قراءة فلسطينية في فكر أساتا شكور


توفّيت المناضلة السوداء الأميركية أساتا شكور، يوم 25 أيلول عن عمر يناهز 76 عاماً، وخسرت برحيلها حركات التحرير الأممية كافة، ومن بينها حركاتنا الفلسطينية والعربية. لكن، ما تعوّضنا هذه الخسارة مسألتان:
أولاً، الأرشيف الحي الذي تبقّى لنا عبر كلماتها وخطاباتها ومقابلاتها والذي يتناغم مع ذكريات المناضلين والمناضلات الذين عايشوها.
وثانياً، ورغم الخسائر الفادحة لكل كادر وقائد وقائدة فارقونا في أحرج الأوقات، فإنّ أساتا شكور، لم تفارق الحياة وراء ذلّ قضبان الأسر وإنما كانت حرّة طليقة ودفنت كريمة ومكرّمة على تراب كوبا الحرّة الأبيّة التي منحتها باسم قائد ثورتها فيدل كاسترو، لجوءاً سياسياً، بعد أن استطاعت مجموعة من المناضلين الأحرار تحريرها وكسر ظلام الزنازين الإمبريالية.
لقد قرأت بيان أساتا شكور، «إلى شعبي» (1973)، كنشرة أصدرها المناضلون والمناضلات السود في الولايات المتحدة، خاطبوا فيها المخيّلة الفلسطينية المناهضة للاستعمار يطالِبونها بالاستجابة لنداء المقاومة. ولا أقصد بفلسطين هنا جغرافيا المخيّلة ما بين الوطن والشتات التي تتحدّى الحدود الاستعمارية غير آبهة، بل جغرافيا التربة السمراء المادية التي تتجسّد داخل حدود 1948.
فكما عبرنا نقاط التفتيش الإسرائيلية واحدة تلو الأخرى، بما فيها تلك التي عبرناها في أثناء رحلتنا الأخيرة لـ«تدريس فلسطين» [1]، ذَكّرني بيان أساتا، بنقطة التفتيش البوليسية على الطريق الرئيسي ما بين الولايات الأميركية حيث كان يتمّ إيقاف السود وأصحاب البشرة السمراء الآخرين وتفتيشهم ومضايقتهم والاعتداء عليهم بشكل متكرّر، ما يذكّرنا بما يحدث يومياً في فلسطين. فغالباً ما طالب رجل المخابرات الإسرائيلي، في مطار اللد، أو المجنّدة الإسرائيلية على الجسر، بأن تقلع ملابسنا كافة والأحذية كذلك ليأخذوها ويختفوا لمدّة ساعة أو ساعتين قبل أن يعودوا بالملابس بدون تفسير ولا اعتذار ويرافقونا إلى الباص أو الطائرة – ينظرون إلينا طويلاً في محاولة لاستخراج الدموع أو الإهانة، والصدمة عندما لا يتحقّق ما يشاؤون.
وعليه، استجابةً لنداء شكور، أودّ أن أتجنّب الخطاب السطحي الذي يُصرّ على التطابق في كل أشكال القمع وحركات المقاومة، ولكنني أؤكّد على أهمية الحوار والتضامن القائم على قاعدة فهم الاختلافات والتشابه.
يثير بيان «إلى شعبي» قضايا متعدّدة، ولكني سأقتصر هنا على ثلاثة أسئلة تتطلّب استجابة فلسطينية عاجلة:
● أولاً، ما الذي يستلزمه التحدّث بشروطنا الخاصة في قلب الإمبراطورية الأميركية والدولة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية، وما الذي تتطلّبه مثل هذه الممارسات من حيث أسئلة تحديد الهوّية، والراديكالية، وسياسات الهوّية، وبناء التحالفات؟
● ثانياً، كيف نفكّر في العنف واللاعنف وتأطيرهما كاستراتيجيات للمقاومة؟
● ثالثاً، ما هي العلاقة بين الفرد والجماعة، وما هي تداعيات هذا التأطير على إمكانيات المساءلة والتغيير الاجتماعي الجذري؟
أولاً: رفض التدجين والاستيعاب والاستعمار الاستيطاني
تعرّف أساتا شكور، نفسها على أنها ثورية سوداء، نسوية تنتمي إلى العالم الثالث، تسمّي الولايات المتحدة بـ«amerikkka»، في إشارة إلى التيار العنصري (KKK) وفوقية البيض، كمكوّن رئيسي لتشكيل وتطوير الاستيطان الكولونيالي في الولايات المتحدة، وليس حدثاً استثنائياً في مأسستها، حيث عرّفت شكور، نفسها بوضوح كمناهضة ميدانية للاستعمار الداخلي: «عقدة الخواجة» في الولايات المتحدة.
