست الإسرائيلي، أنه شريك مع إسرائيل في «الانتصار».
ولولا حرصه على مساعدة نتنياهو في الخروج من مأزقه الداخلي (قبل الخارجي الذي تجلى خصوصاً في مخاطبة قاعة شبه فارغة أثناء إلقاء كلمته في الجمعية العامة الأخيرة للأمم المتحدة)، لكان نسب كل الفضل في «الانتصار» لواشنطن وله شخصياً! حرصه هذا دفعه إلى مطالبة رئيس الكنيست، مباشرة وعلناً، بالكف عن ملاحقة نتنياهو! ذكّر أيضاً بأنه، في ولايته السابقة، كان قد قدّم لإسرائيل «هدية» نقل سفارة واشنطن إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان... بناءً على طلب آل مادلسن، من كبار الأثرياء الصهاينة الممولين لحملته الانتخابية. ثم توجه إلى السيدة مادلسون الجالسة في قاعة الكنيست، متسائلاً، بتودّد وإعجاب، عما إذا كانت تحب إسرائيل أكثر من أميركا؟
إعلان الرئيس الأميركي شراكة بلاده في «الانتصار»، ليست، إذاً، مجرد «قفشة ترامبية» عابرة. إنها تعبير عن واقع ثابت ودائم يحكم العلاقة بين الطرفين، أياً كانت الإدارات القائمة. لقد بدأت الشراكة بتبرير العدوان: «دفاع مشروع عن النفس». وبالدعم المطلق، وهو متعدد الأشكال: عسكري وسياسي وديبلوماسي (فيتوات مجلس الأمن)، ومالي (عشرات المليارات)، ودفاعي واستخباراتي (عبر الأساطيل)، وقمعي لمعاقبة المحتجين في جامعات أميركا وإطلاق العصابات الصهيونية للاعتداء عليهم وإرهابهم... هذا إلى العدوان على صنعاء لفك الحصار البحري عن العدو، وعلى طهران باستهداف مؤسساتها النووية التي عجز العدو الإسرائيلي في الوصول إليها.
الواقع أن ما أصاب إسرائيل من عزلة دولية غير مسبوقة، قد أصاب واشنطن بالدرجة نفسها. هذا حصل في مجلس الأمن، وفي مسألة الاعتراف بدولة فلسطين وتبني «حل الدولتين»... ثم أن كل الوحشية الإسرائيلية، وكل الدعم والإمكانات من قبل واشنطن، لم ينجحا في إخضاع المقاومة وأبناء غزة وفي دفعهما إلى الاستسلام أو إلى الهجرة.
ملحمة صمود ومقاومة أسطورية استمرت في إدهاش العالم على امتداد سنتين، لتنتهي بقول ترامب لنتنياهو: «لا تستطيع مواجهة كل العالم». كان الأحرى به أن يقول «لا نستطيع» الاستمرار في مواجهة كل العالم! وهكذا جاء وقت التراجع، وخصوصاً حين اجتاحت المظاهرات المليونية مدن العالم الغربي خصوصاً وأصبحت قضية غزّة، مقاومةً وشعباً، مستحوذة، رغم الآلام العظيمة والخسائر الجسيمة، على «الحُسنيين»: الصمود الأسطوري، وعجز القتلة وداعميهم وافتضاحهم.
بيد أن واشنطن ذات باع طويل، خصوصاً في ما يتعلق بالكيان الصهيوني، في المبادرة إلى تحويل تدخلها السياسي المعتاد، تحت عنوان «الوساطة»، إلى مناورة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه من أهداف، وذلك بوسائل الخداع والضغوط والمناورات. هكذا هي «خطة ترامب» في العاشر من الشهر الحالي! لقد رمت الخطة إلى إنقاذ نتنياهو من ربط حرب الإبادة، وما رافقها من همجية ومجازر مروعة، بمخاوفه على مستقبله السياسي الشخصي، غير عابئ بخسائر إسرائيل، ولا بالعزلة السياسية المتعاظمة لكل من حكومته والإدارة الأميركية. تولى الرئيس الأميركي، المهووس بـ«العظمة»، الأمور مباشرة. طمأن نتنياهو. حشد عدداً من «الكومبارس» في كرنفال التوقيع.
تجاهل كل آلام الفلسطينيين بعد قضيتهم. ركّز فقط على أسرى العدو، أطلق التهديدات تكراراً ضد الجانب الفلسطيني بشأن تسليم السلاح. روّج لـ«سلام شامل» عبر استئناف التطبيع الإبراهيمي. أطلق الوعود بشأن الازدهار والاستقرار اللذين ستنعم بهما المنطقة، بالشراكة مع تل أبيب وبرعاية واشنطن... كل ذلك وسواه من دون أي ذكر لقضية الشعب الفلسطيني ولحقّه في تقرير المصير، الغائبين كلياً عن بنود خطته!
الأخطر، قبل هذا وبعده، محاولة ترامب وإدارته فرض تلك الخطة أساساً لدعم الأطماع الصهيونية في نطاق مشروع «إسرائيل الكبرى»، بكل ما يرافقه من الممارسات الإرهابية والقتل والتهديد والتوسع. وكذلك، في نطاق محاولة أوسع لإحلال «سلام» أميركي في المنطقة مفخَّخ بعشرات أصناف صيغ السيطرة والترهيب والابتزاز والنهب والوصاية.
أمّا لبنان، فكان نصيبه من كرنفال «شرم الشيخ» الاستبعاد، وتجديد مطالبته بنزع سلاح المقاومة. وهو الهدف الأساسي الذي من أجل فرض تحقيقه بعد تشريعه، تواصل القوات الإسرائيلية، برعاية وشراكة و«رقابة» من واشنطن، عدوانها على لبنان. تواصل ذلك بالإرهاب والقتل والتدمير والتوسع واستباحة السيادة والأجواء. تواصله، كذلك، بمنع العودة عبر منع المساعدات حتى من اللبنانيين «المنتشرين» لأهاليهم... هذا فيما تواصل السلطة تجاهل أبسط واجباتها في حمايتهم أمنياً وسياسياً واجتماعياً، أو في محاولة ذلك!
ليست هي المحاولة الأولى التي ترتكبها وتختبرها واشنطن تحت شعار «الشرق الأوسط الجديد». منذ 22 عاماً (غزو واحتلال العراق)، وواشنطن وتل أبيب وأتباعهما في المسار نفسه، ومن أجل الأهداف نفسها أيضاً. الجديد الآن أن واشنطن قد خلعت القفازات والأقنعة بوصفها عدواً مباشراً. هذا يملي الكثير من التبعات والمهمات!
لم ينجحوا في السابق. ليس بالضرورة أن ينجحوا اليوم، طالما بقيت شعلة المقاومة حيّة ومتوهّجة وفاعلة!
* كاتب وسياسي لبناني