كانت شكور، ترفض بوضوح الاستعمار الداخلي المتجذّر، عبر استحضار الثورة السوداء باعتبارها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع ثورات العالم الثالث. ربطت نضال السود في الولايات المتحدة، بالمضطهدين في فييتنام وكمبوديا ولاوس وموزمبيق وأنغولا وجنوب أفريقيا، وهكذا تحدّت الفصل التعسّفي على المستويَين الأجنبي والمحلّي، كما احتجّت ضدّ الاستعمار الداخلي وسياسات الاستيعاب والتدجين في الولايات المتحدة. لم تتطرّق لفلسطين وغيرها من الحركات النضالية العربية المناهضة للاستعمار مثل الجزائر في بيانها، ومع ذلك، فإنّ التاريخ الشفوي للحركة السوداء يؤكّد بوضوح على التزام قوي بمناهضة الصهيونية، وقد أصبحت مثل هذه الالتزامات أكثر وضوحاً اليوم.
ثانياً: العنف واللاعنف
«نحن الضحايا، الضحايا ولسنا المجرمين»، هكذا تذكّرنا شكور، وهي تنتقد كيفية تجريم «جيش التحرير الأسود» بوصفه إرهابياً. وتستند في تحليلها النقدي إلى إنكار الدولة الأميركية كون السود ضحية، كما تنكر الدولة الصهيونية، جرائمها تجاه الشعب الفلسطيني وتنعت المقاتلين الفلسطينيين، مثل رسمية عودة، بالإرهاب.
إنّ هذا البناء الاستعماري والعنصري والمنحاز ضدّ النساء المقاتلات لا يقتصر على أساتا شكور، أو رسمية عودة. فلنأخذ بعين الاعتبار نعت الشابة عهد التميمي، بالإرهابية كونها صفعت أحد جنود الاحتلال الإسرائيلي الذي اعتدى عليها. وهذا يُذكّرنا كيف تمّ التشهير بشكور، نفسها واستهدافها من قِبل شرطة ولاية نيو جيرسي، ومن مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، كما كشف مكتب المحامي آرثر هيتسر.
أعلنت أساتا شكور، أنها لا تتراجع عن تصريحها بأملها في «أن أصبح حرّة بأي وسيلة ضرورية»، أي ليس بالضرورة عبر إطلاق سراحها حسب قوانين الولايات المتحدة. كذلك رفضها للتنديد بالمقاومة المسلّحة أو التخلّي عن حقّ المجتمعات المضطهدة في الدفاع عن النفس، أو قبولها بانتقاد المقاومة السلمية فقط.
التاريخ الشفوي للحركة السوداء يؤكّد بوضوح على التزام قوي بمناهضة الصهيونية وقد أصبحت مثل هذه الالتزامات أكثر وضوحاً اليوم
وبالمقارنة، فإنّ فصائل المقاومة الفلسطينية أيضاً طوّرت استراتيجيات شاملة ومفصّلة وحكيمة من الناحية النظرية والسياسية، بما في ذلك المقاومة المسلّحة وغير المسلّحة. ففي مسيرة العودة الكبرى في غزة وضع المنظمون لافتة كبيرة عرضوا فيها صور كل من مارتن لوثر كينغ، ونيلسون مانديلا، والمهاتما غاندي (رغم اختلافي معهم حول بعض الرموز التي اختاروها)، فقد كانت هذه اللافتة خلفية مسيرات تعبئة استمرّت ستة أسابيع من ذكرى يوم الأرض في 30 آذار، وحتى يوم النكبة في 15 أيار 2018. وطالبت المسيرات برفع الحصار المدمّر عن غزة والمفروض منذ أكثر من عشر سنوات، وحق تقرير المصير وحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة.
كما انتقدت شكور، ومناضلون آخرون تواطؤ الإعلام المهيمن. وفقاً لما ورد في مقالة نُشرت في صحيفة «نيويورك تايمز»، إذ غطّت مسيرات العودة، فقد صوّر وضع الزعماء الثلاثة من آسيا وأفريقيا والمجتمعات السوداء في الولايات المتحدة وكان أمراً انتهازياً. لقد نفت «نيويورك تايمز» ما لا يقلّ عن مئة عام من المقاومة الفلسطينية التي تمّ توظيف جميع أشكال النضال فيها في سياقات مختلفة، ومحطات سياسية، منها الانتخابات.
حيثُ لم يصوّر الفلسطينيون المقاومة السلمية على أنها نقيضة للكفاح المسلّح، بل اعتبروها مُكملّةً لاستراتيجية مقاومة شاملة لكل أشكال المقاومة. كان إدراج هؤلاء القادة متعمّداً للإشارة للتضامن مع العالم الثالث في نضاله من أجل الحرّية بدلاً من الاحتجاج السلمي أو «اللاعنفي».
ثالثاً: الفردية والجماعية
أثارت أساتا شكور، تساؤلاً مركزياً حول دور الفرد والمسؤولية الجماعية –هذا السؤال الذي يحتلّ مكانة مركزية وخصوصاً في الدوائر الليبرالية وتتجلّى حتى في الدوائر وعبر الأفراد التي تدّعي الراديكالية، وإنما يهمّها إبراز دورها الفردي: «على أكتاف من تستند؟». يلخّص بيان «إلى شعبي» أكثر من أربعين عاماً من المناشدات النقدية ومقاربة مجموعة من النسويات السوداء كـ «مارغو أوكازاوا-ري [2]» وأنجيلا وأساتا وكذلك البيان النسوي لتجمّع نهر كومباهي (Combahee River Collective).
وإذا استقرأنا هذا التساؤل عبر العدسة الفلسطينية، فنرى كيف يحوّل المناضلون في خطابهم البحث في تجاربهم الفردية، رغم ندرتها وإصرارهم على رفض أنّ «تجربتهم ليست شيئاً استثنائياً إنما هي تجربة تمثّل المناضلين الآخرين» للتأكيد على أهمّية العمل الجماعي [3].
ففي أثناء اجتماع استمرّ لمدّة ساعتين حول «تدريس فلسطين: التطبيق التربوي وشمولية العدالة»، رفضت الناشطة النسوية الفلسطينية الرائدة حنين الزعبي، أربع مرات قبل أن توافق على مضض بسبب إلحاح أعضاء الوفد أن تجيب على أسئلة تتعلّق بتجربتها الشخصية، حيث قام الأعضاء الصهاينة في الكنيست الإسرائيلي، بإسكاتها ومعاقبتها بعد أن تعرّضت ولا تزال إلى هجمات صهيونية عنصرية جنساوية. كما ناقشنا في تجربة المناضلة ليلى خالد، وتردّدها في بحث تجربتها لم يكن مطلقاً نابعاً من خجل أو حياء مصطنع يعود إلى قناعة بدونية المرأة وإنما ناتج عن مركزية العمل الجماعي وأولوية الكفاح الجماعي بعيداً عن النرجسية الفردية.
لقد سمعنا عن مشاعر مماثلة على مرّ السنين من قبل النشطاء وأعضاء المجتمع والأكاديميين الذين لا يمكن ذكرهم هنا، كما هو واضح في مقالة «إلى شعبي» وروايات المقاومة الفلسطينية، حيث أنّ هذا التطبيق النسوي يربط الفرد بالجماعة، كما أنه إعادة صياغة لفهم معيّن للنسوية التحريرية تتّسم بالمساءلة، والارتباط، ومحدّدة السياق وتتمحور حول رفض تجزئة العدالة، بدلاً من بناء وظائف على حساب التجارب المعيشية للمجتمعات المهمّشة.
في سياق الخصوصية والأسس المجتمعية لنضال تحرير السود ضدّ الدولة الاستعمارية الأميركية، تعالج أساتا شكور، المعضلات الأخلاقية التي تأتي في صلب السياسات الجذرية الفلسطينية وأدبيات المقاومة ضدّ النظام الاستعماري الإسرائيلي.
وكلّما قرأت بيان أساتا شكور، من جديد أشعر بأهمّية نقل «إلى شعبي» إلى كل رفيق ورفيقة فلسطيني/ـة وعربي\ـة ليحلّلوه، ويناقشوا تأطيره حتى نبحث سويّاً: مَن نخاطب؟ كيف نخاطب؟ وكيف ننتقل من جمهور إلى آخر؟ ما تجادل من أجله ضده ولماذا؟
إنّ بيان أساتا شكور، «إلي شعبي» في أجواء وجغرافية فلسطين المقاومة والمتحدّية للحدود كما تجسّد في «طوفان الأقصى»، يوصل الرسالة إلى روح شمولية العدالة وممارسة المقاومة والتحرير.
* مديرة و باحثة أولى في برنامج دراسات الجاليات العربية والمسلمة في المهجر في جامعة ولاية سان فرانسيسكو
هوامش:
[1] «تدريس فلسطين: ممارسة البيداغوجيا وشمولية العدالة» هو مشروع بادرنا به في برنامج دراسات الجاليات العربية والمسلمة في المهجر في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، وشاركت في تنظيمه جامعتان فلسطينيتان، «النجاح» و«بيرزيت»، حيث سافر الوفد من جميع أنحاء العالم كما في جميع أنحاء فلسطين للقاء المجتمعات الفلسطينية التي لا تكافح من أجل البقاء فحسب، بل لبناء بديل للاستعمار الاستيطاني الصهيوني الإسرائيلي العنصري الإحلالي.
[2] عملت أوكازاوا–ري، لسنوات طويلة في فلسطين بالتعاون/ بالتطبيق العملي مع الناشطة النسوية الفلسطينية الراحلة مها أبو دية، في مركز القدس للمرأة للمساعدة القانونية والإرشادية.
[3] يستخدم الفلسطينيون لقب «المناضلين» للإشارة إلى أولئك الذين يكرّسون حياتهم للنضال، على عكس المسلحين أو النشطاء أو القادة أو المدافعين أو المنظمين أو العاملين في المنظمات غير الحكومية.
